الثلاثاء 13 رجب 1440 - 19 مارس 2019

الإخلاص

الثلاثاء 21 صفر 1435 - 24 ديسمبر 2013 1223 فضيلة الشيخ محمد أبو زهرة

1 ـ الإخلاص في أدق معناه تنقية القلب من الغرض والهوى، وجعله كله لله، فيكون للحق، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب الشيء لا يحبه إلا لله ).

 

فالإخلاص يجعل الحب والبغض لله تعالى. ويجعل الرأي يقال لله تعالى ويجعل العمل ابتغاء مرضاته، ويجعل النية خالصة من كل شوب، وخالية من كل قصد لغير الحق، ويجعل المؤمن ربَّانياً، يكون لله في قوله وفعله، وقيامه وقعوده، وسعيه وسكونه، وهو الذي توزن به الأعمال في الحكم الخلقي فبمقدار نية الفاعل المخلصة يكون حكم الأخلاق عليه بالخير، فإن كان يقصد الخير وينويه، فإنَّه يكون خيِّراً، وإن كان يقصد الشر، فإنَّه يكون شريراً، ولو ترتَّب على عمله بعض النفع؛ إذ إنه لا يكون مقصوداً، ولكن يجيء من غير إرادته، كمن يريد قتل إنسان بجواره حيَّة، فيصوِّب إليه سَهْمَه يريد قتلَه ويَدَّرِئ ويدفع التهمة بأنَّه أراد قتل الحيَّة لينجيه، ولكن الله تعالى ردَّ عليه قصده، فأصاب سَهْمُه الحيَّة، ونَجَا الرجلُ أفيعدُّ ذلك الفاعل خيِّراً ؟ إنَّ حكم الأخلاق يقول عنه: إنه شرير، ولو كان فعله قد أدَّى إلى نَفْع.


وكذلك الأمر في الأحكام الإسلامية فالقربات فيها قوامها النية، وإخلاص القول والعلم لله سبحانه وتعالى، ولذلك قال عليه السلام في حديث تواتر معناه: (إنَّما الأعمال بالنيات، وإنَّما لكل امرئ ما نَوَى، فمن كانت هجرتُه لله ولرسولِه فهجرته لله ولرسوله، ومن كانت هجرته لامرأة ينكحها، أو لدنيا يصيبها، فهجرته لما هاجر إليه).


والنبي صلى الله عليه وسلم لا يعتبر البر إلا ما سكن في القلب وتحرَّك به اللسان، ولذلك روي عنه عليه السلام أنَّه قال: (البُّر ما اطمأنَّ به القلب والإثم ما حاك في الصدر وكرهتَ أن يطَّلعَ الناس عليه فاستفتِ قلبَك، وإن أَفْتَوْك وأفتوك) ويقول عليه السلام:(إنَّ الله ينظر إلى قلوبكم، ولا ينظر إلى صُوَرِكم وأموالكم) والقلب الخالي من شوائب الشر، ومن أعراض الهوى والغرض هو موطن الإخلاص وملاذه.


2 ـ إن الإخلاص نور يلقى به في قلب المؤمن، فيكون أُنسَه إذا بَعُدَ عنه الناس، وسلواه إذا رامه الناس بسوء، وعزاه إذا رأى غَدْرَ الغادرين، ونَكْثَ الناكثين ونُكْرَ الملتوين، وهو الذي يُوجِّهه إلى الخير ولو أظلمت الدنيا بالشر، وهو الذي يدفعه إلى العمل الصالح إذا فسدت الأخلاق، وانحلَّتْ الضمائر، وخبثت السرائر، وبحسب قوة الإخلاص تكون قوة الاستمرار على الخير، والثبات على الشدائد، وهو الذي يشد عزيمة المخلص كلما عمَّ الفساد أو شاع، أو كثرت ألسنته، فيجعله ينطق به وإن سخروا منه وأنَّه كلما اشتدَّ الشرُّ عظم الواجب على أهل الخير، وكلما كثر الكذب، وجب على أهل الصدق أن ينطقوا ولا يجمجموا، وإن عجزوا عن أن ينطقوا قالوا: اللهم إنَّ هذا شر لا نرضاه، وفساد لا نبغيه، وإن عجزهم لا يكون بالسكوت جبناً وخوراً، ولكن يكون بالموازنة بين الأذى الذي ينزل بهم، والخير الذي ينجم عن وجودهم، فإن رأوا في وجودهم خيراً أكثر من خير الفداء ارتضوا الصمت، ومن الصمت ما يكون حُكْماً، كما قال أكثم بن صيفي حكيم العرب.


والإخلاص القلبي يبدو على الألسنة، وتنطق به الجوارح، ولقد روى الإمام أحمد في مسنده، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يستقيم إيمان عبد، حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه، حتى يستقيم لسانه) والعلاقة بين سلامة القلب وسلامة اللسان مُتبادلة، فإنه لا يستقيم القلب إلا إذا استقام اللسان ولم يتعود العوج أو الكذب، فإنه لا إخلاص لكذاب ولا لمنافق ولا لمنافق يلوي الكلام بلسانه لياً، ولا يستقيم اللسان إلا إذا استقام القلب، ولذلك قال خليفة رسول الله أبو بكر صديق هذه الأمة: (استقامت ألسنتكم لو استقامت قلوبكم، فاستقامة الألسنة ملازمة لاستقامة القلب).


3 ـ وفي الحكمة الشرقية أنَّ القلب إذا خلص من شوائب الشر والهوى والشهوات وأدرانها، كان قصده مستقيماً وإذا استقام القصد، استقام اللسان، وإذا استقام القلب واللسان استقام العمل واستقام السلوك الإنساني، وكان الكمال، وإذا استقام السلوك، وثبت الكمال للآحاد، فإن الجماعة تكون جماعة خيِّرة، يعلو الخير فيها وينخفض الشر، ويتكون فيها رأي عام، فاضل تختفي رذائله، وتظهر فضائله.


ومن الحق أن تقول: إنَّ الإخلاص يبدو في حكمة اللسان، وفي سلامة الأعمال، وفي حسن العلاقات الإنسانية وفي الاتصال الروحي بين الناس وفي المحبة، التي تربط بين الآحاد وبين الجماعات، ولا تستقيم العلاقات الإنسانية من غير محبة مخلصة قد نزع منها الهوى، وجردت من الشهوات فيحب الإنسان أخاه الإنسان لإنسانيته، لا لدنيا يصيبها، ولا لشدة يبتغيها، وتكون المحبة لله، ولا يكون كل بغض إلا لله، أو لدفع ما يقع بالإنسانية من ضرر، فإن المؤمن لا يكون صادق الإيمان، إلا إذا طهر قلبه من الأدران، وخلص لله سبحانه وتعالى في القول والعمل والمقصد، ولذلك كان أخص ما وصف الله تعالى به أنبياءه أولهم عباده المُخْلَصين فقال في يوسف عليه السلام: [إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ] {يوسف:24}. لأنَّه تخلص من كل شيء، وصار كله لله سبحانه وتعالى.


وإننا لا يمكن أن نصل إلى درجة النبيين، والصديقين والشهداء والصالحين؛ لأنَّ أولئك هم المصطفون الأخيار، وهم القدوة الأبرار، وهم حجَّة الله تعالى على خَلْقِه إذا اشتدَّ الشر، وطمَّ سيله، وظنَّ الناس بأنفسهم الظنون.


4 ـ ما حرص الإسلام على أمر كما حرص على الصدق لأنه مظهر الإخلاص ولبُّه، وهو الطريق لأن يكون صاحبه صديقاً، فقد قال عليه السلام: (عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله صِدِّيقاً، وإياكم والكذبَ فإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذَّاباً ).


ولقد سئل عليه السلام: أيكون المؤمن جباناً؟ فقال عليه السلام (يكون جباناً) فسئل: أيكون بخيلاً؟ فقال النبي الكريم: (يكون بخيلاً) فسئل أيكون كذاباً؟ فقال الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم: (لا يكون المؤمن كذاباً ).


والصدق ليس هو القول المطابق للواقع فقط، بل إنَّ الصدق: ذو شعب ثلاث لا تقتصر على القول، الشعبة الأولى: صدق النية، بألا يقصد إلا ما هو خير في ذاته على قدر ما يمكن، وأن يريد النتائج الطيبة، وألا يرتق نيته بهوى وغرض، أو أمر لا يستطيع أن يجهر به، وألا يريد بالناس إلا خيراً، وأن يكون ما يجري بخاطري صالحاً لأن يعرضه على الناس.


والشعبة الثانية ـ صدق النفس، فلا يَمينُ عليها، ولا يزين له سوء عمله فيراه حسناً، فيما يكون منها هو موضع رقابته، يصفه بصدق لها، من غير محاباة ولا مجاملة، فتكون منه النفس اللوامة التي تدفعه إلى الخير، وتكفه عن الشر، ولا تكون منه النفس الأمَّارة بالسوء التي تكذب عليه ولا تصدقه وتزين له كل ما يفعل، ولو كان أشد الجرائم نكراً، وأبعدها عن الخلق الإنساني القويم.


والشعبة الثالثة: صدق اللسان، فلا ينطق إلا بالحق، ولا يقول زوراً من القول، ولا يموه الباطل ويزينه.


وإنَّ هذه الشعب الثلاث هي مادَّة الإخلاص، ولذلك كان الصدق والإخلاص مُتلازمين لا يفترقان، فحيث كان الصدق كان الإخلاص، وحيث كان الكذب كان النفاق، ولذا قال عليه السلام: (آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان) ولقد روى الإمام أحمد رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حَسْبُ المسلم شراً أن يحدث أخاه، هو له مصدق، وهو عليه كاذب ) ولقد جعل الله سبحانه وتعالى الإخلاص قرين الصدق في قوله تعالى في وصف موسى عليه السلام: [وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا] {مريم:51} . وفي قوله عن إسماعيل عليه السلام:[وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا] {مريم:54}. وقد وصف الله سبحانه وتعالى أنبياءه بأنَّه أخلصهم فاصطفاهم فقال سبحانه: [وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ] {ص:46}.

 

5 ـ وقد يقول قائل إنك أكثرت في ذكر الإخلاص وأهله، واستشهدت وأشهدت، فأتيت بقصص النبيين والصديقين وإن هؤلاء، وإن كانوا نور هذا الوجود، بهم تُبَدَّدُ ظلماته، وبهم تكشف غياهبه، وخير هذا الوجود معقود بهم ـ ليس كل الناس في طاقتهم، فهو صفوة الإنسانية، وهم قمتها، وكيف يطالب سفح الهرم بما تطالب به قمته، وكيف يطالب العامة بما يطالب به الخاصة، فإنَّ الناس طاقات مُختلفة، وكما أنَّهم طاقات في قوة البدن، وطاقات في قوة العقول، فهم أيضاً طاقات في قوة الوجدان، وليس ما يطالب به الأعلون هو ما يطالب به الأدنون، فكل على قدر طاقته، وكل يدرج في عشه، وكل ميسر لما خلق له، والتكليف على قدر الطاقة، ونقول في الجواب عن ذلك الاعتراض الذي يتوهمه الذين يفرون من نور الإخلاص، لعشى أصاب أبصارهم، وأربض قلوبهم: ـ إنَّ الناس جميعاً طولبوا بالإخلاص، وإن تفاوتت أعمالهم، وتباينت مشاربهم، وإنَّ الإخلاص من التقوى، وهل يتصور ذو دين أن التقوى مطلوبة من الأقوياء دون الضعفاء، إنها مطلوبة من الجميع، وإن تفاوتت الطاقات، ومن ذا الذي يستطيع أن يقول إن عمار بن ياسر أو أبا ذر الغفاري، أو خباب بن الأرت، كانوا دون عمر بن الخطاب إخلاصاً!! إنهم كانوا بلا ريب في الإخلاص في مرتبته، ولكنه كان في طاقة من العقل والنفس وبسطة من الجسم ليست لهم: وهو كان أهلاً لِأمرة المؤمنين لهذا التفوق العقلي والنفسي، ولم يكن هؤلاء في هذه الطاقة، وتلك الأهلية، ولذلك نهى النبي واحداً منهم عن أن يتولى إمرة أحد لأنه ضعيف لا يقوي عليها. وصاحباه مثله، ولذلك لم يتوليا ولاية.
فالإخلاص هو القدر المشترك المطلوب من كل المؤمنين.


6 ـ وقد يقول قائل: إنك تتكلم في الزلفى إلى الله تعالى، وثمرة ذلك في الآخرة، وإنَّ قانون أهل الدنيا لا يسير على قانون الإخلاص، فلابدَّ من أن يتأشَّبَ القلوب بعض النفاق أو المداراة، أو المداجاة، وتلك كلمات الذين يريدون أن يدخلوا النفاق إلى القلوب من كوة مظلمة، وبذلك يفسدون أخلاق الناشئة ويهزعون الأخلاق تهزيعاً، إذ أنهم يأتونها من قبل النفع الذاتي، من غير نظر إلى النفع العام، يجيئون إليهم من قبل المنفعة العاجلة، ولا يحسبون حساباً للمنافع الآجلة،، ومثل من ينظر إلى المنفعة العاجلة، كمثل من يختطف مالاً ويجري به من غير نظر لكونه حلالاً، أو حراماً، ومن غير نظر لقيمته، ومنفعته أنافع هو نفعاً مؤكداً أم ضار ضرراً مؤكداً.


ومثلهم مثل التاجر الذي ينتهز فرصة غفلة من مشتريه، فيغره ويخدعه من غير نظر إلى العقبى في تصرفه، أيؤدي تصرفه إلى جلب الثقة به أم إلى فقدها وحيث فقدت فقد منه رأس مال لا يقبل التعويض، لأنَّ الثقة أغلى ما يكون في دور الأعمال، وهي التي ترفع ذوي المتاجر إلى مراتب ذوي الأخطار الذين تروج بضاعتهم في كل الأقطار، ولا تكون مزجاة في مصر من الأمصار.


7 ـ هذه مرتبة الإخلاص في الماديات، أما مرتبته في المعنويات، فإنه لا يقدرها قدرها إلا الذين ذاقوا طعمه، وخالطت بشاشته قلوبهم، وذاقوا حلاوته كما يذوق المؤمن حلاوة الإيمان، لأنه من أركان الإيمان، فمن أخلص لموطنه، فإنه سينال جزاء إخلاصه إن عاجلاً أو آجلاً، وإن لم ينل جزاء مادياً، فإنه سينال جزاء معنوياً وتقديراً من الناس، وإعظاماً لإخلاصه ولعمله، وإن لم ينلْ شيئاً من هذا فإنه سيأخذه من نفسه التي بين جنبيه اطمئناناً، وإحساساً بأنه قام بواجبه، وحسبه ذلك جزاء وفاقاً، فالمخلص ينال جزاءه من ذات الإخلاص، لا من أمر سواه.


والمخلص لدينه كذلك، ولا يكون المؤمن إلا مخلصاً لدينه، وإن تفاوتت مراتب الإخلاص، وأدناها من يكون إخلاصه قوة إيمان وإذعان، وأعلاها أن يتقدم بنفسه فداء لكلمة الحق يقولها، ويستشهد في سبيلها، كما قال سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قال كلمة حق أمام سلطان جائر فقتله).


وإنه يتنافى مع الإخلاص للدين أن يتخذ الدارسون له العلم الإسلامي مطية يمتطونها للزلفى إلى بعض الحكام أو ذوي المناصب ليرتقوا إلى أعلى المناصب ، أو لينالوا بها جاهاً عند أهل الدنيا، فأولئك لم يخلصوا لدينهم الذي ورثوه عن آبائهم، ولعلمهم الذي ارتضوه طريقاً لهم للقيام بفرض كفائي في مجتمعهم وإنهم قد يصلون إلى ما يبتغون من ظاهر الدنيا، وينالون وجاهة عارضة لا تبقى ولا تدوم، وإنه لصدق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهاً) وإنَّ الوجاهة عند الله قد تقترن في كثير من الأحوال بها وجاهة أهل الدنيا، فإنَّ الناس مهما تختلف مناحيهم يقدرون المخلصين، ويذكرونهم بالخير، ويكون لأولئك المخلصين لسان صدق في الآخرين وقد رأينا وسمعنا، رأينا رجالاً لم يكن لهم أثر خالد من كتاب كتبوه، ولكن كانت لهم آثار خالدة في نفوس الذين التقوا بهم، فانتقلت إلى الناس منهم، وأخذ الأخلاف يتناقلون أخبارهم ومنهم من يبالغ فيها لأن الناس يحبون الإخلاص ويقدرونه في أهله، وإن عجز الأكثرون عن مجاراتهم فيه.


وسمعنا عن رجال قد نالهم سخط الحكام المسلَّطين، واتبعهم في سخطهم من وضعوا علمهم في ركابهم، وكانوا يشيعون قالة السوء فيهم، ولما انجلت الغمَّة، وظهرت الحال للأمة، وحدنا الذكر العطر عن هؤلاء فهذا هو الإمام محمد عبده ما خلدت ذكره كتب كتبها، فهي ليست كثيرة، وما خلدته آراء أبداها، ففيها الخطأ وإن كان أكثرها صواباً، ولكن خلَّد ذكره إخلاص في الحق، وشجاعة في قوله وقد ذهب الذين سخطوه غير مذكورين بخير، وبقي هو مذكوراً بالخير، واسمه بين العلماء في مشارق الأرض ومغاربها وعلمه يدرس ويعلم، وآراؤه تبحث وتفحص.


8 ـ ونريد في ختام القوم أن نمس جانباً مما نراه مساً خفيفاً، وقد نعرض له بتفصيل من بعد، وهو إخلاص العلماء الذين يقومون بدراسة علم الإسلام ودراسة أقوال العلماء السابقين في معاني القرآن الكريم، والحديث الشريف، فإن هؤلاء هم القائمون على التراث الإسلامي وهم الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم ورثة الأنبياء، فإن قاموا بحق الوراثة، فقد أتموا تبليغ الرسالة، أو بلغوها في دائرتهم، وإن لم يقوموا بها فهم كالسفهاء الذين قاموا على ميراث ورثوه وعملوا على تبديده وأنفقوه هنا وهناك إسرافاً وبداراً، ولكن تراث الإسلام غير قابل للفناء، لأنه معان لا تزول ولا تنفد، وإن أسرف فيه ناس على أنفسهم فإنه قد أقام الله سبحانه على التركة المقدسة من يقوم بحقها، ولقد قال في ذلك إمام الهدى علي بن أبي طالب: لا يخلو وجه الأرض من قائم لله بحجته..


وإن إخلاص العلماء في الإسلام هو الطريق الوحيد لأداء واجبهم، فلا طريق سواه، وإن غيره مثارات الشيطان وقد رأينا من يصدرون الفتاوى لهوى بعض الناس، أو ليصلوا إلى مناصب أو ليماروا، وقد ينالون، ما يبتغون ولكنهم بما يفعلون يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرميَّة، ولقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تعلم علماً لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة).
وإنَّ العالم الإسلامي حقاً وصدقاً لا يطلب العزة إلا من ذات العلم، والإخلاص لله، فإن طلبها من غير ذلك فإنَّه يذل، ولا يعز أبداً، وما أحسن قول القاضي أبي الحسن الجرجاني في عزته بالعلم:


يقولون لي فيك انقباض وإنـما       رأوا رجلاً عن موقف الذلَّ أحجما
ولم أَقضِ حقَّ العلم إن كان كلما      بدا طمــع صيَّرْتُه لي سُلَّـما
ولم أبتذلْ في خدمة العلم مُهجتي    لأخدم من لاقيتُ لكن لأُخدمـــــا
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم     ولو عظَّموه في النفوس لعُظَّـــــــما
ولكن أذلوه فهانـــــــــوا ودنَّسوا      مُحيَّاه بالأطماع حتى تجهَّــــــــــــــما

 


أعزَّ الله أهلَ الإسلام بعلم الإسلام والعمل به، إنَّه سميع الدعاء.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .

المصدر : مجلة لواء الإسلام صفر 1386 العدد السادس السنة العشرون

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا