الخميس 15 ربيع الثاني 1441 - 12 ديسمبر 2019

الإلحاد والقهر الأمني

الأحد 12 ربيع الأول 1441 - 10 نوفمبر 2019 120 محمد فتحي النادي
الإلحاد والقهر الأمني

تحدُث الصدمات النفسية العنيفة عند الأزمات الشديدة التي تمتحن بها النفوس؛ فمنَّا من تقوِّيه الأزمات وتزيده صلابة، ومنَّا من يضعف ويفقد الثقة في نفسه وفيمن حوله ويسيطر عليه اليأس والقنوط، وأشدُّ من هذا قد يكون؛ فهذه الصدمات قد تدفع فئةً منَّا لا سيما الشباب إلى الكفر بالْمُثُل والقِيَم التي كان يؤمن بها، ومن هذه الصدمات ما يحدث إثر الهزائم الحربية المنكرة أو الانقلابات العسكرية التي تقمع حريات الشعوب مثلما حدث بعد هزيمة حزيران عام 1967م يوم هُزم العرب والمصريون شرَّ هزيمة أمام الاحتلال الصهيوني، وكذا يوم انقلاب تموز 2013م في مصر.

والأكثر تأثرًا هم فئة الشباب الذين تفتَّح وعيهم على الويلات والأزمات. إن الصدمة تسلب من الشباب وعيهم بعض الوقت، فيبدؤون بالشك في الثوابت التي كانوا يرون أن الجبال تزول وهي لا تزول، وبعد حين تجد فيهم من يعود لرشده سريعًا ويحدد طريقه ويعصمه إيمانه القوي وتربيته السليمة، لكن منهم من تزلُّ قدمه فَيتِيه ويضلُّ؛ فمثلًا بعد انقلاب تموز 2013م في مصر تزلزلت ثوابت كثيرة في عقول الشباب، فهذا الشباب النقي كان يحلم بوطن يحميه ويرعى مصالحه ويوفر له حياة كريمة ويحفظ له كرامته، وإذا به يجد أن هذا الوطن يُمعن في قتله، وإن لم يقتله فإنه يطارده ويقهره ويكبته سياسيًّا ويعدُّ عليه أنفاسه، ومن يفتح فاه فالويل له والثبور؛ السجن أبوابه مشرعة، وأدوات التعذيب متاحة متوفرة، ولا محاسبة لقاتل أو لمن يسوم الأحرار سوء العذاب؛ يومئذٍ كفر بعض هؤلاء الشباب بوطنٍ كانت كل جريمتهم تجاهه أنهم أرادوا له أن ينهض وأن يكون له شأن بين دول العالم وفي طليعة الدول المتقدمة، وبزعمائهم السياسيين الذين تبيَّن لهم أن أيديهم تلطخت بالدماء البريئة إما بسبب قراراتهم أو بموافقتهم على قتل الشباب وسجنهم ومطاردتهم أو بسكوتهم عما يحدث من إجرام ضد الشباب.

وكفروا بجيشهم الذي كانوا يرونه حامي الحمى الذائد عن الحياض الرادع للأعداء الحافظ للبيضة فإذا بهم يستبينون أنه قد فقد شرفه العسكري فوجّه الرصاص ضد الشعب، وحرّك قوَّاته لا لمحاربة العدو بل لقتل جزء من شعبٍ اختلف مع قادته سياسيًّا أو فكريًّا؛ وبشرطتهم التي كانت عصا غليظة يستخدمها النظام لكبت الشعب وقهره فتَتَفنَّن في إهانة الشعب وسلبه كرامته وتجنِّد كل أجهزتها لتتبع المعارضين السياسيين وقمعهم بينما تترك الباب مفتوحًا لأرباب الإجرام والدعارة والمخدرات أو تتواطأ معهم، ولو اهتمت بالجنائيين عُشر اهتمامها بالمعارضين السياسيين لعمَّ الأمن أرجاء الوطن كما قد قيل.

وكفروا بالقضاء الذي اختل ميزان العدالة في يديه؛ فحاكمَ المظلومين وترك الظالمين، وأصدر الأحكام الظالمة القاسية على البرآء وبرَّأ القتلة والسفاحين والمفسدين؛ وبالإعلام الذي فقد حياده وأهدر دماء الأحرار وجيَّش الشعب ضدهم، واخترع المسوِّغ والعذر لمن يقتلهم ويسجنهم ويطاردهم ويكبتهم، بل مجَّد السفاحين وجعلهم زعماء ملهمين، ووسم كل المخالفين والمعارضين بوسم الخيانة والعمالة والإرهاب.

وكفروا بعلماء السلطان الذين لم يقولوا كلمة حقٍّ في وجه سلطان جائر، ولم يسعهم السكوت بل أفتوا بقتل الأحرار المضطهدين والفتك بهم وبالسجن والقهر واستحلال الأموال، ورفعوا الزعماء السفاحين إلى مقام الأنبياء، ولم يغضبوا لانتهاك الحرمات والمحارم، ولم يغضبوا لدين الله الذي يعتدِي عليه أدعياء التطور ودعاة التنوير والتحرر.

وكفروا بالشعب الذي منه من رقص على جثث الشباب، وأظهر شماتة غريبة في مصائبهم، وأعان الظلمة السفاحين على تتبع الشباب والإبلاغ عنهم وتمكين الشرطة من إلقاء القبض عليهم لإيداعهم في السجون بعد تلفيق التهم لهم، فقضى هؤلاء الشباب زهرة حياتهم في ظلمات السجون لا لشيء إلا لحبهم أوطانهم وسعيهم لتحرير شعوبهم من أغلال العبودية، فكان جزاؤهم القتل وهتك الأعراض بدلًا من الافتخار بأعمالهم ومساعدتهم، لقد أبَوا أن يهان الشعب أو يُستعبد أو يُظلم أو تُغتصب حقوقه لكن الشعبَ راضٍ بذلِّه غاضبٌ على من أراد له أن يخرج مما هو فيه.

وكفروا بقادة أحزابهم وحركاتهم الذين أدخلوهم في مواجهاتٍ لم يحسبوا لها حسابها، ولم يستطيعوا إخراجهم منها، وقاموا بتكبيل الشباب ومنعهم من أن يتخذوا من الخطوات ما يرونه مناسبًا للخروج من سلسلة الأزمات هذه، ثم انغمسوا في خاصَّةِ أنفسهم وتنازعوا على لُعاعة من الدنيا.

وبلغ الأمر ببعضِ مَن كفر بأولئك جميعًا أن يشكك في معية الله ونصره لأهل الحق والإيمان، فمنهم من ترك الصلاة وانعزل عن الناس وأصابته الوساوس، ومنهم من جأرَ صارخًا: أين الله! أين الله من هذه الدماء المسفوكة بغير حق ومن هذا الظلم والقهر؟ إنهم يبحثون عن الله لكنهم ضلوا الطريق، فاختل عندهم الركن السادس من أركان الإيمان، وهو ركن الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، حلوه ومره([1])؛ إنهم لم ينكروا وجود الله لكنهم لم يلمسوا أثر أفعاله في بعض ما يعانونه، فإذا بهم يطلبون الموت ويسعون إلى الانتحار وقد اسودت الدنيا في أعينهم، ظنوا أنهم افتقدوا النصير والمعين، فهم مرضى مضطهدون يحتاجون إلى العلاج لا إلى الإقصاء والنبذ والتشهير:

أ-يحتاجون إلى إعادة الثقة في إيمانهم عن طريق التربية السليمة؛ فمعظم الذين تنحرف بوصلتهم ويطرقون باب الإلحاد لا سيما من انتسبوا برهةً إلى حركات إسلامية لم ينالوا قسطًا كافيًا من التربية الإيمانية السليمة، وأخذتهم الحركة إلى العمل السياسي بلا أساس راسخ مكين مهمِلةً تعميق الإيمان في نفوسهم، فلما جاءت المحنة زُلزلوا زلزالًا شديدًا.

إن التربية الإيمانية السليمة تعيد ثقتَنا في الطريق وتعرِّفنا بما ينالنا وما قد نلقى أثناء السير فيه؛ فمعرفة طبيعة الطريق من المعينات على السير فيه والاستمرار في سلوكه، عن خباب بن الأرت قال: (شكونا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم= وهو متوسد بردةً له فى ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: “قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه؛ والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون“)([2]).

ب-ويحتاجون إلى فهم القضاء والقدر، لقد أراد الله بالقضاء والقدر طمأنة الناس بأن مستقبلهم بيد الله لا بيد العباد حتى لا تخضع الرقاب إلا إليه، ويعلم الناس أن العباد لا يمكنهم إنزال ضر بأحد إلا إذا كان هذا الضر قدرًا مقضيًّا، لكنْ ثمة فرق بين القضاء والمقضي، وبين القدر والمقدور، وإذا كان الرضا بالقضاء والقدر من الإيمان، فإن الرضا بالمقضي والمقدور قد يكون من الضلال، يقول الشيخ محمد بن علي بن حسين: (الرضا بالقضاء واجب إجماعًا، والسخط وعدم الرضا به حرام إجماعًا؛ لأنا مأمورون بأن لا نتعرض لجهة ربنا إلا بالإجلال والتعظيم، ولا نعترض عليه في مُلكه بأن يقول أحدنا ساخطًا على قضائه تعالى: أي شيء عملت حتى أصابني مثل هذا وما ذنبي وما كنت أستأهل هذا، وأما المقضي والمقدور فهو أثر القضاء والقدر، وليس الرضا به واجبًا على الإطلاق كما هو زعم من يعتقد أن الرضا بالقضاء هو الرضا بالمقضي، وإنما الصواب أن الرضا به قد يكون واجبًا كالإيمان بالله تعالى والواجبات إذا قدرها الله تعالى للإنسان، وقد يكون مندوبًا كما في المندوبات وحرامًا كما في المحرمات، وقد يكون مباحًا كما في المباحات من نحو البلايا والرزايا ومؤلمات الحوادث فإنا ما أمرنا بأن تطيب لنا؛ إذ هو تكليف بما ليس في طبع المكلف، والشريعة لم ترد بتكليف أحد بما ليس في طبعه)([3]).

ويصحح الشيخ يوسف القرضاوي -حفظه الله- الفهم المعوج للقضاء والقدر، فيقول: (رضا الإنسان عن الله وعن السير العام للكون والحياة لا يستلزم الرضا عن كل ما يراه على مسرح الحياة من شذوذ وانحراف جزئي مصدره هذا الإنسان المكلف المختار)([4]) فليس معنى رضا الإنسان عن السيارات وركوبها أنه يرضى بما تسببه من حوادث وما يرتكبه سائقوها من مخالفات لقواعد المرور وآداب الطريق، والمؤمن راضٍ عن نظام الوجود، ساخطٌ على انحراف الإنسان الذي لم يقم بشكر الله على نعمة العقل والإرادة التي مُنحها، فهذا السخط على الشذوذ والانحراف البشري سخط يرضاه الله بل يأمر به ويتوعد المهدرين له الساكتين عنه بالعذاب الشديد {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلًا ممن أنجينا منهم} [هود: 116] {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (78) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} [المائدة: 78-79]”([5]).

ج-ويحتاجون إلى فهم السنن الكونية، فقد بث الله في الكون سننًا لا تتخلف ولا تتبدل ولا تتغير، ولا تحابي أحدًا ولا تتحامل على أحدٍ، ومن هذه السنن أن الأصل في الحياة هو التدافع لا التواطؤ والتخاذل، وهذا التدافع قد يؤدي إلى الصراع بين طرفين أو عدة أطراف، يقول تعالى: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36] ولهذا الصراع أشكال تبدأ بالكلام وتنتهي بالإجهاز على الحياة، وبين ذلك كثير من أشكال الصراع، وإن الوعي بهذا الصراع وأبعاده ليفرض على الإنسان الاستعداد له وإعداد العدة الملائمة، وأن يكون على علم بأن حياته لن يعدم فيها عدوًّا ظاهرًا أو مستترًا وإن لم يبادره بالإساءة أو الاعتداء؛ فقد يجد أعداء لم يخطروا له على بال، فمهما وَادعت الناس وسالمتهم فلن يوادعوك ويسالموك، ومن المعارك ما يفرض عليك فرضًا، فلا بد أن تكون حذرًا مستعدًّا تدرك طبيعة عدوك ومدى عداوته وطبيعة المعركة المفروضة عليك أو التي ستقدم أنت عليها؛ ولو أن الشباب تسلحوا بهذا الوعي السنني في التدافع فلن تحدث لهم صدمات تسوقهم إلى الإلحاد، ولعلموا أن الوقوف بجانب الحق ليس وحده الكفيل بانتصار الحق؛ فالحق لا ينتصر من تلقاء نفسه بل يحتاج إلى جَلَد رجال ذوي عزائم وهمم، فإذا كنت ضعيفًا مناصرًا للحق فلن يظهر الحق على الباطل، يقول تعالى: {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد: 4]. وذاك هو مقتضى سنة التدافع، يقول تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين} [البقرة: 251]. “من خلال هذا النص القصير تبرز حكمة الله العليا في الأرض من اصطراع القوى وتنافس الطاقات وانطلاق السعي في تيار الحياة المتدفق الصاخب الموَّار، وهنا تتكشف على مد البصر ساحة الحياة المترامية الأطراف تموج بالناس في تدافع وتسابق وزحام إلى الغايات، ومن ورائها جميعًا تلك اليد الحكيمة المدبرة تمسك بالخيوط جميعًا، وتقود الموكب المتزاحم المتصارع المتسابق إلى الخير والصلاح والنماء في نهاية المطاف؛ لقد كادت الحياة كلها تأسن وتتعفن لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ولولا أن في طبيعة الناس التي فطرهم الله عليها أن تتعارض مصالحهم واتجاهاتهم الظاهرية القريبة لتنطلق الطاقات كلها تتزاحم وتتغالب وتتدافع، فتنفض عنها الكسل والخمول وتستجيش ما فيها من مكنونات مذخورة، وتظل أبدًا يقظة عاملة مستنبطة لذخائر الأرض مستخدمة قواها وأسرارها الدفينة، وفي النهاية يكون الصلاح والخير والنماء، يكون بقيام الجماعة الخيرة المهتدية المتجردة، تعرف الحق الذي بيَّنه الله لها، وتعرف طريقها إليه واضحًا، وتعرف أنها مكلفة بدفع الباطل وإقرار الحق في الأرض، وتعرف أن لا نجاة لها من عذاب الله إلا أن تنهض بهذا الدور النبيل وإلا أن تحتمل في سبيله ما تحتمل في الأرض طاعة لله وابتغاء لرضاه، وهنا يمضي الله أمره وينفذ قدره، ويجعل كلمة الحق والخير والصلاح هي العليا، ويجعل حصيلة الصراع والتنافس والتدافع في يد القوة الخيرة البانية التي استجاش الصراع أنبلَ ما فيها وأكرمه وأبلَغَها أقصى درجات الكمال المقدر لها في الحياة”([6]).

د-ويحتاجون إلى أن يفهموا أنَّ الله لا يَعْجَلُ لعجلة البشر، فالبشرية عجولة بطبعها وفطرتها، فهي تريد الوصول إلى مبتغاها بأسهل الطرق وأسرعها، فإذا تمنت أو رغبت أرادت أن تتحقق الرغبة في أسرع وقت، بل إن من رعونتها أنها كانت تستعجل العذاب أحيانًا وتريد نزوله، لكن هذا ليس من سنة الله في كونه، فهو سبحانه لا يعجل لعجلة البشر، يقول ابن مسعود: (كل ما هو آت قريب، ألا إن البعيد ما ليس بآتٍ، لا يعجل الله لعجلة أحد، ولا يخِفُّ لأمر الناس، ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الله أمرًا ويريد الناس أمرًا، ما شاء الله كان ولو كره الناس، لا مقرب لما باعد الله، ولا مبعد لما قرب الله، ولا يكون شيء إلا بإذن الله)([7]).

إنَّ في هذه الحاجات الأربع لَوقاية وعلاجًا نسبيًّا لصراع بعض الشباب الذين ألَمَّ بهم فكر الملحدين، فاهتز إيمانهم وظنوا أنهم لم يعثروا على أثر الأفعال الإلهية التي تلطف بالعباد إبَّان الأزمات وبطش الطغاة، هذا ولن يعدم المتأمل في النصوص والسِّير والتاريخ أنماطًا أخرى من الوقاية والعلاج.

([1]) مسلم، كتاب الإيمان، باب “مَعْرِفَةِ الإِيمَانِ وَالإِسْلاَمِ وَالْقَدَرِ”، ح (8).

([2]) البخاري، كتاب الإكراه، باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر، ح (6943).

([3]) تهذيب الفروق، (4/249).

([4]) الإيمان والحياة، ص (154).

([5]) مسعود صبري: القضاء والقدر والفهم المعوج، موقع إسلام أون لاين، 9 تشرين الأول 2017م.

([6]) في ظلال القرآن، (1/253).

([7]) المعجم الكبير للطبراني، (9/98).

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا