الأحد 13 شعبان 1441 - 5 أبريل 2020

الحرص على المال والجاه (3)

الاثنين 19 ربيع الثاني 1441 - 16 ديسمبر 2019 360 اختارها لخطبة الجمعة في جامع الرضا بجدة: مجد مكي
الحرص على المال والجاه (3)

هذ الجزء الثالث والأخير من خطبة كنت أعددتها قبل صلاة الجمعة، قبل سنوات، وكتبتها بقلمي، والكتابة تساعدني على الحفظ، لأني ألقي خطبتي دون اعتماد على ورقة أو نظر فيها، أستجمع شواهدها ومحاورها وألقيها، ولا أذكر الآن المراجع التي اعتمدت عليها، وللحافظ ابن رجب رسالة قيمة في هذا الموضوع. 

وقد قام أخي الحبيب طارق بإعادة تنضيد هذه المكتوبات المنسيات، وشجعني على تجديد نشرها، فأعدت النظر السريع فيها وصححتها وخرجت بعض أحاديثها. وكانت خطبتي تأخذ نصف ساعة وهو وقت طويل، وكثرة الكلام ينسي بعضه بعضا، وأنصح الخطيب ألا يزيد في الوقت عن ربع ساعة ولهذا جعلت هذه الخطبة في جزئين مراعاة للوقت القصير، وأرجو أن ينفع الله بها، ويجعلها من الكلم الطيب والعلم النافع والأثر الصالح.

إنَّ حبّ المال والرياسةِ والحرصِ عليهما يُفسدُ دينَ المرءِ حتى لا يبقى منهُ إلا ما شاءَ الله.

وأَصلُ محبةِ المال والشَّرفِ من حُب الدُّنْيَا، وأصل حُبِّ الدُّنْيَا: اتّباعُ الهوى. والتقوى تمنعُ من اتِّباعِ الهوى، وتردعُ عن حُبِّ الدُّنْيَا.

روى الترمذي في الزهد (2376)، وقال: حسن صحيح، وابن حبان في الزكاة (3228)، الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن كعب بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما ذِئْبَانِ جائِعَانِ أُرْسِلَا في غَنَمٍ بأَفْسَدَ لها من حِرْصِ الْمَرْءِ على المال والشَّرَفِ لدينه".

الحرص على المكانة والجاه:

الحرص على المكانة والمنصب وشرفِ الدُّنْيَا والرفعةِ فيها، والرياسةِ عَلَى النَّاسِ أشدُّ إهلاكاً لصاحبه من الحرص على المال، ونتائجه وخيمة، والزهد فيها صعب جدا.

والحرصُ على الشَّرفِ على قسمين:

أحدهما: طلبُ الشَّرفِ بالولايةِ والسُّلطانِ والمال.

وطالب الولاية لا يولَّى، ومن حرص على رياسة لم يوفَّق، ووكِل إلى نفسه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه: "يا عبد الرحمن بن سَمُرَةَ لا تَسْأَل الإمارةَ؛ فإنك إن أُعْطِيتَها من غير مسألةٍ أُعِنْتَ عليها، وإن أُعْطِيتَها عن مسألةٍ وُكِلْتَ إليها" رواه البخاري في كفارات الأيمان (6722)، ومسلم في الأيمان (1652).

وروى البخاري (7148) عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنِعْم المرضعة، وبئس الفاطمة) نعْم المرضعة في الدنيا وبئست الفاطمة بعد الموت لأنه يصير إلى المحاسبة على ذلك.

كم يكون تعلق الرضيع بالمرضعة، وكم تكون لذته عند تناول الثدي؟ وكم يكون ألمه وغمه عندما يعظم ويحال بينه وبين بغيته إن هذا كله في الإمارة.

روى البزار (2756)، والطبراني في الكبير (18/71)، والأوسط (6747)، ورجال الكبير رجال الصحيح عن عوف بن مالك رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن شئتم أَنْبَأْتُكُم عن الإمارة وما هي؟" فناديتُ بأعلى صوتي: وما هي يا رسول الله؟ قال: "أَوَّلُها: مَلَامَةٌ، وثانيها: نَدَامَةٌ، وثالثها: عذابٌ يومَ القيامةِ إلا مَنْ عَدَلَ، وكيف يَعْدِلُ مع قريبه؟".

روى مسلم في الإمارة (1825) عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قلت يا رسول الله، ألا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: "يا أبا ذَرٍّ إنك ضعيفٌ، وإنها أمانةٌ، وإنها يومَ القيامةِ خِزْيٌ ونَدَامَةٌ، إلا من أخذها بحقِّها، وأدَّى الذي عليه فيها".

لقد رأينا في واقعنا المعاصر مآسي مؤلمة، أوقعها في الأمَّة حرص بعض الناس على الزعامة والقيادة، وتنافسهم في ذلك، فأزهقت أرواح، وأهرقت دماء، وخربت بيوت، وأهدرت كرامات... ويحصل هذا في مستويات متفاوتة بدءاً من الولاية الكبرى، إلى الوزارة، ثم النيابة، ثم الإدارة.

والمنصب مسؤولية عظيمة، من قصر في واجباتها خاب وخسر، ومن قام بحقها فاز ونجا، والمنصب أمانة وتكليف وسهر على مصالح المسلمين ونصح لهم.

إن كل مسلم مكلف بأداء أمر الله تعالى وإقامة شرعه: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج:41].

إنَّ الرجل الصالح عندما يتولى منصباً يَشْرف المنصب به، ويرى أن الفضل لله إذا أجرى الخير على يديه، فلا يجب أن يمدح هو، بل الحمد لله والثناء له.

كتب عمر بن عبد العزيز يأمر ولاية أن يحسنوا إلى الناس ويزيلوا المظالم التي كانت عليهم، ثم خاطب الناس قائلاً: (ولا تحمدوا على ذلك كله إلا الله، فإنه لو وكلني إلى نفسي كنت كغيري) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (5/ 293).

ومن أخطر مظاهر حُبِّ الشَّرفِ والحرص على نُفوذِ الأمرِ والنهي وتَدبيرِ أَمرِ الناسِ: أن يقصد بذلك عُلوّ المنزلة على الخلقِ والتَّعاظم عليهم، وإظهارِ حاجةَ الناس وافتقارهم إِلَيْهِ، وذُلّهم له في طلبِ حوائجِهم منه، فهذا نفسُه مُزاحمةٌ لرُبوبِية الله تعالى وإلهيَّتِهِ، بل ربما تسبَّب بعضُ هؤلاءِ إِلَى إيقاع الناس في أمر يحتاجُون فيه إِلَيْهِ؛ ليضطرِّهم بذلك إِلى رفع حاجاتهم إِليه، وظهورِ افتقارهم واحتياجهم إِليه، ويتعاظم بذلك ويتكبَّرُ بِهِ، وهذا لا يَصلحُ إلا لله تعالى وحده لا شريكَ له.

ومن آثار الحرص على الشرف والسيادة والولاية: أن يُحبُّ صاحبها أَن يُحْمَدَ عَلَى أفعالهِ ويُثنْى عليهِ بها، ويطلبُ من الناسِ ذلك، ويَتَسَبَّبُ في أَذى من لا يُجيبُه إليهِ، ورُبما كانَ ذلكَ الفعلُ إِلَى الذمِّ أقربَ منهُ إِلَى المدحِ.

وهذا يدخلُ في قوله تعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ} [آل عمران: 188].

إن هذا القسم من الحرص على الشرف خطير جدا، يمنعُ خيرَ الآخرةِ وشَرَفَها وكرامَتها وعزَّها.

قال الله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ...} [القصص: 83].

أما القسم الثاني فهو طلبُ الشَّرفِ والعُلوِّ عَلَى الناس بالأُمور الدينيةِ، كالعلمِ والعملِ والزُّهدِ.

وهذا القسم أفحشُ من الأولِ وأقبحُ وأشدُّ فسادًا وخطرًا، فإنَّ العلمَ والعملَ والزهدَ إنَّمَا يُطلبُ بها ما عند الله من الدرجات العُلَى والنعيمِ المقيمِ، ويُطلب بها ما عند الله والقربِ منهُ والزُّلفى لَديهِ. 

فَإِذَا طلبَ بشيء من هذا عَرضَ الدُّنْيَا الفاني فهو -أيضَا- نوعانِ:

أحدهما: أن يطلبَ به المالَ، فهذا من نوعِ الحرصِ عَلَى المالِ وطلبهِ بالأَسبابِ المحرَّمةِ.

النوع الثاني: مَن يطلبُ بالعمل والعلم والزهد الرياسة عَلَى الخلقِ والتعاظُمَ عليهم، وأن ينقادَ الخلقُ ويخضعونَ لهُ ويصرفُونَ وُجوههُم إليهِ، وأن يُظهرَ للناسِ زيادةَ علمهِ عَلَى العُلماءِ ليَعلوَ بهِ عليهِم ونحو ذلك.

ومِن هذا البابِ أيضًا: كراهةُ الدّخولِ على الملُوكِ والدُّنُوِّ منهُم، وهُوَ البَابُ الَّذِي يدخُلُ منهُ عُلماءُ الدُّنْيَا إِلَى نيلِ الشَّرفِ والرياساتِ فيها.

ومِنْ أَعظمِ ما يُخشى عَلى من يَدخلُ على الملُوكِ الظلمة: أَن يُصدِّقَهم بِكَذِبهم، ويُعينَهُم عَلَى ظُلمهم ولو بالسكوتِ عن الإنكارِ عليهم، فإنَّ من يرُيدُ بدُخولهِ عليهم الشَّرفَ والرّياسةَ -وهو حريصٌ عليهم- لَا يقدمُ عَلَى الإنكارِ عليهم؛ بل رُبَّمَا حَسَّن لهم بعضَ أفعالهم القبيحة تقربًا إليهم لِيحسُنَ موقعُهُ عندهُم، ويُساعدُوه عَلَى غرَضِهِ.

ومن صور الحرص على الشرف أيضاً: الحرص على أن يُشهرَ الإنسانُ نفسهُ للناسِ بالعلم والزهدِ والدِّينِ، أو بإظهارِ الأعمالِ والأقوالِ والكراماتِ ليزار وتُلتمَسَ بركتُهُ ودُعاؤُه، وتقبيل يدُهُ وهُو مُحبٌّ لذلكَ ويُقِيمُ عليهِ ويفرحُ به أو يَسعى في أسبابه.

بعض الناس يغضب إن لم يخاطب بمنصبه الوظيفي أو شهادته العلمية أو نسبه وقبيلته.. ويظن أن المنصب والشهادة والنسب تبوآنه منزلة بين الناس أو تعطيه مكانة في المجتمع. 

بل من العلماء من يظهر للناس زهده في المال والمسكن والمركب، ولكنه يحرص أشد الحرص على القيادة والزعامة والوجاهة لدى الحاكم الظلوم الغشوم، وأن يكون في صدارة المشهد ... ويظن الناس أنه زاهد، وهو – في حقيقة أمره- من أشد الناس حرصا على الجاه والزعامة.. وتجده لذلك يلتمس للحاكم الجائر المعاذير والمبررات ويصبُّ جام غضبه على من نصحه أو خالفه في موقفه ... 

طريق النجاة:

إنَّ غالبية النَّفوس البشرية تُحبُّ الرِّفَعَةَ والعُلوَّ عَلَى أَبناءِ جنسِهَا، وَمن هُنا نشأَ الكِبرُ والحسدُ، ولكن المسلم العاقلَ الحصيف يُنافسُ في العُلوِّ الدائم الباقي الَّذِي فيهِ رضوانُ اللَّه وقُربُهُ وجِوارُهُ، ويَرغَبُ عن العُلوِّ الفاني الزَّائلِ، الَّذِي يعقُبُهُ غَضبُ اللَّه وَسخطُه، وانحطاطُ العبدِ وسُفُولُه وبعدُهُ عَن الله وطردُهُ عنه، فهذا العُلوّ الفاني الَّذِي يُذَمًّ، وهو العتُوُّ والتكبرُ في الأرض بغيرِ الحَقِّ.

ولمعالجة النفس البشرية من هذا الداء الخطير على الدين، وسلوك طريق النجاة بالزهد في العلو الفاني الزائل أسبابٌ عديدةٌ:

أولها: نظرُ العبدِ إِلَى سُوءِ عاقبةِ الشَّرفِ في الدُّنْيَا بالولايةِ والإمارةِ لمن لا يُؤدِّي حقَّها في الآخرةِ.

وثانيها: نظرُ العبد إِلَى عُقوبةِ الظَّالمينَ والمكذِّبين، ومن يُنازعُ اللَّه رِدَاء الكبرياءِ.

وثالثها: نَظرُ العبدِ إِلى ثَوابِ المتَواضعينَ للَّه في الدُّنيا بالرِّفعةِ في الآخرةِ؛ فإنه من تواضعَ لله رفَعَهُ.

ورابعها-وليس هو في قُدرَةِ العبدِ، ولكنَّهُ من فضلِ اللَّه ورَحمتِهِ-: ما يُعوّضُ الله عِبادهُ العارفين به، الزاهدينَ فيمَا يفنى مِنَ المالِ والشَّرفِ، ممَّا يُعجِّلُهُ الله لهم في الدُّنْيَا مِن شرفِ التَّقوى وهيبةِ الخلقِ لهم في الظَّاهرِ، ومن حلاوةِ المعرفةِ والإيمان والطَّاعةِ في الباطن. 

قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم:96].

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم 

الحلقة الثانية هنا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا