الجمعة 24 ربيع الأول 1441 - 22 نوفمبر 2019

حدث في الرابع من ربيع الأول انسحاب القوات البريطانية من مضائق الدردنيل

الأربعاء 8 ربيع الأول 1441 - 6 نوفمبر 2019 145 محمد زاهد أبو غدة
حدث في الرابع من ربيع الأول انسحاب القوات البريطانية من مضائق الدردنيل

في الرابع من ربيع الأول من عام 1334=9/1/1916 أنهت القوات البريطانية انسحابها من مضائق الدردنيل في تركيا بعد أن أفشلت القوات التركية حملتها لاحتلال هذه المضايق والتي دامت قرابة تسعة شهور وجاءت في إطار الحرب العالمية الأولى.

والدردنيل، التي تسمى في التركية جناق قلعة، مضيقٌ ضيِّق في شمال غرب تركيا، يربط بحر إيجه ببحر مرمرة، ويفصل جغرافياً بين أوروبا وآسيا، طوله 61 كيلومتراً، ويتراوح عرضه بين 1200 متر إلى 6 كيلومترات، وعلى غربه في أوروبا تقع شبه جزيرة غاليبولي، وأبرز الأماكن في شرقه جناق قلعة، ويبلغ متوسط عمق المضيق 55 متراً.

ونتحدث قليلاً عن ظروف نشوب الحرب العالمية الأولى وتحولها من حرب كان يُقدَّر لها أن تكون محدودة إلى حرب شملت دول أوروبا بأكملها وخاضت غمارها اليابان وأمريكا وكندا.

انتهت حروب البلقان في سنة 1913 باستقلال صربيا التي أصبحت تحت نفوذ روسيا ومتحالفة معها، فقد كانت مَدينة باستقلالها للتأييد الروسي المعنوي والمادي، وبدأ القوميون الصرب في التخطيط لتحرير السلاف الجنوبيين من حكم دولة النمسا والمجر التي كانت متحالفة مع ألمانيا، وكانت فرنسا متحالفة مع روسيا لموازنة التهديد الألماني الذي مثلته تجاهها القوة العسكرية الألمانية المتزايدة.

واندلعت شرارة الحرب العالمية الأولى في 28/6/1914 في العاصمة البوسنية سراييفو، عندما اغتال صربي وطني متطرف ولي عهد النمسا فرنسيس فرديناند وزوجته، وذلك بتدبير من رئيس الاستخبارات العسكرية في صربيا، واعتقد سياسو وعسكريو دولة النمسا والمجر أن هذه الجريمة هي الفرصة السانحة للتصدي لصربيا وطموحاتها الخطيرة وتعزيز موقف النمسا والمجر في البلقان، وقرروا شن الحرب عليها، وحصلوا على تأييد من القيصر الألماني وليام الثاني، وهو أمر كان ضرورياً لردع روسيا حليفة صربيا عن التدخل إن شبت الحرب.

وقررت النمسا أن تقدم لصربيا إنذاراً يتضمن مطالب مذلة يصعب عليها قبولها ثم تعقبه بإعلان الحرب، ولما قدمت الإنذار أعلنت روسيا على الفور أنه وسيلة لإذلال صربيا وأنه يجب عدم السماح للنمسا والمجر بسحقها، وعلى عكس توقعات النمسا قبلت صربيا معظم مطالبها وعرضت إحالة القضية إلى التحكيم الدولي، ولكن دولة النمسا والمجر سارت في مخططها المبيت فقطعت العلاقات الدبلوماسية مع صربيا وأمرت بتعبئة عسكرية جزئية.

واعتبر الإمبراطور الألماني الرد الصربي رداً معقولاً تنتفي معه مبررات شن الحرب على صربيا، وأصدر تعليماته إلى وزارة الخارجية الألمانية بإبلاغ النمسا والمجر أنه لم يعد هناك أي مبرر للحرب، وأنه ينبغي أن يكتفي باحتلال مؤقت لبلغراد، ولم يكن لرسالة الإمبراطور ما توخاه من تهدئة فقد كانت وزارة الخارجية الألمانية في الواقع، وعلى النقيض من توجهات الإمبراطور، تشجع النمسا على شن الحرب.

وأعلنت النمسا الحرب على صربيا في 28/7، وعلى إثرها أعلنت روسيا تعبئة عسكرية جزئية على حدود النمسا والمجر، وفي 30/7 قامت النمسا بإعادة توزيع قواتها على حدودها مع روسيا، ورداً على ذلك أعلنت روسيا التعبئة العامة.

وكانت ألمانيا تأمل أن تكون الحرب بين النمسا والمجر ضد صربيا حرباً موضعية لا تتعدى البلقان، ولكنها إزاء هذه التطورات أصبحت متخوفة من أن تتفلت الأوضاع في أوروبا الشرقية، فأرسلت في 31/7 إنذارا يطلب من روسيا وقف التعبئة خلال 24 ساعة وإنذارا آخر لفرنسا لتقف على الحياد في حالة نشوب حرب بين روسيا وألمانيا.

وتجاهلت روسيا وفرنسا الإنذارات الألمانية، فأمرت ألمانيا بالتعبئة العامة وأعلنت الحرب ضد روسيا في 1/8، فردت فرنسا على ذلك بإعلان التعبئة العامة في اليوم التالي، وأرسلت ألمانيا قواتها إلى لوكسمبورغ، وطلبت من بلجيكا المحايدة السماح بمرور القوات الألمانية عبر أراضيها، وأعلنت المانيا في 3/8 الحرب ضد فرنسا، وفي ذات الليلة غزت القوات الألمانية بلجيكا، وتسبب ذلك في دخول بريطانيا الحرب.

ولم تكن بريطانيا ستدخل الحرب بسبب صربيا، ولم يكن لديها التزامات بالقتال إلى جانب روسيا أو فرنسا، ولكن كانت بينها وبين بلجيكا معاهدة دفاع مشترك، وفي 4/8 أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا ثم في 12/8 على النمسا والمجر، ودخلت اليابان المعمعة حين أعلنت الحرب على ألمانيا في 23/8، ورغم تحالف إيطاليا سابقاً مع النمسا وألمانيا إلا أنها لم تدخل الحرب بجانب حلفائها متعللة بأن الاتفاق لا يشمل الحروب الهجومية العدوانية، واختارت رومانيا البقاء على الحياد الظاهري مع تحالفها سراً ضد روسيا.

وفي 5/9/1914 أبرم الحلفاء؛ روسيا وفرنسا وبريطانيا، معاهدة دفاع مشترك أسميت معاهدة لندن، وتضمنت تعهد أطرافها بألا يبرم أحدهم بمفرده اتفاق سلام مع القوى المركزية؛ النمسا والمجر وألمانيا.

وكان الحكم في تركيا في يد حكومة الاتحاد والترقي، وكان قادتها من الضباط العثمانيين الشباب على علاقة وثيقة قديمة بالعسكريين الألمان، والذين كان كثير منهم يدربون الجيش العثماني، وارتأى الرجل الأقوى في الحكومة أنور باشا زعيم تركيا الفتاة ووزير الحربية أن الانحياز لألمانيا والتحالف معها هو أفضل ما يحقق مصالح تركيا وبخاصة حماية المضايق من التهديد الروسي، وأقنع الصدر الأعظم سعيد حليم باشا بإبرام معاهدة سرية مع ألمانيا في 2/8/1914 تعهدت فيها تركيا بالانحياز إلى ألمانيا إذا هي دخلت الحرب إلى جانب النمسا ضد روسيا، ويعد المؤرخون هذه المعاهدة وما تلاها أكبر نجاح حققته الدبلوماسية الألمانية في إطار الحرب العالمية الأولى.

وبعد اضطرام نار الحرب في أوروبا أعلنت الحكومة العثمانية وقوفها على الحياد، وإن كانت قد أمرت جيشها بالتعبئة العامة، ومنعت مرور السفن في مضيقي الدردنيل والبوسفور وبثت فيهما الألغام، وكانت تركيا قد اشترت من بريطانيا بارجتين، أسمتهما رشادية والسلطان عثمان، وانتهى تصنيعهما مع نشوب الحرب، فأوقفت بريطانيا تسليمهما وأعلنت إلحاقهما بأسطولها، مما أثار الرأي العام التركي، وانتهزت الحكومة العثمانية فرصة الحرب فأعلنت إلغاء الامتيازات الأجنبية وهو ما زاد من التوتر في العلاقات مع بريطانيا وفرنسا إذ كان رعاياهما من أكثر المستفيدين من هذه الامتيازات.

ولجأ إلى ميناء استانبول الطرَّادان الألمانيان جوبِن وبرسلاو هرباً من الأسطول البريطاني، وبعد أسبوعين من المعاهدة السرية العثمانية- الألمانية قامت الحكومة الألمانية ببيع الطرادين للحكومة العثمانية التي أسمتهما ياوز سلطان سليم وميدلي، وبقي الملاحون الألمان يقودون هاتين السفينتين، ورفضت بريطانيا الاعتراف بهذا البيع وأمرت سفنها بترصدهما خارج المضايق وإغراقهما إن أمكن.

وقامت الحكومة العثمانية بعدة تصرفات خرقت فيها الاتفاقات الدولية المتعلقة بالمضايق والبحر الأسود، وفي 8 ذي الحجة 1332= 28/10/1914، قصفت البحرية العثمانية ميناء أوديسا الروسي على البحر الأسود، وادعت أن الروس قد بادؤها الهجوم، فأعلنت روسيا الحرب على الدولة العثمانية في 2/11/1914 وتلتها بريطانيا بعد ذلك بثلاثة أيام.

وأعلنت حكومة الاتحاد والترقي النفير العام، وأمر أنور باشا وزير الحربية فيها ورجلها القوي بتجنيد كل القادرين على حمل السلاح في أنحاء الدولة المختلفة، وكان هذا قراراً مرتجلاً لم تكن وزارة الحربية مستعدة له من حيث توفير مرافق السكن والإعاشة والتدريب، وأدى إلى كثير من التعطيل والتأخير كما تسبب في نقص شديد في الأيدي العاملة الزراعية في أنحاء البلاد، وأدى إلى ضعف المحاصيل الزراعية وفاقم في الغلاء والمعاناة، وكانت هذه أول حملة تجنيد شاملة صارمة قاسية عرفها المشرق العربي في ظل الدولة العثمانية، وصارت تعرف في الذاكرة المجتمعية بحرب سفربرلك، وأحاطت بها حكايات كثيرة مريرة حول فراق الأحبة وانقطاع أخبارهم واليأس من عودتهم وحول ما قاساه هؤلاء المجندين من إهمال معيشي وعسكري.

وأعلنت الحكومة العثمانية رسمياً دخولها الحرب مع الجانب الألماني في يوم 12/11/1914، وبعدها بأيام دعا الخليفة العالم الإسلامي إلى الجهاد ضد دول الحلفاء لأن الإنكليز والفرنسيين والروس أخذوا بأساطيلهم وجيوشهم يحاصرون دار السلطنة بهدف الاستيلاء عليها.

وأرسلت بريطانيا جيشاً من الهند احتل البصرة في 21/11/1914 تمهيداً لاحتلال العراق، وأعلنت كذلك الحماية على مصر التي كانت تحتلها، وقام الجيش التركي السادس يقوده أحمد جمال باشا بالهجوم على قناة السويس بهدف احتلالها، واستطاعت القيادة البريطانية هزيمته وردته عن القناة بما حشدته من قوات بريطانية وهندية وذلك في فبراير 1915.

وكان موقف روسيا في بدايات الحرب في غاية الحرج بعد الهزائم المنكرة التي أنزلتها بها ألمانيا، وفي 2/1/1915 ناشد قائد الجيوش الروسية الجراندوق نيقولاي نيقولايفيتش القوات الحليفة القيام بعملية ضد تركيا لتخفيف الضغط على الروس على جبهة القوقاز، وقررت الحكومة البريطانية تلبية النداء، ووقع اختيارها على مضائق الدردنيل، ذلك إن السيطرة على المضايق ستفتح تفتح الطريق أمام الأساطيل البريطانية والفرنسية إلى البحر الأسود، وتمكنها من إمداد روسيا بالذخائر والأسلحة التي كانت في أشد الحاجة إليها بعد أن تدنى مخزونها من الذخائر.

ولم تكن الحملة البريطانية على الدردنيل وليدة الساعة، بل كانت وزارة الحربية البريطانية وقيادة البحرية قد درستا القيام بحملة مشابهة في عاميّ 1904 و1911 وأعدتا الخطط لذلك، ولكن في النهاية لم تحظ فكرة الحملة بالقبول لدى ضباط الجيش والبحرية لما شابها من صعوبات محتملة كثيرة، ولكن لأهمية المضيق الاستراتيجية والاقتصادية وكونه بوابة استانبول والبحر الأسود من البحر المتوسط، عادت بريطانيا للتفكير في مهاجمة المضايق والسيطرة عليها، وفي أوائل 11/1914 أعادت هيئة الأركان البريطانية دراسة الحملة، وانتهت إلى تصنيفها على أنها عملية خطيرة ولكن ممكنة.

وشكلت الحكومة البريطانية لجنة عسكرية لتخطط للحملة، وفي البداية قررت اللجنة السيطرة على المضايق عن طريق الحرب البحرية وباستخدام سفن حربية عتيقة أقدم من أن تصلح لحروب البحار ومناوراتها، ولكن ما لبث الرأي أن استقر على القيام بعملية بحرية وبرية إذا أريد لبريطانيا أن تسيطر على المضايق وتمر سفنها عبرها، وهو القرار الذي أيده بشدة ونستون تشرشل وزير البحرية في ذلك الوقت.

وجمعت بريطانيا قوات الحملة في مصر تحت قيادة الجنرال السير إيان هاميلتون قائد القوات البريطانية في البحر المتوسط، كما قدمت السلطات الفرنسية قوات محدودة، وبدأت الحملة البريطانية في صفر 1333=فبراير 1915 بهدف السيطرة على مضائق الدردنيل والانطلاق منها لاحتلال القسطنطينية.

وفي الطرف المقابل حشد الأتراك في البداية ست فرق يبلغ قوامها حوالي 120.000 جندي تحت مسمى الجيش الخامس بقيادة وزير الحربية أنور باشا، وكان الجيش عملياً تحت قيادة أحد أبرز العسكريين الأتراك في الحرب العالمية، وهو اللواء محمد أسعد باشا قائد الفرقة الثالثة ورئيس أركان الجيش الخامس، المولود سنة 1862 والمتوفى سنة 1952، وإليه وإلى فرقته يعود الفضل في تجهيز الدفاعات العثمانية والاستعداد للمعركة على أكمل وجه، وكان من القادة في الجيش الخامس كذلك العقيد مصطفى كمال بك، الذي سيعرف لاحقاً باسم أتاتورك، المولود سنة 1882 والمتوفى سنة 1938، والذي كان قائداً للواء التاسع عشر، ومن الملاحظ أن كثيراً من المراجع تجعله رجل المعركة وقائدها الأول، ولكن المراجع العسكرية تذكر أنه شارك في المعارك مثل غيره من العسكريين الذين استبسلوا في صد الغزو، وأنه تميز بتنبئه الدقيق بالمواقع التي سينزل الحلفاء فيها جنودهم، وكان يساند القوات التركية عدد من الضباط والعسكريين الألمان يقدر عددهم بسبعمئة عسكري، على رأسهم العسكري القدير الجنرال أوتو ليمان فون ساندرز، المولود سنة 1855 والمتوفى سنة 1929، والذي تولى قيادة الجيش الخامس بضعة شهور بعد أنور باشا.

وكانت القوات الفرنسية بزعامة الجنرال غورو، الذي سيقود فيما بعد، في سنة 1919، الاحتلال الفرنسي لسوريا ولبنان، ويصبح المندوب السامي الفرنسي فيها، وأصيب غورو في معارك الدردنيل وفقد فيها ذراعه اليمنى.

وبدأ الأسطول البريطاني عملياته العسكرية بقصف المواقع التركية في 16/2 في سلسلة من العمليات التعرضية والاستكشافية، ولم يلق مقاومة ذات بال، وفي 18/3 بدأت البحرية البريطانية هجوما كبيراً ولكن تبين أن المدفعية التركية لم تتأثر كثيراً بالقصف المدفعي بسبب أن عديداً منها كان على منصات متحركة يصعب معها لتحديد موقعها ومن ثم قصفها وإصابتها.

وكان الأتراك قد زرعوا الألغام في مياه المضيق فأصبحت الملاحة فيه خطرة، واستدعيت كاسحات الألغام لإزالتها، وفي هذه الأثناء اصطدمت المدمرة الفرنسية بوفيه بلغم انقلبت على إثره وعلى متنها 600 بحار، واضطرت كاسحات الألغام للتراجع تحت وطأة القصف المدفعي التركي، ثم اصطدمت سفينتان بريطانيتان بألغام وغرقت أحداها بينما أصبحت الثانية غير صالحة للقتال، وأصيبت بلغم سفينة ثالثة أرسلت لإنقاذها وغرقت.

وكان الحلفاء قد استطلعوا بغواصاتهم حقول الألغام من قبل ورسموا خرائط لمواقعها، ولكن الأتراك كانوا قبل 10 أيام قد زرعوا ألغاماً جديدة فاصطدمت بها سفينتان فرنسيتان وأعطبتهما، مما اضطر القيادة الفرنسية للانسحاب إذ لم يبق عندها من سفن ما يوفر الحماية لما تبقى من قوات، وإزاء ذلك قرر قادة الحملة أن الهجوم البحري لا يمكن أن ينجح إذا بقي مقتصراً على جنود البحرية وأنه لا بد من غزو بري تقوم به قوات الجيش بدعم من الأسطول.

وجرى حشد سفن قوات الغزو قبالة جزيرة ليمنوس، وبدأت عمليات الإنزال في شبه جزيرة غاليبولي في وقت مبكر من يوم 25/4/1915، حيث نزلت القوات البريطانية في منطقة والقوات الاسترالية والنيوزيلندية في منطقة أخرى، ونزلت قوة فرنسية في قلعة قوم على ساحل الأناضول المقابل، ولكن تم سحبها في وقت لاحق.

وتصدى الجيش التركي الخامس للقوات الغازية فأصلاها قصفاً مدفعياً شديداً لم تنجح إزاءه في توسيع رقعة الأرض التي نزلت عليها، واستطاع المدافعون الأتراك إيقاف تقدم القوات الاسترالية والنيوزيلندية، وإزاء هذا الإخفاق الشديد أرسلت بريطانيا وحليفتاها تعزيزات كبيرة لم تستطع تحقيق سوى تقدم قليل، ونضرب صفحاً عن التفاصيل العسكرية للمعارك إذ ذاك مما يهم أهل الاختصاص، ولكن نذكر أن المعارك دامت بضعة شهور دون أن تستطيع القوات الغازية تحقيق ما أتت من أجله، وشاركت في المعارك وبخاصة في آخر الحرب الغواصات وحاملات الطائرات، وكانت آخر محاولات الحلفاء إنزال قاموا به في 6/8 على الساحل الغربي في خليج سوفلا، وحقق في البداية بعض التقدم قبل أن يستطيع الأتراك إيقافه.

وعصفت رياح الفشل بعدد من قادة بريطانيا أثناء هذه المعارك، وكان الأدميرال البارون جون فيشر قد رأى بعد الفشل في البداية أن الغزو قد فقد كثيراً من مقومات نجاحه وطالب بإلغائه، ولكن الجنرال هاميلتون رفض أن يعترف بفشل العملية وتضاؤل احتمال نجاحها، واستقال فيشر بعد شهر من بدء الغزو لأن وزير البحرية ونستون تشرشل رفض الاستماع لرأيه، وبعد مضي 5 أشهر على بداية الغزو كان من الواضح أنه بدون مزيد من التعزيزات الكبيرة فليس ثمة أمل في نجاح العملية، وبقي الجنرال هاميلتون على إصراره وتفاؤله بأن العملية ستنجح، فعزلته الحكومة البريطانية وأرسلت محله الجنرال السير تشارلز مونرو الذي أوصى بسحب القوات والتخلي عن الغزو، وأرسلت الحكومة البريطانية وزير الحرب اللورد كيتشنر لزيارة المنطقة في شهر نوفمبر=تشرين الثاني فأيد هذا الاقتراح، وبدأت القوات الغازية في الانسحاب الصعب على مراحل حتى انتهت منه في 9/1/1916.

وينقل الكونت سفوروزا وزير خارجية إيطاليا والذي عاصر هذه الأحداث عن القادة الأتراك أن الإنسحاب جاء في الوقت الذي بدأت فيه قوى المدافعين تخذلهم، وحينها فقط شعروا بالراحة والانتصار.

شاركت في حملة الدردنيل حوالي 16 فرقة بريطانية وأسترالية ونيوزيلندية وهندية وفرنسية بلغ تعدادها قرابة 489.000 عسكري، وكانت خسائرها حوالي 57.000 قتيل و124.000 جريح، و7.600 أسير، إلى جانب الخسائر الفادحة في السفن البحرية القديمة، وبلغ عدد القوات التركية المدافعة حوالي 315.000 عسكري، وبلغت خسائر الأتراك 57.000 قتيل و97.000 جريح و11.000 أسير.

وبالنسبة للحلفاء كانت حملة الدردنيل إخفاقاً ليس له نظير على أنها نجحت في استقطاب قوات تركية كبيرة بعيداً عن الروس، وكانت للحملة تداعيات سياسية خطيرة، فقد أظهرت الحلفاء بمظهر عديمي الكفاءة، وعلى الصعيد الداخلي في بريطانيا وبسبب من الحملة قام رئيس الوزراء الليبرالي الإيرل هربرت أسكويث بتوسيع حكومته لتصبح حكومة ائتلافية، ولما فشلت الحملة استقال ونستون تشرشل الراعي الرئيسي لها، وأدت في النهاية إلى استقالة أسكويث وتسلم ديفيد لويد جورج رئاسة الوزراء في 12/1916.

ورغم صمود الجيش العثماني في الدفاع عن الدردنيل وما حققه من انتصار على البريطانيين في عدة معارك في العراق كان أبرزها كوت العمارة وسليمان باك، إلا أن ذلك لم يؤثر في نتيجة الحرب، فسرعان ما سقطت العراق وفشلت الحملة التركية في فلسطين ومصر وتقدم الجنرال أللنبي فاحتل فلسطين في سنة 1917 وتقدمت قواته فاحتلت سوريا 1918، وساءت حالة تركيا فأعلنت استسلامها في 8 من المحرم من سنة 1337=14/10/1918، ووقعت معاهدة هدنة مع الحلفاء في 31/10/1918، واحتلت دول التحالف القسطنطينية وقلاع الدردنيل والمواقع الحربية الهامة، وأصبحت تركيا تحت سيطرة الحلفاء، وفي 10/8/1920 وقعت تركيا مرغمة على معاهدة سيفر التي تنازلت فيها عن العراق ومصر والجزيرة العربية وفلسطين وسوريا وتراقيا في أوروبا.

خلد هذه الملحمة شاعر تركيا الوطني محمد عاكف أرصوي، المولود سنة 1873 والمتوفى سنة 1936، في قصيدة بعنوان: شهداء جناق قلعة، قال فيها:

أي حرب هذه في الدردنيل لم يشهد العالم مثلها من قبل

أربعة... خمسة جيوش تتجمع وتندفع

لتصل بحر مرمرة عبر الهضاب والمضايق

كم من السفن تجمعت في هذه الرقعة الضيقة

العالم الجديد والعالم القديم أتيا نحوك

رمل تسفوه الريح... سيل عارم... بل هو يوم القيامة

البروج السبعة وقفت ضدك

أستراليا وأرى جانبها كندا أيضا

يختلف هؤلاء الغوغاء في الوجه واللون واللسان

ولكن وحشيتهم وحقيقتهم واحدة

مصاباً في جبهته الطاهرة يرقد الشهيد

رباه! من أجل هذا الهلال كم من الشموس غربت اليوم

أيها الجندي الساقط على التراب لأجل الوطن

لا غرابة لو رأينا الأجداد ينزلون من السماء ليقبّلوا جبينك المضيء!

فما أعظم دمك الذي حمى وأنقذ التوحيد

لا يماثلك في شهادتك إلا أسود بدر العظماء

ضاقت القبور أن تتسع لعظمتك!

بل أرى التاريخ كله أضيق من أن يسعك

أنت الذي تصديت لهجمة آخر الحملات الصليبية

وقرّت بذلك أعين سلطان الشرق صلاح الدين وترضى عنك قليج أرسلان

أنت يا من تناولت الطوق الحديدي الذي أحاط بالإسلام

وكسرته على صدرك القوى شذر مذر

أيها الشهيد ابن الشهيد لا تطلب مني قبراً لك

فالنبي فاتح ذراعيه ينتظر المجاهد الشجاع.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا