الأحد 18 ربيع الثاني 1441 - 15 ديسمبر 2019

الأمة القوية العظيمة والأمة الهيّنة الضعيفة

الأحد 17 ذو الحجة 1440 - 18 أغسطس 2019 100 مجاهد ديرانية
الأمة القوية العظيمة والأمة الهيّنة الضعيفة

لقد ألِفنا الشكوى والبكاء حتى صرنا أمة من الشكّائين البَكّائين، نصرّم أعمارنا ونحن نبكي حالنا ونشكو ضعفنا وتخلّفنا وهواننا على الأمم. ولعلنا نجد في الشكوى والبكاء بعضَ عزاء، ولكنّ ألفَ قصيدة رثاء على قبر الميت لا ترده إلى الحياة، وبراميلَ من الدمع على سرير المريض لا تشفيه من الداء.

فبدلاً من بكاء لا يفيد إلا تبليل الوسائد في الليل واستهلاك المناديل في النهار انظر إلى نفسك واسأل: ماذا أنا؟ أين أنا من الحالة التي أتمناها لأمّتي؟

* * *

جوهر المشكلة هو أن كل واحد فينا ينظر إلى الأمة على أنها كيان جامد منفصل عن ذاته، كما ينظر السائح إلى الجبل الشاهق والمسافرُ إلى البحر المحيط. لكن الجبل الهائل ليس سوى ملايين وملايين من حبات التراب والبحر الواسع ليس إلا ملايين وملايين من قطرات الماء. والأمة ما هي؟ إنما هي ملايين وملايين من أفراد الناس.

أرأيت إلى البحر المالح تعاف ماءه والنهر العذب تغرف منه وتشرب؟ الأول هو اجتماع ملايين وملايين من القطرات المالحة والثاني هو اجتماع ملايين وملايين من القطرات العذبة. بمُلوحة كل قطرة من قطرات البحر صار البحر مالحاً أجاجاً، وبعُذوبة كل قطرة من قطرات النهر صار النهر عذباً سائغاً للشاربين.

وكذلك الأمة يا صديقي؛ هي أنت وأنا وهو وهي وهم وهُنّ والآخرون جميعاً والأُخرَيات. فمليون وملايين من الضعفاء يصنعون أمة ضعيفة ومليون وملايين من الأقوياء يصنعون أمة قوية، وقل مثل ذلك في العلم والوعي والثقافة والنظافة والتهذيب والتسامح والأمانة والإتقان وما شئت من صفات.

* * *

فأيّما صفة أردتها في أمتك فحققها في نفسك أولاً، ولا تيأس إذا لم تقطف ثمرة معجَّلة، فلا بد أن يتأثر بك غيرُك وغيرُكما بكما وآخرون بالأوّلين، فينتشر الخيرُ الذي تريد ولو طال الزمان.

لو أردت أن تصبح الأمة صالحة واعية فاعلة فلا تنتظر غيرك ليصبح كذلك، بل ابدأ بنفسك فكن صالحاً واعياً فاعلاً، وسوف تنتقل هذه الصفات بالعدوى إلى مَن تتعامل معهم وتؤثر فيهم من الأقربين، وهؤلاء سيُعْدون غيرهم مع الوقت، فتبدأ بُقَعٌ صغيرة من الضوء بالانتشار ويبدأ الظلام الطاغي الذي نعيش فيه منذ دهر بالانحسار. أمَا قالوا إن إضاءة شمعة صغيرة خيرٌ من هجاء الظلام ألف عام؟

ولا تستهِنْ بذرة من خير تبذله في هذا السبيل، فميزان الله يقيس الذرة وما دونها ويجزي بها: {فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يَرَه}، فإن لم تجد ثمرة عملك في الدنيا وجدتها في صحيفتك يوم الحساب.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا