الأحد 22 محرم 1441 - 22 سبتمبر 2019

مختارات من تفسير

الأربعاء 20 ذو الحجة 1440 - 21 أغسطس 2019 147 مثنى محمد هبيان
مختارات من تفسير

من اللمسات القرآنية في سورة البقرة { ذَٰلِكَ ٱلكِتَٰبُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدى لِّلمُتَّقِينَ } 

السؤال الأول: ما الفرق بين دلالة كلمة الكتاب والقرآن؟ 

الجواب: 

أولاً ـ دلالة كلمتي الكتاب والقرآن :

من الناحية اللغوية :

1ـ كلمة (قرآن) هي في الأصل لغة مصدر الفعل (قرأ) مثل غفران وعدوان. {فَإِذَا قَرَأنَٰهُ فَٱتَّبِع قُرءَانَهُۥ ١٨} [القيامة:18] ثم استعملت علماً للكتاب الذي أُنزل على الرسول عليه السلام وهو القرآن الكريم .

2ـ أمّا الكتاب فهي من الكتابة , وأحياناً يسمى كتاباً لأنّ الكتاب متعلق بالخط، وأحياناً يطلق عليه الكتاب وإن لم يُخطّ { أَنزَلَ ٱلكِتَٰبَ} والقرآن لم يُنزّل مكتوباً وإنما أُنزل مقروءاً ولكنه كان مكتوباً في اللوح المحفوظ قبل أنْ ينزّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم . 

من ناحية الاستعمال :

1ـ يلاحظ أنه عندما يبدأ بـ {الكِتاب} يتردد في السورة ذكر الكتاب أكثر بكثير مما يتردد ذكر القرآن أو قد لا تذكر كلمة القرآن مطلقاً في السورة.

2ـ أمّا عندما يبدأ بـ{القرآن} يتردد في السورة ذكر كلمة القرآن أكثر من ذكر الكتاب أو قد لا يرد ذكر الكتاب مطلقاً في السورة .

3ـ وإذا اجتمع القرآن والكتاب فإنهما يترددان في السورة بشكل متساو تقريباً .

ونأخذ بعض الأمثلة:

آ ـ في سورة البقرة بدأ بالكتاب { ذَٰلِكَ ٱلكِتَٰبُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدى لِّلمُتَّقِينَ} [البقرة:2] وذكر الكتاب في السورة ( 47 ) مرة والقرآن مرة واحدة فقط في آية الصيام { شَهرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِي أُنزِلَ فِيهِ ٱلقُرءَانُ هُدى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰت مِّنَ ٱلهُدَىٰ وَٱلفُرقَانِ} [البقرة:185].

ب ـ في سورة (آل عمران) بدأ السورة بالكتاب { نَزَّلَ عَلَيكَ ٱلكِتَٰبَ بِٱلحَقِّ مُصَدِّقا لِّمَا بَينَ يَدَيهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّورَاٰةَ وَٱلإِنجِيلَ} [آل عمران:3] وورد الكتاب (33 ) مرة في السورة ولم ترد كلمة القرآن ولا مرة في السورة كلها.

ج ـ في سورة (طه) بدأ السورة بالقرآن { مَا أَنزَلنَا عَلَيكَ ٱلقُرءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ }وورد القرآن فيها ( 3) مرات والكتاب مرة واحدة.

د ـ في سورة (ق) بدأ بالقرآن { قۚ وَٱلقُرءَانِ ٱلمَجِيدِ } وورد ذكر القرآن(3) مرات في السورة، بينما ورد الكتاب مرة واحدة.

هـ ـ في سورة (ص) تساوى ذكر القرآن والكتاب.

و ـ في سورة (الحجر) بدأ { الر تِلكَ ءَايَٰتُ ٱلكِتَٰبِ وَقُرءَان مُّبِين} ورد ذكر القرآن (3 )مرات والكتاب مرتين.

ز ـ في سورة (النمل) بدأ { طس تِلكَ ءَايَٰتُ ٱلقُرءَانِ وَكِتَاب مُّبِينٍ} ورد ذكر القرآن ( 3 ) مرات والكتاب أربع مرات.

وبشكل عام نقول :إنّ الذي أنزله الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم يمكن أنْ يقال له : هو الكتاب، ويمكن أنْ يقال له: هو القرآن، ويمكن أن يقال له:هو الفرقان، ويمكن أن يقال له: هو الذِكر.

السؤال الثاني: ما دلالة استعمال اسم الإشارة {ذَٰلِكَ ٱلكِتَٰبُ} بدل ( هذا الكتاب)؟

الجواب:

1ـ اسم الإشارة في الأصل هو (ذا) وحدها, لكن يدخله الهاء للتنبيه , كأنما يقدم عليه شيئاً ينبّه فيقال :(هذا)، وأحياناً تدخل عليه الكاف الذي يشير إلى البُعد فيقول: (ذاك) وقد تدخل عليه اللام التي تشير إلى البُعد المُفرِط (ذلك) للبعيد جداً .

2ـ العلماء يقولون: هذا نوع من تشريف للكتاب بأنه لم يُشر إليه بإشارة القريب، وإنما أراد أنْ يعظِّمه، وقسم قال :إذا أشار إلى الكتاب الذي في اللوح المحفوظ فقال: {ذلك} ومعناه الكتاب الذي في اللوح المحفوظ والذي لا يمسه إلا المطهّرون من الملائكة، والله أشار إليه بـ (هذا) عندما أراد إلى ما بين أيدي الناس فاستعمل إشارة القريب كقوله تعالى: {إِنَّ هَٰذَا ٱلقُرءَانَ يَهدِي لِلَّتِي هِيَ أَقوَمُ} أي: للقرآن الذي بين أيديهم.

القرآن والكتاب واحد، وهو الآيات التي أنزلها الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم , لكنّ الله تعالى عندما يقول: (الكتاب) كأنه يشير إلى هذا المدوّن، وهو نفسه المقروء, وهو كان مسطّراً في اللوح المحفوظ , ثم نزل مقروءاً ثم قرأه الرسول صلى الله عليه وسلم ثم سُطِّر.

3ـ ولما قال: {لَا رَيبَۛ فِيهِۛ} انصرف الذهن إلى الكتاب الذي في اللوح المحفوظ {ذَٰلِكَ ٱلكِتَٰبُ لَا رَيبَۛ فِيهِۛ هُدى لِّلمُتَّقِينَ} والريب أدنى درجات الشك, والشك أقوى من الريب, والريب كأنه أول درجات الشك، وهذا الكتاب بذاته يخلو من أي ذرة من ذرات الشك فإذن هو يخلو من الريب.

4- نفس اسم الإشارة أحياناً يستعمل في التعظيم، وقد يستعمل في الذم، والذي يبين الفرق بينهما هو السياق. 

فمثلاً كلمة (هذا) تستعمل في المدح والثناء كقولهم "هذا الذي للمتقين إمام" ويستعمل في الذم {أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا}.

واسم الإشارة (كذلك) تستعمل في المدح نحو "أولئك آبائي فجئني بمثلهم" أولئك جمع ذلك وهؤلاء جمع هذا , ويستعمل للذم. 

وأيضاً (ذلك) و(تلك) من أسماء الإشارة تستعملان للمدح نحو قوله تعالى : {قَالَت فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمتُنَّنِي فِيهِۖ } وهذا تعظيم، وأحياناً يكون في الذم تقول : هذا البعيد , ولا تريد أنْ تذكره فهنا الذي يميز بين ذلك الاستعمال والسياق. 

5ـ وقوله تعالى: {ذَٰلِكَ ٱلكِتَٰبُ لَا رَيبَۛ فِيهِۛ هُدى لِّلمُتَّقِينَ} هنا إشارة إلى علوه وبُعد رتبته وبُعده عن الريب وأنه بعيد المنال لا يستطيع أنْ يؤتى بمثله , ولفظة{ذلك} دلالة على البعد . والله تعالى قال في نفس السورة : { وَإِن كُنتُم فِي رَيب مِّمَّا نَزَّلنَا عَلَىٰ عَبدِنَا فَأتُواْ بِسُورَة مِّن مِّثلِهِۦ وَٱدعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُم صَٰدِقِينَ ٢٣ فَإِن لَّم تَفعَلُواْ وَلَن تَفعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلحِجَارَةُۖ أُعِدَّت لِلكَٰفِرِينَ ٢٤} البَقَرَة أي أنّ هذا الأمر بعيد عن المنال أنْ يؤتى بمثله، إذن ذلك الكتاب إشارة إلى بعده وعلو مرتبته.

6ـ والقرآن يستعمل (هذا) لكن في مواطن، كقوله تعالى: { إِنَّ هَٰذَا ٱلقُرءَانَ يَهدِي لِلَّتِي هِيَ أَقوَمُ} فعندما قال: { يَهدِي لِلَّتِي هِيَ أَقوَمُ} يجب أنْ يكون قريباً حتى نهتدي به، لكن لمّا قال: {ذَٰلِكَ ٱلكِتَٰبُ} ، أي هو عالٍ بعيد، لا يُستطاع أنْ يؤتى بمثله. 

7ـ ثم إنّ الله تعالى لم يذكر القرآن إلا بـ(هذا) ولم يقل (ذلك)، وكلما أراد أن يشير إلى القرآن يشير بـ (هذا)؛ لأنّ القرآن من القراءة وهو مصدر فعل قرأ وكلمة قرآن أصلاً مصدر، فالفعل ( قرأ) له مصدران (قراءة وقرآناً)، وعندما تريد أنْ تقرأ تقرأ القريب , إذن هذا هو القرآن, بينما الكتاب بعيد وهو في اللوح المحفوظ ويسمى كتاباً.

شواهد قرآنية :

- {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلقُرءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ} الأنعام 19

- {وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلقُرءَانُ أَن يُفتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ}يونس ٣٧ 

  • {نَحنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحسَنَ ٱلقَصَصِ بِمَا أَوحَينَا إِلَيكَ هَٰذَا ٱلقُرءَانَ} يوسف ٣ - { قُل لَّئِنِ ٱجتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأتُواْ بِمِثلِ هَٰذَا ٱلقُرءَانِ لَا يَأتُونَ بِمِثلِهِۦ} الإِسرَاء 88

والسبب في ذلك أنّ القرآن من القراءة وهو مصدر فعل ( قرأ ) ولما تقرأ تقرأ القريب , أمّا الكتاب فبعيد وليس قراءة وهو في اللوح المحفوظ يسمى كتاباً , فالكتاب فيه بُعد التصور , أمّا القرآن فيكون قريباً حتى يقرأ.

ولذا ربنا تعالى يستعمل مع كلمة الكتاب أنزلنا ، كقوله تعالى { وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلنَٰهُ مُبَارَك} دلالة إلى أنه نزل من مكان عالٍ من اللوح المحفوظ.

وقوله تعالى في تحديه للناس في الإتيان بمثله { فَإِن لَّم تَفعَلُواْ وَلَن تَفعَلُواْ} البَقَرَة دلالة على أنه بعيد عليكم .

لذلك اسم الإشارة (ذلك) يدل على علو منزلته .

8- و باختصار هناك فرق بين الكتاب والقرآن؛ فالكتاب فيه بُعدٌ مُتَصوّر, أما القرآن فيكون قريباً حتى يُقرأ.

وقوله تعالى في أول البقرة {ذَٰلِكَ ٱلكِتَٰبُ} يدل على بُعده وعلو منزلته , وكونه بعيداً يجعل من المستحيل أنْ يؤتى بمثله؛ لذلك قال الله في السورة نفسها: { فَإِن لَّم تَفعَلُواْ وَلَن تَفعَلُواْ } يعني بعيد عليكم فاسم الإشارة{ذلك} دل على علوِّهِ منزلة.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا