الجمعة 24 ربيع الأول 1441 - 22 نوفمبر 2019

حول القيم والمفاهيم السائدة (4)

السبت 20 صفر 1441 - 19 أكتوبر 2019 83 طارق البشري
حول القيم والمفاهيم السائدة (4)

أما اليوم يظهر أنَّ نظرتنا لتاريخنا الحديث، ودراستنا فيه، تقوم على أساس قطري تجزئي. وهي في معظمها غير مُترابطة، لا على المستوى العربي ولا على المستوى الإسلامي. وقام التاريخ الحديث لكل قطر مفصولا عن وقائع غيره من الأقطار، وتعدَّدت التواريخ بتعدُّد الدول.

ولكن الأمر لم يقتصر على هذا الانفصال والتجزيء في النظرة التاريخيَّة، إنما الأخطر من ذلك هو ما نتج عن ذلك – وكان من الحتم أن ينتج – من تضارب نظرات الأقطار للأحداث المشتركة بين كل منها وبين الأقطار الأخرى التي يضمهم جميعا جامع الإسلام والعروبة، وأبسط مثل على ذلك: 

عندما نقرأ كتابات المؤرِّخين المصريين عن حروب محمد على وإسماعيل في السودان، ثم نقرأ عن ذلك لدى المؤرخين السودانيين، وذلك الحال بالنسبة لمؤرخي الشام ومصر عندما يكتبون عن حروب محمد علي وحكمه للشام، ثم اختلاف النظر القطري للثورة العربية التي حدثت في سنة 1916، اختلافها بين الإسلاميين والقوميين، ثم الاختلاف في تقويم الأحداث بين دعاة الإصلاح في بلاد الشام ودعاة الإصلاح في مصر في الفترة السابقة على الحرب العالمية الأولى، إذ كان الأولون يعارضون حكم السلطان العثماني وقد يجدون نوعاً من العون من النفوذ الإنجليزي في مصر، وكان الأخيرون على العكس يثورون في وجه الإنجليز، وقد يجدون شيئا من المساندة من الباب العالي، كذلك الشأن نفسه من اليمين بين حركتي الإصلاح في كل من عدن واليمن إبان عهدي الإمامين يحيى وأحمد لليمن، مع وجود الإنجليز في عدن.

الأمر هنا ليس أمر انحصار الوقائع المسرودة لقطر معين، ولا أمر جزئية النظرة والتقويم، ولا أمر تعدد النظرات تعدداً بسيطاً، وهو كذلك ليس أمر جهل المشرقي بوقائع تاريخ المغربي مثلا، ولا جهل المصري بوقائع تاريخ العراق، ولكنه أمر تضارب رؤى وتنازع تقويمات وتصارع وجهات نظر. 

وهذا يوضح أنَّ وحدة التاريخ العربي والإسلامي الحديث، لن تكون بمجرَّد الجمع والإضافة البسيطة لوقائع كل قطر مع وقائع غيره من الأقطار، ولكنها ستكون مسألة بالغة الصعوبة، ومدعاة لأشدِّ درجات الاختلاف، وذلك عندما نحاول أن نضع مَعَايير موحَّدة لتقويم وقائع الأقطار العربية والإسلامية، ونحاول أن نضعها كلها في سياق تاريخي واحد، ونبني منها جميعاً بناء تاريخياً واحداً.

إنَّ النظرة التجزيئيَّة قد أقامت في الوعي الإنساني كيانات مُنفصلة، وتبلور على كل كيان موقف وتحدد به منظور خاص ومتميز، أي: ترتب عليه تكون نسق قيمي، ونحن نواجه تضارباً بين هذه الأنساق، وعندما نعمل على توحيد نظرنا في إطار التكوين الجمعي الأشمل، فلن يأتي ذلك بالإضافة البسيطة للوقائع وللرجال، ولكنه سيحتاج إلى الجهد الدؤوب للتخلص من النظر الجزئي، ولبناء معايير للتقويم شاملة تستوعب أقصى ما تقدر من تلك النظرات الخاصَّة، وتعمل على التنسيق بينهما؛ ليقوم منها كلها نظر عام شامل، يمثل القاسم المشترك الأعظم لها جميعا.

وكما أنَّ وحدة العصر الحديث كجامع أممي وحضاري، ارتدَّت على التاريخ توحِّده وتخضعه لمعايير موحدة مأخوذة من تاريخ الحضارة الغربية المسيطرة، فإن التجزيء والتفتيت للتاريخ العربي الإسلامي الحديث، قد ارتدَّ – أيضا-إلى التاريخ الأسبق يعمل فيه أدوات التجزيء والتفسيخ. 

ذلك أنَّ الأمر هنا يتعلق بقيم ومفاهيم إن قام بها ميزان تقويم الحاضر، فيستمد أثرها بالضرورة بحسبانها ميزاناً لتقويم الماضي.

وهذا ما حدث، فنحن لم نكتفِ بما صنعه في التاريخ الحديث، إنما عدنا القهقرى منذ بداية الإسلام حتى القرن التاسع عشر الميلادي. 

ورغم أن هذا التاريخ الأسبق بمراحله العديدة كان تاريخاً سياسياً واحداً وعاماً في فترات تاريخية طويلة، ورغم أنَّه عند التجزئة كاد يتجزَّأ إلى وحدات أقل عددا وأكبر حجماً مما هو حادث الآن، ورغم أنَّه كان عند التجزئة تقتصر التجزئة على الحكم السياسي فقط، مع الإقرار العام بوحدة الجماعة، وبأن ثمَّة تاريخاً عاماً لأمَّة واحدة تجمع حضارة واحدة، رغم كل ذلك، فإنَّ النظر التجزيئي المعاصر أفاد لدى الكثير من المؤرخين المحدثين للتاريخ الوسيط، ميلاً لأن يعزلوا تاريخ كل قطر حديث ويجمعوا وقائعه وحدها، ثم يقيمون منها بنياناً تاريخياً مستقلاً ومُنفصلاً عن تاريخ غيره من الأقطار. 

ومن هنا فصلت وقائع كل قطر من غيره، وقسم الملك التاريخي الشائع بين أقطار الحاضر، كما يقسم الورثة تركة مورثهم بعد وفاته. 

وأحياناً ما لا يكون الأمر أمر فرز، ولا حتى أمر اقتسام، وإنما يكون بتراً وتقطيعاً لأشلاء جسد واحد، ونحن اللذين يحيون في نهاية القرن العشرين، وصار التاريخ العربي الواحد اثنين وعشرين تاريخاً، ناهيك عن تاريخ المسلمين جميعاً.

إنَّ صناعة نسق تاريخي مُتميز ومُنفصل لكل من هذه الأقسام، إنَّما أدَّى إلى فساد كامل لرايتنا التاريخية ولأحكامنا، ولتقويماتنا لوقائع التاريخ. فدخول عمرو بن العاص مصر في القرن السابع الميلادي هل كان فتحاً إسلامياً كما نفهم نحن أم كان غزواً عربياً؟ آسف إذا قلت إنه صار بيننا من يطرح هذا التقويم الثاني.

ثم مجيء المعز لدين الله الفاطمي من المغرب إلى مصر في القرن العاشر، هل كان توحيداً أو ضمّاً أو غزواً؟

والدولة التي قامت وكانت عاصمتها في القاهرة التي بناها وقطنها المعز وبنوه، هذه الدولة ماذا كانت؟

ثم محاولة علي بك الكبير الخروج بمصر عن ولاية العثمانيين في نهايات القرن الثامن عشر، هل كانت حركة انفصال أم كانت حركة استقلال؟

ثم صنيع محمد بك أبو الدهب الذي كان في جانب علي الكبير، لكنه تعاون مع العثمانيين لهزيمة سيده، هل كان وطنيا يحفظ وحدة الدولة العثمانية، أم كان خائنا لوطنه ينصر المحتل عليه؟

إنَّ التاريخ الألماني مثلا، استقرَّ على المفهوم التوحيدي لألمانيا عنما يجري تقويمه لوقائع الولايات الجرمانيَّة السابقة ولوقائع بروسيا مع سائر الولايات الأخرى. 

وهذا المفهوم التوحيدي لحوادث التاريخ الألماني، لم يهتزَّ فيما أعلم بعد أن انقسمت ألمانيا إلى دولتين بعد الحروب العالمية الثانية في 1945م، لقد بقي التاريخ الألماني السابق تاريخاً واحداً، ولم يقسم التاريخ الألماني وينفرز الملك الشائع السابق بذلك التقسيم الطارئ، ولعل ذلك كان من أسباب سرعة توحيد القسمين في الأعوام الأخيرة، ذلك أن القسمة السياسية لم تكن أدت إلى (تقسيم الوعي). 

وما أريد أن أبيِّنه بهذا المثال أنَّ الانقسام السياسي إل دولتين أو أكثر ليس من شأنه أن يفسر ولا أن يسوغ قسمة التاريخ وضياع الرؤية التاريخية الواحدة للماضي.

وبالجملة فإنَّ من أخطر وجوه الإفساد القيمي في هذا الشأن، أنَّ ما كان يعتبر عاملاً داخلياً في تقويم أحداث التاريخ صار يعتبر عاملاً خارجياً في تقويم أحداث التاريخ. 

وانعكس الوضع فصار ما هو عامل خارجي كالحملة الفرنسية على مصر، صار يعامل أحياناً كما لو كان عاملاً داخلياً، وذلك عندما ينظر إليه البعض كعنصر مساهم وباعث للنهوض والتقدم، وقد جرى له هذا التقويم تحت إملاء المفهوم السائد عن (وحدة العصر) بالمعنى الأممي والحضاري، وما ترتب على ذلك من اغتراب والتحاق برباط التبعيَّة مع الغرب، والالتحاق المعني هنا ليس التحاقاً مادياً اقتصادياً ولا سياسياً، ولكنه التحاق يتعلق بالوعي.

هذا ما يحضرني لأتقدم به إلى هذه الندوة في شأن موضوع القيم والمفاهيم السائدة في المجتمع العربي، وأحسب أنَّ القيمة السائدة لدينا الآن عن (المعاصرة) أو (وحدة العصر الحديث) بمعناه الأممي والحضاري، هي من أسس ما يروَّج من قيم ومفاهيم تنتج اختلاط الوعي بالذات، وهو من أسس ما نعاني من اغتراب واستلاب حضاري، لا يقتصر أثرها على إفساد نظرنا إلى واقعنا ووقائعنا من منظور خاص بنا ومتميز ويرعى صالحنا الحضاري والمادي، ولكنه يمتد إلى نظرنا إلى ماضينا فيعيد تشكيله على غير ما قام من الواقع الماضي، كما أنه يقيم التبعية والتجزؤ، يقيمها لا في الواقع وحدَه، بل في الوعي ذاته.

حفظ الله أمَّتنا وألهمها الرشاد..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

المصدر: مجلة المسلم المعاصر، العدد 71 / 72، حزيران/يونيو 1994، السنة: 1994

الحلقة السابقة هـــنا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا