الأربعاء 5 شوال 1441 - 27 مايو 2020

ما أنزل الله القرآن ليجعلنا أنبياء

الثلاثاء 13 ربيع الثاني 1441 - 10 ديسمبر 2019 199 محمد أكرم الندوي
ما أنزل الله القرآن ليجعلنا أنبياء

قالوا: من الناس من يقحم القرآن الكريم تأويلات غريبة مستحدثة تجعله كتابا متنافر المعنى، متعارك المضمون، متآبد الكلم، ومتباين الأسلوب، ناقضة إياه عروة عروة، وحالة إياه عقدة عقدة

. قلت: قد استفحل الأمر استفحالا، عم به العضال الورى، وبلغ السيل الزبى، وطم الوادي على القرى.

فهذا يحمل آيات منه على نظريات تتصل بالطفو والحركة ودورات النبات والقصور الذاتي وحساب الكواكب وعدد المجرات والسنين الضوئية وغير ذلك من المكتشفات الحديثة، ويسمي ابتداعه الإعجاز العلمي.

وهذا يفتن بالرقم 19 أو بإحصاء لتكرار بعض الكلمات المترادفة أو المتضادة، ويستنتج أن تكرارها يكون بشكل متساو أو يخضع لعلاقة رياضية معينة، ويسمي ذلك الإعجاز العددي أو الرقمي.

وهذا يعمد إلى الأفكار المختلقة في العلوم الإنسانية والاجتماعية والنفسية، فيقررها مدعمة بالقرآن، وآخرون يعنون بالتنبؤ بأخبار الأمم والشعوب في المستقبل، وأشراط الساعة، فيستخرجونها من كتاب الله استخراجا يضحك منه الصبيان.

ويدرك المتدبر في كتاب الله ضلال أولئك جميعا في تأويل ما التقطوا من الآيات القرآنية عشوائيا، فلها سياقات ولها أمثال تنكر ذلك التأويل إنكارا، وتكشف عن تحريفهم للكلمات عن مواضعها. فما أجهلهم بهذا الكلام الجليل الطاهر النزيه السامي.

قالوا: ما الذي عنيت بجهلهم؟

قلت: إنهم يحسبون أن القرآن أنزل إليهم نزولا مباشرا فساغ لهم أن يستخرجوه منه ما اشتهوه من دون النظر إلى المتكلم، والمخاطب، وسياق الكلام المنزل، والملابسات المحيطة به، ونسوا أو تناسوا أن القرآن أنزل إلى محمد النبي الأمين صلى الله عليه وسلم، ووصل إلينا بواسطته.

قالوا: ما الذي أردت بقولك إن القرآن وصل إلينا بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم؟

قلت: إن الله تعالى اختار محمدا صلى الله عليه وسلم للنبوة والرسالة، واصطفاه ليوحي إليه كلامه، وائتمنه على خلقه لبيانه، ولم ينزله على أحد غيره، ثم أمر الناس جميعا أن يطيعوه ويتأسوا بأسوته ويهتدوا بهداه.

قالوا: من أفضل من تدبر كتاب الله وتفقه فيه وعمل به واتبعه؟

قلت: هم الصحابة رضي الله عنهم، أبر الناس قلوبا وأعمقهم علما وأقلهم تكلفا وأقومهم هديا، ثم التابعون لهم بإحسان، ولم تؤثر عنهم هذه التأويلات الجافية السمجة النابية.

قالوا: أليس كتاب الله بالذي لا تشبع منه العلماء ولا تنقضي عجائبه؟

قلت: بلى، وباب التدبر فيه مفتوح إلى قيام الساعة، ولكنه تدبر يهتدي به المتقون خاشعة منه قلوبهم ومقشعرة منه جلودهم لينة إلى ذكر الله، فهو الكلام الفصل، وحبل الله المتين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة.

قالوا: ما الذي أنكرت من مذهب من أنكرت من المستحدثين المتهورين؟

قلت: صرفهم لكتاب الله عن غرضه من تطهير القلوب وتزكية النفوس، وجعلهم إياه كتابا منحطا عن مكانه السامي، لا يهمه إلا تأييد النظريات البشرية الوضعية، كأنهم جعلوه كتابا أوحي إليهم، أو كتابا رفعهم إلى مكان النبوة.

قالوا: فما توصينا؟

قلت: أوصيكم ونفسي بالتدبر في كتاب الله واتباعه، وأن نؤمن بأن الله لم ينزله ليجعلنا أنبياء، وإنما أنزله ليجعلنا أتباعا للأنبياء، وأن الله تعالى لم يرسل نبيه إلينا لنتلقى منه سلطان النبوة والرسالة، وإنما ارسله لنتعلم منه العبودية، والإيمان والإسلام، والعلم والعمل، والإنابة والاستغفار.

وقلت: ما أشقى الذين يقرأون كتاب الله ليصبحوا أنبياء، وما أتعس الذين يدرسون الأحاديث والآثار ليحصل لهم سلطان النبوة والرسالة، فويل لهم مما يعملون، وهيهات هيهات لما يلهثون خلفه، متخذي كتاب الله وراءهم ظهريا.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا