الأحد 18 ربيع الثاني 1441 - 15 ديسمبر 2019

محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم نموذج كامل للحضارة الراقية (2)

السبت 16 ذو الحجة 1440 - 17 أغسطس 2019 122 عبد الحليم عويس
محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم نموذج كامل للحضارة الراقية (2)

هذا النبي (عليه الصلاة والسلام) حضارة كاملة راقية:

الإنسان - أي إنسان ممتاز - تجتمع فيه بعض صفات السِّمو، وبالتأكيد لا يوجد ذلك الإنسان الذي تجتمع فيه كل صفات السِّمو إلَّا محمداً عليه الصلاة والسلام. 

- وأنت وأنا قد نقتدي بإنسان في سلوك، ولا يَضيرنا ولا يَضيره أن نخالفه في سلوك آخر فهذا تحقيق للذات.. إلا محمداً عليه الصلاة والسلام...

- ويقولون: إنَّ خيوطاً رفيعة تفصل بين العبقرية والجنون، وبين الشجاعة والتهور، وبين البخل والتنظيم، وبين الكرم والإسراف، ممَّا من شأنه أن يُربك سلوك كثير من الناس ويجعلهم يتأرجحون يميناً ويساراً، (إلَّا محمداً عليه الصلاة والسلام). 

- والمرء قد يكون سياسياً ماهراً فتدفعه السياسة إلى التنكر لأصدقائه، وقد يكون تاجراً ناجحاً فتدفعه التجارة إلى الكذب والغش، وقد يكون زوجاً ناجحاً فيخضع في تبعية وذلٍّ لمن يحب. وقد.... وقد... وقد... (إلا محمداً عليه الصلاة والسلام). 

- وكما نعرف من حياة الأنبياء السابقين والمصلحين الكبار فإنك قد تجد في حياتهم أسوتك في أمور العبادات. ولكنك لا تجدها في أمور المعاملات، وأنت واجدها بالتأكيد في أمور العقيدة، لكنك لا تجدها في أمور الأحوال الشخصيَّة كزوج وكأب، أو في أمور الحياة الاجتماعية، كرجل يتعامل مع الناس تعاملاً بشرياً يومياً. وقد.. وقد.. (إلا محمداً عليه الصلاة والسلام). 

- وبروز الإنسان في بعض القيم الفاضلة قد يجرُّه إلى النقص في فضائل أخرى... فالشجاعة قد تدفع إلى الغرور، والكرم قد يدفع إلى طلب الفخر والذكرِ الحسن، وكثرة العبادة قد تدفع إلى الرياء أو الشعور بالكمال... وهكذا. إلا محمداً عليه الصلاة والسلام. 

- والعابِد قد تكون عبادته على حساب بيته أو مجتمعه. 

- والعَالِم قد يكون طلبه العلم على حساب أسرته أو على حساب القيم الإنسانيِّة نفسها، والسياسي قد يظن نفسه ملكاً للأمة وليس للزوجة أو العيال، أو الأصدقاء (إلا محمداً عليه الصلاة والسلام). 

في ظلال النبي صلى الله عليه وسلم... النبي الحضارة الكاملة الراقية «النموذج» في ظلال النبي... وجدت على نحو فريد، الحضارة المتوازنة البشرية السماوية الواقعية.

وفي ظلاله عليه الصلاة والسلام وجِدَ الإنسان النموذج الذي وجِدت فيه كل الفضائل حياتها وتماسكها وانسجامها.. الشجاعة.. الصبر.. العمل.. الحق.. الواجب.. الوفاء.. العدل.. الرحمة.. القناعة.. الكرم.. العفو.. الرفق.. التواضع.. الصدق.. الأمانة.. العفة.. الحكمة.. العقل.. الرجولة.. الرقة !!

***

أجل... اذهب إلى ظلاله عليه الصلاة والسلام كما يذهب الهارب من جحيم المادية والهبوط وقلِّب صفحات حياته النديَّة.. وسوف تجد لكل خُلق من هذه الأخلاق نصيباً كبيراً لدرجة قد تطلق معها أنَّه عليه الصلاة والسلام كان مُبتعثاً لنشر هذا الخُلق وحده وتثبيت دعائمه وحسب. 

لكنك إن ذهبت إلى خُلق آخر فسوف تجد أنَّ ما هو موجود في الخُلق الأول موجود نفسه في الخُلق الثاني... وهكذا.. 

إنَّ أهل مكة الكفار... كانوا يسمونه «الصادق» و«الأمين» فكأنَّ هاتين الصفتين محصورتان وقاصرتان ومضافتان الى اسمه الأصلي «محمد». والمسلم الذي يطالع الآن صفحات النبوَّة يَجِد أنَّ كل خُلق من الأخلاق المذكورة آنفاً يُمكن أن يطلق عليه صلى الله عليه وسلم بنفس التحديد، أي كأنَّه صفة قاصرة عليه صلى الله عليه وسلم. بديل عن اسمه الكريم، فكما قال الكفار عنه الصادق والأمين، يقول المسلم: الصابر، الوفي، الكريم، الرفيق.. الرحيم...... 

وهذه الأخلاق أصيلة في ظلاله العالية.. إنها ليست قابلة للتغيير ولا للتأثير.. إنها فوق التغيرات والمؤثرات الخارجية.. وإنَّ كل صفة منها توضع في مكانها السليم.

وكل هذه الصفات انتظمت حياته صلى الله عليه وآله وسلم على الرغم من كل تقلباتها: 

فمحمد المطارد المحارب في مكة... هذه صفاته. 

ومحمد الذي يعامل النفاق واليهود في المدينة... هذه صفاته. 

ومحمد الفقير...... محمد الغني... هذه صفاته. 

محمد الرئيس.. محمد المحارب... هذه صفاته. 

محمد الأب... الزوج... السيد... الراعي... هذه صفاته. 

محمد القائد النبي الإنسان... هذه صفاته. 

وهكذا... تمتد ظلاله الكريمة صلى الله عليه وسلم على امتداد حياته كلها بلا تكلف أو رياء... أو قصور... أو اختلال... 

إنَّها صفات أصيلة... تبدو وكأنها بعضه، بعض دمه الذكي وبعض أنفاسه العالية... عليه الصلاة والسلام.

موكب الحضارة... في ظلال النبي

الماضي في ظلال النبي ليس عبثا...

إنَّه المسيرة البشرية بكل ألوانها... وأمراضها وعلى الطبيب الأخير (عليه الصلاة والسلام) أن يستفيد من التجارب السابقة. 

والماضي ليس تفصيلات فارغة يضيع معها الحاضر.. وآفاق المستقبل.. بل إنَّه رؤية تركيبية كُليَّة تهدف إلى إعطاء المضمون الأخير الذي تتمثل فيه العبرة حتى تعرف أمَّته كيف تُنهض الأمم.. وتعرف أيضاُ: كيف تُسقط الأمم. 

إنَّ الماضي ليس نفياً كله وليس مقدساً كله... إنَّه في ظلال النبوة خليط يكشف المرض والصحة... والصعود والهبوط... وعلينا أن نختار.

والخير والحق والجمال في الماضي... هي من دعائم دعوته صلى الله عليه وسلم بل إنَّ دعوته عليه الصلاة والسلام امتداد لهذا الماضي النبويِّ الحافل... إنَّه حارس هذه القيم عليه الصلاة والسلام بصرف النظر عن ماضيتها أو عن حاضريتها أو مستقبلها.

إنَّ القيم لا علاقة لها بنسبية الزمان... إنها حاكمة الزمان... وحامية حركته وليست ذيلاً تابعاً للأهواء المريضة والفلسفات المغرضة وتقلبات ما يسمى بالتقدم والتخلف. 

هذا هو الماضي في ظلال الحضارة النبويَّة الكاملة. أما الحاضر فهو الواقع المعاش... هو الحركة اليومية التي لا حارس لها إلا ما رسمه منهج القرآن.. وما صورته ظلال النبي عليه الصلاة والسلام.

إن الحاضر حلقة متَّصلة بالماضي... تهيئ للمستقبل فهو ليس مَبتوراً عن واجبات الماضي مُتخلياً عنها، وهو ليس انطلاقة عابرة مجنونة تسحق إنسان الحاضر باسم الجري وراء المستقبل. 

وللحاضر دوره وحقَّه في ظل قوانين الله تعالى، وفي رعاية الأخلاقيات اللائقة بحقِّ الإنسان وكرامة الإنسان. 

واذا كان الحق والخير والجمال محترماً في الماضي، فلابدَّ من باب أولى أن يعيش في الحاضر، وأن تزدهر أزهاره في كل ركن من أركان الحياة... مادة ومعنى، أفراداً ومجتمعات من غير انفصال عن «عبرة الماضي» أو «حق المستقبل». والمستقبل له حقُّه في ظلال النبي عليه الصلاة والسلام. 

المستقبل القريب.. والبعيد معاً.. 

ومن المعجزات الخارقة لهذا النبيِّ الأمي الذي لم يَدرس في معهد تخطيط أو إحصاء، أو يتدرَّب في مَرصد من مراصد تنبؤات السياسة... أو التاريخ... من معجزاته أن كل ما تنبأ به كان صدقاً، وكان حقاً حتى كأنه يتكلم كلماته لرسم واقعي للمستقبل... لا زيادة فيه. وكلماته في ذلك كثيرة.. 

حديثه عليه الصلاة والسلام عن أمته التي تشبه القصعة والتي يوشك أن يتداعى عليها الأعداء بينما المسلمون كثير يشبهون السيل. 

ألست ترى الحديث أصدق صورة لما نحن عليه اليوم من انتفاضة روسيا واسرائيل وأمريكا وأوربا على أرضنا وبترولنا !

وأليست هذه الصورة قد صدقت على المسلمين حين اقتسمت بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وهولندا - العالم الاسلامي في القرنين التاسع عشر والعشرين! 

وحديثه الآخر في مدى تبعية المسلمين لليهود والنصاري: «لتركبن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب خرب لدخلتموه... قالوا: اليهود والنصاري يا رسول الله؟ قال: فمن إذن؟ (أي فمن غيرهم). رواه البخاري ومسلم. 

- ألا ترانا الآن نعيش صورة هذا الحديث.. أذيالاً لليهود والنصارى حتى في ملابسنا وتسريحات شعرنا وتعلمنا الدراسات العربية والإسلامية !

- وحديثه صلى الله عليه وسلم الآخر عن «الفتن» حين قال لأصحابه: «هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر» رواه البخاري ومسلم «فكانت» الفتنة الكبرى. ثم كانت عشرات من الفتن الكبرى بين المسلمين بعد ذلك !

- وحديثه صلى الله عليه وآله وسلم عن فتنة النساء بعده على الرجال 

- وحديثه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ الله تعالى جعل بأس أمته بينها 

- وحديثه صلى الله عليه وآله وسلم في الخندق عن خضوع كنوز كسرى وقيصر للمسلمين 

- وحديثه صلى الله عليه وآله وسلم عن الأمن الذي يمشي في ظله الرجل من مكة إلى صنعاء لا يخشى إلا الذئب ..

ونترك هنا معجزاته المستقبلة الفردية التي تتعلق بأفراد كموت عمار بن ياسر رضي الله عنه على يد الفئة الباغية! وموت أبي ذر رضي الله عنه وحده (في الربذة) وموت «قزمان » الشجاع على النفاق، وإخباره صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ فاطمة رضي الله عنها أول أهله لحوقاً به إلى الرفيق الأعلى، وإخباره - للمسلمين وهو في الثالثة والستين فقط ولمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين ذهب إلى اليمن... بأنه قد لا يلقاه بعد عامه هذا ... وبأنَّه قد يمر بمسجده وقبره معاً. وحديثه عن قتال المسلمين لليهود... قبل قيام الساعة! 

وحديثه عن الفتن التي تأتي كقطع الليل المظلم: يصبح الرجلُ مؤمناً ويمسي كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا.. «بوزارة أو امرأة أو غير ذلك». 

لقد عمدنا إلى الإطناب بعض الشيء في ذكر كلمات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المستقبلية، وكيف أنها كانت عين الصدق... لنكشف حقيقة رجال المادية الجدلية اليهودية (مسيلمة العصر الحديث) كارل ماركس... فإنَّ جميع فتاواه التاريخية المستقبلية التي سماها أذياله «تنبؤات حتمية ... كانت كاذبة!» 

وبعد نصف قرن فقط من فتاواه ركعت الشيوعية كبلد فقير أمام الرأسمالية القوية التي تنبأ ماركس بسقوطها ... ولم يسقط أي مجتمع رأس مالي، زعم ماركس أنه سيكون ملجأ الماركسية لكن على العكس آل أمر المجتمعات الشيوعية إلى الحضيض.. 

إنسانياً.... ومادياً ... وفكرياً!

لكن النبي الأميَّ (الصادق الأمين) صلى الله عليه وآله وسلم الذي خرج في مكة قبل أربعة عشر قرناً من ظهور عصر العلم والتكنولوجيا.. 

هذا النبي... صادق لا يكذب وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علَّمه شديد القوی...

فكل كلمة من كلماته صلى الله عليه وآله وسلم قبس من نور الحقيقة الإلهية المهيمنة على التاريخ البشري كله: 

المهيمنة على الماضي بنفي الخبيث وإتمام مسيرة الحق والخير والجمال! والمهيمنة على الحاضر، بتحقيق خلافة الله تعالى في الأرض، واستمرار مسيرة الحق والخير والجمال. 

والمهيمنة على المستقبل، برسم صورته العامة التي تتحرَّك وفق قوانين الله تعالى، والتي تساعد قافلة الإنسان على السير أيضا في طريق الحق والخير والجمال!

[يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(26) وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا(27) ]. {النساء}

وعلى محمد العربي الهاشمي - النموذج الكامل للحضارة - سلام الله ورحمته وبركاته.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

المصدر: مجلة الوعي الإسلامي، السنة السادسة عشرة، محرم 1400 - العدد 181

الحلقة السابقة هـــنا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا