الأحد 18 ربيع الثاني 1441 - 15 ديسمبر 2019

مختارات من تفسير

الاثنين 5 ربيع الثاني 1441 - 2 ديسمبر 2019 223 مثنى محمد هبيان
مختارات من تفسير

{أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ المَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالكَافِرِينَ} |[البقرة:19]

السؤال الأول:

هذا هو المثل الثاني للمنافقين فما علاقته بالمثل الأول ؟ 

الجواب:

1ـ شبّه الله المنافقين في حيرتهم وجهلهم بالدين بهؤلاء الذين وصفهم؛ لأنّ من أصابه البرق في هذه الظلمات الثلاث (السحاب والمطر والليل)، ثم ذهب عنه بقي في ظلمة وحيرة.

2ـ هذا هو المثل الثاني للمنافقين، وسبقه المثل الأول في قوله تعالى في الآية 17] {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} [البقرة:17]

3ـ التمثيل الثاني أبلغ؛ لأنه أدل على شدة الحيرة وفرط الأغاليط .

السؤال الثاني:

لِمَ عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك (أو) ؟

الجواب:

1ـ الحرف (أو) في أصلها تساوي شيئين فصاعداً في الشك, ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوي في غير الشك، كقوله تعالى: {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان:24] أي: أنّ الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما.

2 ـ وكذا قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ} معناه أنّ كيفية المنافقين شبيهة بهذين التمثيلين، فبأيِّهما مثلتها فأنت مصيب، وإنْ مثلتها بهما جميعاً فكذلك .

3 ـ الصَّيِّبُ هو المطر، ونُكِّرَ لأنه أريد نوع من المطر شديد هائل، كما نُكِّرَت النار في التمثيل الأول.

وقوله تعالى : {مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة:19] دل على أنه عامٌّ آخذ بآفاق السماء، وههنا شَبَّه دينَ الإسلام بالصَّيِّبِ.

4 ـ قوله تعالى: {فِيهِ ظُلُمَاتٌ} [البقرة:19] هي ظلمة كثافة السحب وظلمة المطر المتتابع إضافة إلى ظلمة الليل , وههنا شبّه شبهات الكفار وما لم يفهموه من القرآن.

5 ـ جاءت هذه الأشياء منكّرة؛ لأنّ المراد أنواع منها, كأنه قيل: فيه ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف.

السؤال الثالث:

لماذا جمع الظلمات وأفرد الرعد والبرق؟ وعلى من يرجع الضمير في قوله تعالى: {يَجْعَلُونَ} [البقرة:19] ؟

الجواب:

الرعد نوع واحد وكذلك البرق, ومقتضى اجتماع أنواع الرعد والبرق هو في السحاب الواحد، وأمّا مقتضى الظلمات فهو متعدد وهو الليل والسحاب والمطر، فجمع لذلك .

وللعلم فإن الضمير في: {يَجْعَلُونَ} يعود إلى أصحاب الصَّيِّب.

السؤال الرابع:

رؤوس الأصابع هي التي تجعل في الآذان فهلا قيل : أناملهم ؟

الجواب:

المذكور وإنْ كان هو الأصبع، لكن المراد بعضه، كما في قوله تعالى: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة:38] وفي هذا تمثيل لشدة خوفهم من الصواعق، فأرادوا إدخال أصابعهم كلها لا رؤوسها فقط.

السؤال الخامس:

ما معنى الإحاطة بالشيء ؟

الجواب:

1ـ أصل المحيط هو الإحاطة بالشيء من حوله، كالسور الدائر عليه يمنعه أنْ يخرج عنه ما هو منه ويدخل فيه ما ليس فيه , ويكون من قبيل العلم وقبيل القدرة مجازاً.

2ـ إذا أطلق لفظ الإحاطة يكون من جهة المقدور أو من جهة العلم والقدرة , أمّا إذا قيد بالعلم فهو من جهة المعلوم لا غير.

3ـ ويكون معنى قوله تعالى: {وَاللهُ مُحِيطٌ بِالكَافِرِينَ} [البقرة:19] هو :

آـ أي عالم بهم .

ب ـ وقدرته مستولية عليهم، كقوله تعالى: {وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ} [البروج:20].

ج ـ يهلكهم متى شاء فلا يستطيعون الفوت، كقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} [يوسف:66] .

والله أعلم.

شواهد قرآنية :

ـ {وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} [النساء:126] أي: يعلم بجميع الأشياء من جميع وجوهها، وهي تحت مقدوره وتصرفه.

ـ {قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق:12] أي: علمه من جميع وجوهه.

ـ {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ} [الجن:28] أي : في العلم والقدرة.

ـ {قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا} [الفتح:21] أي : أحاط الله بها لكم لتمليكها إياكم.

ـ {وَاللهُ مُحِيطٌ بِالكَافِرِينَ} [البقرة:19] أي : يعلم أعمالهم كلها ولا يفوتونه، وهو نوع من التخويف. 

السؤال السادس :

ما دلالة استعمال حرف العطف (أو) في القرآن ؟

الجواب:

ورد الحرف (أو) في القرآن الكريم في ( 280 ) موضعاً في ( 213 ) آية , أولها آية البقرة 19 وآخرها آية العلق 12 . و( أو ) تقع في الخبر , وتقع في الطلب :

أولاً : فأمّا في الخبر, فلها عدة معانٍ :

1ـ الشك : نحو قام زيد أو عمرو .

2ـ الإبهام : وهو إخفاء الأمر على السامع مع العلم به , كقوله تعالى :

ـ {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ:24]

ـ {أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا} [يونس:24] أي فجأة والناس لا يعلمون ، فهذا إبهام ، لأنّ الشك محال على الله .

ـ {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات:147]

3ـ التنويع كقوله تعالى :

ـ {فَهِيَ كَالحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة:74] أي قلوبهم تارة تزداد قسوة, وتارة ترد إلى قسوتها الأولى , فجيء بـ ( أو ) لاختلاف أحوال قلوبهم .

4ـ للتفضيل , كقوله تعالى :

ـ {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة:111] 

5ـ للإضراب كـ ( بل ) نحوقوله تعالى :

{وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ البَصَرِأو هوَ أقرب} [النحل:77]

{فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم:9]

5ـ بمعنى الواو , كقوله تعالى :

{فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}[طه:44]

{فَالمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْراً أو نُذْرا} [المرسلات:5-6]

ثانياً : في الطلب ولها معان :

1ـ الإباحة : نحو تعلم فقهاً أو نحواً . ونحو قوله تعالى : 

{فَهِيَ كَالحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة:74 ] أي إنْ شبهت قلوبهم بالحجارة فصواب , أو بما هو أشد فصواب .

2ـ التخيير : نحو : خذ هذا الثوب أو ذاك .

والإباحة يكون كل منهما مباحاً ويطلب الإتيان بأحدهما , ولا يمتنع من الجمع بينهما , بينما أصل التخيير فيما أصله المنع , ثم يرد الأمر بأحدهما لا على التعيين , ويمتنع الجمع بينهما .

وروي عن ابن جريج قال : كل شيء في القرآن فيه ( أو ) للتخيير , إلا قوله تعالى : {أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} [المائدة:33 ] فليس بمخير فيهما , وقال الشافعي : وبهذا أقول . والله أعلم .

****

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا