الأحد 22 محرم 1441 - 22 سبتمبر 2019

إنّه يحبّ الله ورسوله

الأربعاء 4 محرم 1441 - 4 سبتمبر 2019 63 رابطة خطباء الشام
إنّه يحبّ الله ورسوله

عناصر المادة

1- لو تابها صاحبُ مكسٍ لغُفر له 2- إنه يحبّ الله ورسوله 3- ولم يُصِرّوا على ما فعلوا

مقدمة:

ذلكم الجيل، هو جيله عليه الصّلاة والسلام، هو القرن الّذي عاش فيه، هم الملأ الّذين وضعوا أنفسهم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلّم ويوجّه، يسقي ويروي ما شاء في هذه الأنفس.

لن نتحدث اليوم عن البطولات، ولا عن التّضحيات، ولا عن العلم، ولا عن الأدب، ولا عن الزّهد لذلك الجيل، سوف نتحدث عن جانبٍ آخر، عن طائفةٍ من المذنبين في ذلك الجيل، ثمّ نقارن بيننا وبينهم؛ لنقف على دروسٍ وحكم لنعرف عدل الله ووسطيّة شريعته ومدى رحمته بالنّفوس، ولنكون أكثر تبصّراً بطريق اللجوء إلى الله، ولنقطع حبائل الشّيطان إلى أنفسنا.

1- لو تابها صاحبُ مكسٍ لغُفر له

يجلس الرّسول صلى الله عليه وسلم في المسجد، وأصحابُه حوله، يجلس كالقمر وسط النّجوم في الظّلام، يُعلّمُهم ويؤدّبُهم ويزكّيهم، وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبينٍ، اكتمل المجلس بكبار الصّحابة، وإذا بامرأةٍ متحجّبةٍ تدخل باب المسجد، فسكت صلى الله عليه وسلم، وسكت أصحابه، وأقبلتْ تمشي رويداً حتّى وصلت إليه عليه الصّلاة والسّلام، ثمّ وقفت أمامه، وأخبرته أنّها زَنَتْ! وأنّها تريد أن يُطهّرها من هذا الذّنب!

فماذا يا تُرى فعل عليه الصّلاة والسّلام؟! هل استشهد عليها الصّحابة؟ أم فرح بذلك لأنّها سلّمت نفسها للحقّ؟

لا، بل احمرّ وجهُهُ حتّى كاد يقطر دماً، ثمّ حوّلَ وجهه إلى الميمنة وسكت كأنّه لم يسمع شيئاً.

أيّها الأحبّة: إنّها امرأةٌ رَسَخَ الإيمان في قلبها، ولولا ذلك لما سعَتْ بقدميها إلى حتفها تطلب الموت، وهي تعلم أنّ تطهيرها من هذا الذّنب يكون برجمها حتّى الموت!

لا إله إلا الله.. ما أعظمَ تلك التّوبةَ الّتي سكنَتْ فؤادها!

نعم، لا غرابةَ، إنّه جيل الصحابة، جيلٌ لم يكن مثلُه مثيلٌ، ولن يكون مثله بعد؛ لقد ارتفع الإيمان عند عصاتِهم، ولا أقول أبرارهم بل عصاتِهم، إلى درجةٍ لا يصل إليها أبرارُنا اليوم.

فماذا فعل عليه الصّلاة والسّلام مع تلك المرأة التّائبة المُخبتة؟

لقد حاول أن ترجع عن إقرارها وكلامها، ولم يُرِد أن يأخذها بكلمةٍ صدرت عنها، قد تكون غاضبةً حين قالتها، أو تكون هناك شبهةٌ، وهو الّذي قال: عن عائشَةَ رضي الله عنها قالَت: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (ادرَءوا الحُدودَ عن المُسلِمينَ ما استَطَعتُم، فإن وجَدتُم لِلمُسلِمِ مَخرَجًا فخَلُّوا سَبيلَه؛ فإِنَّ الإمامَ أن يُخطِئَ في العَفوِ خَيرٌ له مِن أن يُخطِئَ في العُقوبَةِ). [ 1 ]

إنّه يمنع التّجسّس واتّباع العورات والمثالب والمعايب، فهو الّذي يقول منذراً ومحذّراً: عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ). [ 2 ]

أخبرته المرأة أنّها حبلى من الزّنا، فقال: (إِمَّا لَا فَاذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي)، فذهبت حتّى وضعت طفلها ثمّ عادت إليه، حملت طفلها تسعة أشهرٍ ثمّ وضعته، وفي أوّل يومٍ أتت به وقد لفّته في خرقةٍ، وذهبت به إلى سيّد البشر ومعلّم الخير، ولم تتأخّر خطوةً عن إقرارها ولم تتراجع طيلة هذه الفترة؛ ثمّ هو لم يَسْتَدْعِها عليه الصّلاة والسّلام، ولم يُرسل إليها عسكراً ولا شرطةً يسحبونها من بيتها، ولكن تركها حتّى أتت بنفسها تحمل طفلها بين يديها، وقالت: هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ، فنظر عليه الصّلاة والسّلام إلى طفلها فقال: (اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ)، فذهبت، فأرضعت طفلها ما يقرب العامين ثمّ أتت به وفي يده كسرة خبزٍ، ووقفت بين يدي الرّسول صلى الله عليه وسلم، وقالت: هَذَا يَا نَبِيَّ اللهِ قَدْ فَطَمْتُهُ، وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ، فأخذ -فداه نفسي- طفلها وكأنّه سلّ قلبها من بين جنبيها، لكنّه شرعُ الله وأمرُهُ، لا يملك أن يجاري فيه أو يساير، ودفع الصّبيّ إلى رجلٍ من المسلمين.

إنّه مشهدٌ مؤثرٌ، مشهد الغمام لا يتنازل عن حقّ الله، ولكنّه لا يتجسس، ولا يُرهِب ولا يُرعب، وإنّما يربّي الأنفس، حتّى يأتي الإنسان طائعاً، إنّها تربية قوله جلّ وعلا: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} [الأنعام: 120].

وقال صلى الله عليه وسلم: (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ). [ 3 ]

2- إنه يحبّ الله ورسوله

قال الله سبحانه: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135].

أيّها الأحبّة: إنّ العصاة في مجتمعنا ليسوا كما يتصوّرهم كثيرٌ منّا أنّهم شياطين، وأنّهم انسلخوا من الدّين، أو أنّه لا يُؤمل منهم صلاحٌ، هذا ليس بصحيحٍ، فعندهم خيرٌ وشرٌّ، عندهم نورٌ وظلمةٌ، لذا ينبغي أن نكون عوناً لهم على أنفسهم وشياطينهم، لا عوناً لأنفسهم وشياطينهم عليهم، يجب أن نستثير هذا النّور الّذي في داخلهم ليضيء حياتهم لا أن نبدّد النّور الذي داخل نفوسهم بقليلٍ من الظّلمة، يجب أن ننمّي هذه الفطرة في قلوبهم؛ حتّى يزدادوا من الخير، ويتركوا ما هم عليه من المعصية.

واسمعوا لهذه القصّة أيضاً في عصر النّبوّة؛ قصةُ شابٍّ كان يشرب الخمر في عهده النّبيّ صلى الله عليه وسلم، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (لاَ تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ). [ 4 ]

هكذا الدّين، يقوم بتربية ضمائر النّاس، وتزكية نفوسهم، وتعميق الإيمان في قلوبهم.

3- ولم يُصِرّوا على ما فعلوا

هكذا مواقف تتجسّد فيها الكثير من مشاهد الحكمة: فهو مع خطئه ومعصيته رأى فيه الجانب الآخر، جانب الخير والنّور في نفسه، وهذا مصداق قوله تعالى حين وصف المؤمنين: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135].

فالله لم يصفهم بالعصمة من الذّنوب، ولكن وصفهم أنّهم إذا أذنبوا ذكروا الله وكانوا سريعي التّوبة والأوبة إلى الله، وذلك لما فيهم من الخير الّذي يجعلهم أقرب إلى الأوبة والإخبات لربّهم.

وكم نحن اليوم بحاجةٍ إلى ملاحظة ذلك في كثيرٍ من النّاس الّذين إذا أخطأ أحدهم أو ابتُلي بذنبٍ أن نشجّع فيه جانب الخير على الشّرّ، وجانب النّور على الظّلمة، فنكون عوناً له ليكون إلى الله أقرب، كم نحن اليوم بحاجة إلى منطق: (إنّه يحبّ الله ورسوله)، مع أنّه وقع في الذّنب.

إنّنا بذلك نعين النّاس على أن يقتربوا من الدِّين والخير والصّلاح، بدلاً من أن نشيطنَهم ونصنَعَ منهم أشراراً نعيُّرهم بالذّنب، ونسلخ عنهم أيّ خصلةٍ من الخيريّة والفضيلة.

 

1 - السّنن الكبرى للبيهقيّ: 17139

2 - مسند الإمام أحمد: 19776

3 - صحيح مسلم: 1695

4 - صحيح البخاريّ: 6780

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا