الخميس 15 ربيع الثاني 1441 - 12 ديسمبر 2019

حسن الخاتمة والإخلاص

الاثنين 20 ربيع الأول 1441 - 18 نوفمبر 2019 152 ياسر مصطفى يوسف
حسن الخاتمة والإخلاص

في غمرة انشغالاتنا بالحياة واهتماماتنا بمتطلباتها وانصرافنا إلى تحصيل غاياتنا منها ولو على حساب ديننا ومبادئنا وأخلاقنا ننسى قضية مهمة جداً، عليها المعوَّل، وهي الفيصل في أعمالنا وأفعالنا، وتلعب دوراً مهماً في نجاتنا يوم القيامة ... إنه حسن الخاتمة أو سوؤها والعياذ بالله ... كيف تكون؟ وعلى أي حالة تكون؟ وأنت على بوابة المغادرة .. إلى عالم الآخرة .

إنها لّلحظة جِدُّ حساسة ... وخاصة ... ودقيقة ... وصعبة ... وعويصة ... وكل شيء ... لحظة يقضى فيها لك أو عليك .

لحظة تضعك وجهاً لوجه مع مصيرك المحتوم وكتابك المختوم بالموافقة أو الرفض ... لنستمع إلى رسولنا صلى الله عليه وسلم وهو يقول عنها : "إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذِرَاعٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذِرَاعٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا " رواه البخاري رحمه الله .

إذن هي بمثابة الصفحة الأخيرة من دفتر حياتك مذيَّلة بتوقيع السعادة أو الشقاوة ... فما أنت فاعل ؟ .

إنَّ الناس اليوم صنفان متغايران... صنف يلهو ويلعب ... وينهل من الشهوات ويشرب ... ويتعلق بذيل دنياه، ولا يلوي على شيء من أخراه ... ولسان حاله يقول :

إنما الدنيا طعام * وهيام ومدام

فإذا فاتك هذا * فعلى الدنيا السلام

فإذا حانت لحظة الموت قال : {رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)}. سورة المؤمنون.

وصنف {يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9)}. سورة الزمر.

لقد ذكر لنا الإمام الغزالي في كتابه الشهير إحياء علوم الدين نماذج مخيفة ممن ختم له بخاتمة السوء عند الموت والعياذ بالله ، فقال : وجميع ما ألفه الإنسان في عمره يعود ذكره إلى قلبه عند موته؛ فإن كان ميله الأكثر إلى الطاعات كان أكثر ما يحضره ذكر طاعة الله، وإن كان ميله الأكثر إلى المعاصي، غلب ذكرها على قلبه عند الموت، ثم نقل عن بقَّال أنه كان يُلَقَّن عند الموت كلمتي الشهادة، فيقول: خمسة... ستة... أربعة... فكان مشغول النفس بالحساب الذي طال إلفه له قبل الموت.

وكذلك فعل ابن القيم حين قال : وَثَمَّ أَمْرٌ أَخْوَفُ مِنْ ذَلِكَ – من أثر الذنوب على القلوب وتغليفها بالغفلة - وَأَدْهَى مِنْهُ وَأَمَرُّ، وَهُوَ أَنْ يَخُونَهُ قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ وَالِانْتِقَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَرُبَّمَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ النُّطْقُ بِالشَّهَادَةِ، كَمَا شَاهَدَ النَّاسُ كَثِيرًا مِنَ الْمُحْتَضَرِينَ أَصَابَهُمْ ذَلِكَ، حَتَّى قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ: آهْ آهْ، لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَهَا.

وَقِيلَ لِآخَرَ: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ: شَاهْ رُخْ، غَلَبْتُكَ. ثُمَّ قَضَى.

وَقِيلَ لِآخَرَ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ:

يَا رُبَّ قَائِلَةٍ يَوْمًا وَقَدْ تَعِبَتْ * أَيْنَ الطَّرِيقُ إِلَى حَمَّامِ مِنْجَابِ

ثُمَّ قَضَى.

وَقِيلَ لِآخَرَ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَجَعَلَ يَهْذِي بِالْغِنَاءِ وَيَقُولُ: تَاتِنَا تِنِنْتَا. حَتَّى قَضَى،

وَقِيلَ لِآخَرَ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَمَا يَنْفَعُنِي مَا تَقُولُ وَلَمْ أَدَعْ مَعْصِيَةً إِلَّا رَكِبْتُهَا؟ ثُمَّ قَضَى وَلَمْ يَقُلْهَا.

وَقِيلَ لِآخَرَ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَمَا يُغْنِي عَنِّي، وَمَا أَعْرِفُ أَنِّي صَلَّيْتُ لِلَّهِ صَلَاةً؟ ثُمَّ قَضَى وَلَمْ يَقُلْهَا.

وَقِيلَ لِآخَرَ ذَلِكَ، فَقَالَ: هُوَ كَافِرٌ بِمَا تَقُولُ. وَقَضَى.

وَقِيلَ لِآخَرَ ذَلِكَ، فَقَالَ: كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَهَا لِسَانِي يُمْسِكُ عَنْهَا.

وَأَخْبَرَنِي مَنْ حَضَرَ بَعْضَ الشَّحَّاذِينَ عِنْدَ مَوْتِهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: لِلَّهِ، فِلْسٌ لِلَّهِ. حَتَّى قَضَى.

وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ التُّجَّارِ عَنْ قَرَابَةٍ لَهُ أَنَّهُ احْتُضِرَ وَهُوَ عِنْدَهُ، وَجَعَلُوا يُلَقِّنُونَهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَهُوَ يَقُولُ: هَذِهِ الْقِطْعَةُ رَخِيصَةٌ، هَذَا مُشْتَرٍ جَيِّدٌ، هَذِهِ كَذَا. حَتَّى قَضَى.

وَسُبْحَانَ اللَّهِ! كَمْ شَاهَدَ النَّاسُ مِنْ هَذَا عِبَرًا؟ وَالَّذِي يَخْفَى عَلَيْهِمْ مِنْ أَحْوَالِ الْمُحْتَضِرِينَ أَعْظَمُ وَأَعْظَمُ.

في الطرف المقابل أعني في حسن الخاتمة والخروج من الدنيا على أتمّ صورة وأكمل حالة من رضا الله نقرأ قصصاً معجبة من الفوز والظفر ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : وَأَعْرِفُ شَخْصًا مِنْ أَصْحَابِنَا لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ جَعَلَ يَقُولُ: حَبِيبِي هَا قَدْ جِئْتُكَ، حَتَّى خَرَجَتْ نَفْسُهُ. ثم قال : وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ.

ولعل قائلاً يقول : إذا كان الرجل يعبد الله سنين طويلة، ثم قد يختم له بسوء الخاتمة فلِمَ العمل إذن ؟ ولمَ الجد في العبادة ... لندع الأمر للصُدف ... ولنتركه للحظوظ... وكل امرئ وحظه. 

ولا شك أن هذه مغالطة ومواربة ومخاتلة للنفس وروغان لها عن الحق... 

إنَّ نبينا عليه الصلاة والسلام قال : "إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذِرَاعٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذِرَاعٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا " ، لكن في بعض روايات الحديث عند الإمام أحمد : «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ... إذن فيما يبدو للناس ويُخيَّل إليهم ويَتراءى لهم بسبب ما هو مقيم عليه من الطاعات الكثيرة التي تؤهله لأن يدخل الجنة ويكون في عداد أهلها ، لكن الواقع مختلف والحقيقة مُرة ، فهذا الرجل كان خلياً من الإخلاص ومجرداً من تجريد النية لله تعالى، كما حدث لذاك الذي كان في جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يفعل الأفاعيل بالمشركين من قتل وضرب وإثخان ، فلما كان نهاية اليوم القتالي ومَال رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى عسكره، وَمَال الْآخرُونَ إِلَى عَسْكَرهمْ، قَال الصحابة : مَا أَجْزَأَ منا الْيَوْم أحدٌ كَمَا أَجْزَأَ فلَان، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: " أما إِنَّه من أهل النَّار ".

فَقَالُوا: أَيّنَا من أهل الْجنَّة إِن كَانَ هَذَا من أهل النَّار؟ فَقَالَ رجلٌ من الْقَوْم: أَنا صَاحبه أبداً. قَالَ: فَخرج مَعَه، كلما وقف وقف مَعَه، وَإِذا أسْرع أسْرع مَعَه، قَالَ: فجرح الرجل جرحاً شَدِيداً، فاستعجل الْمَوْت فَوضع سَيْفه بِالْأَرْضِ وذبابه بَين ثدييه، ثمَّ تحامل على سَيْفه فَقتل نَفسه - فَخرج الرجل إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: أشهد أَنَّك رَسُول الله. قَالَ: " وَمَا ذَاك؟ " قَالَ: الرجل الَّذِي ذكرت آنِفاً أَنه من أهل النَّار، فأعظم النَّاس ذَلِك، فَقلت: أَنا لكم بِهِ، فَخرجت فِي طلبه، حَتَّى جرح جرحا شَدِيدا، فاستعجل الْمَوْت فَوضع نصل سَيْفه بِالْأَرْضِ وذبابه بَين ثدييه، ثمَّ تحامل عَلَيْهِ فَقتل نَفسه. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد ذَلِك: " إِن الرجل ليعْمَل عمل أهل الْجنَّة فِيمَا يَبْدُو للنَّاس وَهُوَ من أهل النَّار، وَإِن الرجل ليعْمَل عمل أهل النَّار فِيمَا يَبْدُو للنَّاس وَهُوَ من أهل الْجنَّة ".

فاللهَ اللهَ في أعمالنا أيها السادة ... لنُشبعها إخلاصاً ونُصحبها نقاء وصفاء من أية شائبة ... والله الموفق إلى كل خير

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا