الأحد 18 ربيع الثاني 1441 - 15 ديسمبر 2019

المسلم فيّاض المشاعر ومرهف الإحساس

السبت 18 ربيع الأول 1441 - 16 نوفمبر 2019 201 رابطة خطباء الشام
المسلم فيّاض المشاعر ومرهف الإحساس

عناصر المادة

1- حاجتنا إلى العاطفة الإيمانيّة2- استثارة المشاعر الإيمانيّة في القرآن والسّنّة3- صاحب الإحساس والتّأثّر يراعي مشاعر إخوانه4- تأثّر المؤمن على وضعه الدّينيّ5- مِن هدي الحبيب صلى الله عليه وسلم التّأثّر بالمواقف الّتي تستدعي التّأثّر

مقدمة:

المؤمن الّذي يتمتّع بدرجةٍ عاليةٍ من الإحساس والتّأثّر؛ يبقى حيّ القلب مرهف الحسّ، وينعكس ذلك على سلوكه بتفاعله مع ما يجري حوله وانفعاله بما يُثير ويحرّك، فيغضب لله، ويفرح لنصرة دين الله تعالى، ويتمعّر وجهه إذا انتهكت حرمات الله، ويهتمّ لحال عباد الله وسطوة أعداء الله.

والفاقد لهذا الخلق: تراه بليداً جامداً ميّت الشعور خامل الإحساس، يتلقّى كلّ ما يجري حوله بفتورٍ، إلّا أن يكون أمراً يمسّ مصالحه الشّخصيّة فيثور له ويغضب ويهتم لأجله ويسعى، وهل أمرُ نفسه أولى عنده من أمور المسلمين؟ وهل مصيبته في نفسه أشدّ عليه من مصائب المسلمين؟

1- حاجتنا إلى العاطفة الإيمانيّة

"وفي الصّحوة المعاصرة أمراضٌ تنهش جسدها قد تُحدِّث عنها كثيراً وصنّفت فيها مصنّفاتٌ متعدّدةٌ، والتُمس العلاج الشّافي لها، لكنّ مرضاً من الأمراض الفتّاكة لم يُؤتَ حقّه من الحديث -في ظنّي- ولم يصنّف فيه إلّا القليل اليسير؛ ألا وهو مرض اليُبس العاطفيّ وجفاف المشاعر العاطفيّة الإيمانيّة.

ومرادي من العاطفة الإيمانيّة ما يحمل على جميل التّأثّر، وحسن التّجاوب، وقوّة الانطلاق، وعظم التّأثير الإيمانيّ، فمن جُبل على هذا فيا حُسن ما جُبل عليه، وليس المراد تلك العاطفة الهوجاء الّتي تُعمي وتصمّ وتحمل صاحبها على التّسرّع وعدم التّبصّر في العواقب، وإلى ارتكاب ما يندم عليه بعد ذلك أشدّ النّدم.

والعاطفة الدّينيّة القويّة قد حفظ الله بها الإسلام قروناً طويلةً؛ إذ بسببها يُعبد الله ويوحّد، وبها يحافظ على الشّعائر والعبادات، ولأجلها يجاهد في سبيل الله تعالى ويقاتل، وهي إن عظمت في النّفوس حملتها على التّضحية بالغالي والنّفيس، وإن تضاءلت وصغرت فإنّها تحمل النّفوس على الشّحّ والبخل وإيثار الحياة الدّنيا والإخلاد إلى الأرض". [ 1 ]

وما أحسن ما ذكره الشّيخ محمّد الغزاليّ رحمه الله: "ليس الدّين أحكاماً جافّةً وأوامر ميتةً، إنّه قلبٌ يتحرّك بالشّوق والرّغبة، يحمل صاحبه على المسارعة إلى طاعة الله وهو يقول: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ}، فكيف تتحوّل التّكاليف الصّعبة إلى شيءٍ سائغٍ حلوٍ؟". [ 2 ]

2- استثارة المشاعر الإيمانيّة في القرآن والسّنّة

عندما نستعرض بعض النّصوص من القرآن والسّنّة نلاحظ أنّ صلة العبد بربّه ليست صلة قانونيّةً عقليّةً فحسب، بل يرافقها صلة حبٍّ وعاطفةٍ كذلك، فقد جاء في الكتاب والسّنّة قدرٌ كبيرٌ من الخطاب العاطفيّ المؤثّر الحامل على الاستجابة لما يُطلب من النّاس والارتداع عمّا يُزجرون عنه، وهذا منهجٌ حكيمٌ بلا شكٍّ، وتعالوا بنا لنستعرض بعض الشّواهد:

{وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} [البقرة: ١٦٥].

{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد ١٦].

{قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التّوبة: ٢٤].

وهذا غيضٌ من فيضٍ وسطرٌ من قمطرٍ من أساليب الاستثارة العاطفيّة وتقويتها والارتفاع بها في كتاب الله تعالى.

وسنكتفي بمثالٍ واحدٍ من السّنّة العطرة: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ، حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمُ الْقَالَةُ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَوْمَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ، قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ، وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ، قَالَ: (فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟) قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَنَا إِلَّا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي، وَمَا أَنَا؟ قَالَ: (فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ)، قَالَ: فَخَرَجَ سَعْدٌ، فَجَمَعَ الْأَنْصَارَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ، قَالَ: فَجَاءَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَتَرَكَهُمْ، فَدَخَلُوا وَجَاءَ آخَرُونَ، فَرَدَّهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ: قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، ثُمَّ قَالَ: (يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ؟ وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ؟)، قَالُوا: بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ، قَالَ: (أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ) قَالُوا: وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ، قَالَ: (أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ، أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلًا فَآسَيْنَاكَ، أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ؟ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ فِي رِحَالِكُمْ؟ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ)، قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ، حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتَفَرَّقُوا. [ 3 ]

3- صاحب الإحساس والتّأثّر يراعي مشاعر إخوانه

ففي هدنة صلح الحديبية قبل إسلام أبي سفيان يمرّ على سلمان وبلال وصهيب، فأراد هؤلاء الأصحاب الأبرار إغاظته فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدوّ الله مأخذها، فاستنكر عليهم أبو بكر ما قالوا، فكانت النّتيجة...

عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ، أَتَى عَلَى سَلْمَانَ، وَصُهَيْبٍ، وَبِلَالٍ فِي نَفَرٍ، فَقَالُوا: وَاللهِ مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللهِ مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ اللهِ مَأْخَذَهَا، قَالَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ؟، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: (يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ)، فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ أَغْضَبْتُكُمْ؟ قَالُوا: لَا يَغْفِرُ اللهُ لَكَ يَا أَخِي. [ 4 ]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: "زَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ". [ 5 ]

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ، فَقَالَ: (قَدْ قَضَى)، قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبَكَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا رَأَى القَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَكَوْا. [ 6 ]

كم كان الحبيب رقيق القلب، سريع الدّمعة، بالغ التّأثّر، قويّ الإحساس!

كم هم المكلومون اليوم الّذين يريدون منك كلمة مؤانسةٍ، أو موقف تشجيعٍ، أو إظهار مواساةٍ!

كيف يطيب لنا نومٌ وكم لنا من إخواننا في محنٍ ومدلهمّاتٍ؟!

فما بالكم بمن يقيم أفراحاً بمعصية الله وبأصوات صاخبة، وبجانبهم أناسٌ قد برّحت بهم الأحداث؛ ففقدوا أحبّةً، وشرّدوا عن بيوتهم، وفارقوا مدارج الصبا ومنابت الرّوح، فالله الله في مشاعر المكلومين، وإنّه لمن سوء الأدب أن يتحدّث الغنيّ عن غِناه بمحضر الفقير، والمتزوّج عن الزّواج بمحضر العازب، والشّبعان عن حلاوة الطّعام بمحضر الجائع.

ما أجمل حسّ الحبيب المرهف وعاطفته الجيّاشة وتأثّره صلى الله عليه وسلم على وضع جابرٍ؛ من جمله الهزيل، وحتّى استشهاد أبيه وتركه الدَّين، ووجود البنات في البيت، وزواجه من امرأةٍ ثيّبٍ واعيةٍ لتكون لهنّ أختهنّ الكبيرة، وقلّة ذات اليد، وكيف بدأ الحبيب سؤاله أتزوّجتَ يا جابر؟ وكيف عالج الحبيب صلى الله عليه وسلم شيئاً من وضع جابر بشراء الجمل وردّ له الجمل وثمنه، وإليكم القصّة الرّائعة..

قال جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لِي: (يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي، وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا، قَالَ: (أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟)، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: (مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً، قَالَ الرَّبُّ عز وجل: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ)، قَالَ: وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} [آل عمران: 169]. [ 7 ]

وقال: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى نَاضِحٍ لَنَا، فَأَزْحَفَ الجَمَلُ، فَتَخَلَّفَ عَلَيَّ، فَوَكَزَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ خَلْفِهِ، قَالَ: (بِعْنِيهِ وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى المَدِينَةِ)، فَلَمَّا دَنَوْنَا اسْتَأْذَنْتُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: (فَمَا تَزَوَّجْتَ: بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا)، قُلْتُ: ثَيِّبًا، أُصِيبَ عَبْدُ اللَّهِ، وَتَرَكَ جَوَارِيَ صِغَارًا، فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا تُعَلِّمُهُنَّ وَتُؤَدِّبُهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: (ائْتِ أَهْلَكَ)، فَقَدِمْتُ، فَأَخْبَرْتُ خَالِي بِبَيْعِ الجَمَلِ، فَلاَمَنِي، فَأَخْبَرْتُهُ بِإِعْيَاءِ الجَمَلِ، وَبِالَّذِي كَانَ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَوَكْزِهِ إِيَّاهُ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالْجَمَلِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَ الجَمَلِ وَالجَمَلَ، وَسَهْمِي مَعَ القَوْمِ. [ 8 ]

4- تأثّر المؤمن على وضعه الدّينيّ

المؤمن يحزن لتفريطه وتقصيره، ويقضّ مضجعه ما اجترحت يداه من ذنوبٍ، بحيث يدفعه ذلك إلى التّوبة والإنابة والدّموع السّاخنة الّتي تغسل أوضار الذّنوب، يقول محمّد بن واسعٍ: "إن الرجل ليمكث على الوسادة يبكي عشرين سنة وزوجته لا تشعر به".

وقد نذرت السّيّدة عائشة رضي الله عنها أن تهجر ابن أختها عبد الله بن الزّبير، ثم تمّ الإصلاح بينهما، "وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَتَبْكِي حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا" [ 9 ]، لحزنها على ما نذرت من شرٍّ.

ثم يأتي على النّاس زمانٌ يفعلون فيه الموبقات؛ وهي أدقّ في عيونهم من الشّعر لاستصغارهم لما فعلوا، ويفعل أحدهم الذّنب فلا يتأثّر له إلّا كما يتأثّر مَن وقفت على أنفه ذبابةٌ فقال بها هكذا بيده.

ولذا جاء في الحديث: (مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ). [ 10 ]

5- مِن هدي الحبيب صلى الله عليه وسلم التّأثّر بالمواقف الّتي تستدعي التّأثّر

على هذا ربّى أصحابه، ففي بدرٍ يتأثّر الفاروق ببكاءٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصّدّيق دون أن يعرف السّبب، يقول: فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمِ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) -شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم- وَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} إِلَى قَوْلِهِ {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} (فَأَحَلَّ اللهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ). [ 11 ]

وفيه: مواساةُ الأحبَّةِ والخِلَّانِ بالبُكاءِ والتَّباكي لبُكائهم.

وإليكم صورةٌ من صور تأثّر الحبيب صلى الله عليه وسلم: عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي صَدْرِ النَّهَارِ، قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ: {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النّساء: 1] وَالْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ: {اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ} [الحشر: 18] (تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ -حَتَّى قَالَ- وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتَهَلَّلُ، كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ). [ 12 ]

وإليكم صورة أخرى يرويها أبو أيّوبٍ الأنصاريّ حين رأى امرأةً في السّبي تبكي: عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ قَالَ: كُنَّا فِي الْبَحْرِ وَعَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْفَزَارِيُّ وَمَعَنَا أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، فَمَرَّ بِصَاحِبِ الْمَقَاسِمِ وَقَدْ أَقَامَ السَّبْيَ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَبْكِي، فَقَالَ: مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالُوا: فَرَّقُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا، قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِ وَلَدِهَا حَتَّى وَضَعَهُ فِي يَدِهَا، فَانْطَلَقَ صَاحِبُ الْمَقَاسِمِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ فَأَخْبَرَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: (مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحِبَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). [ 13 ]

إنّه التّأثّر الّذي زرعه الحبيب صلى الله عليه وسلم في قلوب الأطهار الأبرار الأخيار.

وكما تأثّر الفاروق على حالة الصّبية الّذين يتضاغون جوعا وأمّهم تعلّلهم بماءٍ على النّار...

عُمر العظيم قبيل دينك جاهلٌ=يرعى الجِمال وللحجارة يعبدُ

فإذا به لمّا اهتدى بمحمّدٍ=يحنو على يُتم الصّغار ويُنجدُ

لمّا رأى تلك العجوز وحولها=أطفالها وعلى الحجارة توقدُ

حمل الدّقيق لها وأقبل مسرعاً=متلطّفاً لصغارها يتودّدُ

لم يغْره عزّ الخلافة فاغتدى=بيديه يغترف القِرى ويبرِّدُ

دين الهدى أعطاه إنسانيّةً=فوق العقول منالها مستبعدُ

أمثال ذا خرّيج معهد أحمدٍ=أنعم بمن ربّاه ذاك المعهدُ

أراد الصّحابة المرور بديار أصحاب الحِجر، فكان الجواب من المعلّم صلى الله عليه وسلم: عن عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِأَصْحَابِ الْحِجْرِ: (لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُعَذَّبِينَ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ). [ 14 ]

تربيةٌ على التّأثّر والإحساس.. حتّى في السّخط على الظّلم والظّالمين.

ولمّا كان هذا العصر قد ارتدى رداء القسوة والشّدة الناجمَين عن أسلوب الحياة المعاصرة؛ الّتي تسير فيها الأمور على وتيرةٍ واحدةٍ من المادّيّة المغرقة الّتي ليس فيها للعواطف النّفسيّة والرّقائق الإيمانيّة كبير نصيبٍ، حتّى اضمحلّت العواطف، وضعف التّأثّر، وقلّ البكاء، وأصبح من النّادر في مجتمعاتنا مشاهدة ذوي العواطف الجيّاشة والتأثّر الملحوظ والإحساس المرهف، كان لا بدّ لنا من هذه الوقفة مع المشاعر والأحاسيس، لا سيما ونحن نعيش ظروفاً حرجةً وواقعاً أليماً يتطلّب منّا أن نشعر بما يجري للأمّة صباح مساء.

هذا.. والدِّين بحاجةٍ إلى من يتبنّى همومه ويحمل مسؤوليّته؛ من أولي الألباب والمشاعر الجيّاشة والعاطفة المتّقدة والتّأثّر البالغ والإحساس المرهف، فيشعر بخطورة دوره ويشعر بما يحيط به وما يعيشه إخوانه، يسعد لسعادتهم ويحزن لحزنهم، وإذا ما شرد عن الله تحرّكت عاطفته ففرّ إلى ربّه سراعاً، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 201].

 

1 - العاطفة الإيمانيّة وأهمّيّتها في الأعمال الإسلاميّة، محمّد موسى الشّريف، ص7-8

2 - الجانب العاطفيّ من الإسلام، محمّد الغزاليّ، ص4

3 - مسند الإمام أحمد: 11730

4 - صحيح مسلم: 2504

5 - صحيح مسلم: 976

6 - صحيح البخاريّ: 1304

7 - سنن التّرمذيّ: 3010

8 - صحيح البخاريّ: 2406

9 - صحيح البخاريّ: 6073

10 - سنن التّرمذيّ: 2165

11 - صحيح مسلم: 1763

12 - صحيح مسلم: 1017

13 - مسند الإمام أحمد: 23499

14 - صحيح مسلم: 2980

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا