السبت 20 صفر 1441 - 19 أكتوبر 2019

دور الحجِّ في بناء المجتمع

الخميس 7 ذو الحجة 1440 - 8 أغسطس 2019 152 موفَّق شيخ إبراهيم
دور الحجِّ في بناء المجتمع

مقدمة: 

الحمد لله وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، وبعد:

أحمده سبحانه وتعالى ثانيةً، أن أتمَّ علينا النعمة، وأكمل لنا الدين، وارتضى لنا الإسلام ديناً، وجعل لهذا الدين أركاناً يقوم عليها، من ترك ركناً منها فقد هدم دينه، وعصى ربَّه جلَّ وعلا، ومن هذه الأركان حجُّ البيت الحرام الذي جعله الله للناس قياماً، فيجتمع فيه المسلمون من كل فجٍّ عميقٍ، ويلبُّون دعوة ربهم فتتنزَّل عليهم السكينة، وتغشاهم الرحمة، وتحفُّهم الملائكة، ويذكرهم الله فيمن عنده؛ بل ويباهي بهم ملائكته.

ولأهمية هذه الفريضة على جميع الأصعدة، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:" لقد هممت أن أنظر من استطاع الحجَّ فلم يحجَّ فأضع عليهم الجزية، ما هم عندي بمسلمين!".

دوره في بناء الأمَّة: 

ولهذه الفريضة المعتبرة دورٌ ملحوظٌ وفاعلٌ في بناء الأمة، وذلك من جوانب عديدة، ففيه يلبس الحاجُّ إزاراً ورداءً أبيضين، فيجتمع المسلمون من جميع أقطار الأرض في مكان واحد، يلبسون زيَّاً واحداً، يعبدون ربَّاً واحداً، لا فرق بين رئيس أو مرؤوس، وغنيٍّ أو فقيرٍ، أو أبيض أو أسود، الكلُّ خلق الله وعباده، لا فضل لمسلم على مسلم إلا بالتقوى والعمل الصالح.

فيحصل للمسلمين التعاون والتعارف، ويتذكرون يوم يبعثهم الله جميعاً، ويحشرهم في صعيد واحد للحساب، فيستعدون بطاعة الله تعالى لما بعد الموت.

وفيه أيضاً تأتلف مصالح المسلمين، وتجتمع منافعهم وتتجدَّد الروابط بينهم، وتصدق العزائم عند اللقاء الكريم، لقاء الأخ بأخيه في رحاب البلد الأمين، وذلك ما تشير إليه الآية الكريمة التي يخاطب الله بها خليله إمام الحنفاء حين بنى البيت المعظَّم، قال تعالى: 

{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج:27] 

يتجدَّد موسم الحج في حياة الأمَّة الإسلامية كل عام منذ فرض الله تعالى فريضة الحج على المسلمين إلى قيام الساعة، ومن قبل ذلك منذ أمر تعالى نبيَّه إبراهيم عليه السلام أن يؤذِّن في الناس بالحج.

وأمَّة الإسلام هي أمَّة الحج، فإذا كان الحجُّ فريضة على المسلم المستطيع من استطاع إليه سبيلاً مرَّة في العمر، فإنه فريضة سنوية على الأمَّة في مجموعها العام، فهي أمَّة تحجُّ كل عام.

وموسم الحجِّ هو مؤتمر المسلمين الشعبي الأول، ولعله المؤتمر الشعبي العالمي الأوحد، الذي يتكرَّر بنفس العدد وحجم التجمع وكيفية اللقاء وقدسيته، وهو مؤتمر شعبيٌ حقيقيٌّ حاشد تُخرج فيه الشعوب سفراءها، لتتلاقى وتجتمع وتتعارف وتتآخى، قال تعالى:

{وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا } [الحجرات:13] 

فتُخرج له الشعوب من كل ألف نسمة فرداً واحداً على المستوى الرسمي المسموح به، بينما يتضاعف هذا الرقم مرة على الأقل عند الحصر الفعليِّ لعدد الحجاج السنويِّ.

وهو مؤتمر عالمي موسَّع لا يقتصر على إقليمٍ جغرافيٍّ دون إقليم أو قارَّة دون قارَّة، يحضره سفراء الشعوب من كل قارَّات العالم ودوله، ويمتد التمثيل الشعبي فيه ما امتدَّت رقعة الإسلام في كلِّ بقاع الأرض.

فليس الحجُّ عبادة فردية يخرج فيها كل مسلم متجرِّداً إلى ربه يؤدي المناسك ثم يعود من حيث أتى، ولكنه عبادة جماعية واجتماعية كبرى ومناسبة ضخمة للتجمُّع.

ولعل هذا الاجتماع الفريد المتجدِّد يُعدُّ واحداً من تلك المنافع الكبرى للحجِّ التي ذكرها المولى عزوجل في قوله سبحانه:

{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ } [الحج:27]

لتشمل كلَّ منفعة كبرى تعود على الأمَّة وعلى الحجَّاج فرادى وجماعات.

وممَّا يتعيَّن علينا معرفته أن في الحجِّ أنواعاً من صور الولاء للمؤمنين، حيث الحجُّ مدرسة لتعليم السخاء والإنفاق وبذل المعروف أياً كان، سواءً أكان تعليم جاهل أو هداية تائه أو إطعام جائع أو إرواء غليل أو مساعدة ملهوف.

وفيه أيضاً ترسيخ لعقيدة البراء من المشركين ومخالفتهم، يقول ابن قيِّم الجوزية رحمه الله:" استقرَّت الشريعة على قصد مخالفة المشركين لا سيما في المناسك ".

ولقد أفاض الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من عرفات بعد غروب الشمس مخالفاً أهل الشرك الذين يدفعون قبل غروبها، ولما كان أهل الشرك يدفعون من المشعر الحرام بعد طلوع الشمس، خالفهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأبطل النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عوائد الجاهلية ورسومها، كما في خطبته في حجَّة الوداع حيث قال:" كلُّ شيءٍ من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ".

ويُعدُّ هذا التميُّز ضرباً من استقلالية الشخصية المسلمة ومقدمة لها في استشعار العزَّة الإيمانية والحفاظ على الهوية، وهذا يسهم في بناء الأمَّة المسلمة بناء سليماً، بعيداً عن التقليد الأعمى والشعور بالهزيمة النفسية لأفرادها. 

وفي أداء هذه الفريضة تتربَّى الأمَّة على إنفاق المال، وبذل الغالي والنفيس للهجرة إلى الله وترك حطام الدنيا وراءه ظهرياً.

وإذا أمعنَّا النظر في سياق آيات الحجِّ في سورة الحجِّ، وبعد بيان مناسكه وفضله، وتعظيم شعائر الله تعالى، يقول الله تبارك وتعالى:

{إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ(38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ(39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(40)}. [الحج]. 

فإنا نلاحظ كيف يلتقي الحجُّ بالجهاد في سبيل الله تعالى، فهو مدرسة من مدارس الجهاد، والجهاد ذروة سنام الإسلام، و" ما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ذلُّوا "، كما ورد في البيان النبويِّ الأغرِّ الناصع.

إن الحجَّ يذكِّر هذه الأمَّة بالجهاد ويعلمها إيَّاه من خلال عدد من الأمور، أولها مشقَّة السفر إلى مكَّة، فهو شبيه بسفر المجاهدين في سبيل الله تعالى، وإن الرجل ليودِّع أهله، وهو لا يدري هل يرجع إليهم أم لا، خاصَّة إذا كان من بلاد نائية.

وثانيها السكنُ في المشاعر، إذا نظرت إليه وجدته شبيهاً بمعسكرات المجاهدين.

أما ثالثها فهو تنقُّل وتحرُّك الحجَّاج من مكَّة ومن كل صوب إلى منى، ثم من منى إلى عرفات، ثم من عرفات إلى المزدلفة، ثم إلى منى مرة أخرى، في أوقات محدَّدة منضبطة، وكأنها تنقلات جيوش مجاهدة في سبيل الله تعالى.

إن الحجَّ مدرسة جهادية تعلِّم المؤمنين وتعلِّم الأمَّة كلها، كيف تنقل نفسها من عاداتها المألوفة، ومن ترفها، ومن دنياها، ومن مناصبها، ومن جاهها، وتنخلع من ذلك كلِّه لتلحق بركب المجاهدين في سبيل الله .

وهذه المعاني الثرَّة الفيَّاضة تجعل ظاهرة التأثير الإسلامي قويَّةً على غير المسلمين، يقول "مالكولم إيكس" في رسالة مشهورة بعثها أثناء حجَّه بمكَّة المكرَّمة إلى بعض أقربائه ومعارفه قال فيها:" لم أعرف أبداً في حياتي ضيافة في مثل هذا الصدق والأخوة، وفيما تبعثه من العواطف العميقة كلقاء الرجال والنساء من جميع الأجناس المجتمعين على هذه الأرض القديمة المقدَّسة، موطن إبراهيم ومحمَّد عليهما السلام، الذين ورد ذكرهما في القرآن الكريم. إن أمريكا بحاجة إلى أن تفهم الإسلام، لأنه هو الدين الوحيد الذي لا يعرف التمييز العنصري ".

ومن ناحية أخرى فثمَّة تناغمٌ بين التوحيد والوحدة، فموسم الحجِّ ومؤتمره الحاشد الجامع مناسبة مركَّزة لإعلان التوحيد، هو موسم التوحيد الخالص شعاره الخالد:

لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، موسم تلتقي فيه الأرض قاطبة على التوحيد عبر ممثليها المحتشدين بالمشاعر المقدَّسة، وعبر ذويهم المعلَّقة قلوبهم بتلك المشاعر، وبإخوانهم الذين سبقوهم إليها.

ما أروعه من موسم وما أجملها من أيام تلك التي تنطلق فيها الألسنة من جميع أنحاء المعمورة، تعلن كلمة التوحيد، وترتبط فيها القلوب بإلهٍ واحدٍ، وتتطلَّع فيها العيون إلى السماوات العلى.

ومن الطبيعيِّ أن يكون موسم التوحيد الخالص هذا موسم التوحُّد محققاً للمعادلة القرآنية: 

{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:92] 

لقد ربط الله تعالى بين وحدانيته وبين وحدة الأمة، فالأمَّة المسلمة أمَّة واحدة، عمادها الأول توحيد الربِّ تعالى وإفراده بالعبادة، أمَّة تجتمع على أسمى معنىً تلتقي عليه الإنسانية، بل يلتقي عليه أقطاب الكون جميعاً من ملائكة وجنٍّ وإنس ودوابٍّ وشجر وحجر، وهو معنى توحيد الله وإفراده بالعبادة:

{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء:44] هي أمًّةٌ يجب أن توحدها عظمة الغاية وشرفها، امتثالاً لأمره تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103] 

وأن تحقِّق معنى الأخوة الإنسانية الإسلامية تحقيقاً لقوله تعالى: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]

والوحدة والأخوة الإسلامية العالمية تتجلَّى في أبرز صورها وأعظم مظاهرها في فريضة الحج.

وقد حقَّقت الأمة وحدتها العاطفية فكيف تحقق وحدتها المرجعية؟

لقد تحقَّقت لأمة الإسلام وحدتها العاطفية وأخوتها الإسلامية، حقَّقها لها المولى عزَّ وجل دون جهد منها ولا مشَّقة، فهل تستفيد الأمة من النعمة الربانية الكبرى؟ وتنطلق من الوحدة العقائدية والوحدة العاطفية إلى وحدة المرجعية؟

وحدة المرجعية التي نقصدها أن تتوحَّد الأمَّة في أهدافها العليا وغاياتها الكبرى وإطارها العام، بحيث يؤمن الناظر إلى الأمَّة المسلمة على اختلاف حدودها وامتداد جغرافيتها، أنه أمام أمَّةٍ واحدةٍ في القصد والهدف والتوجُّه والمصير والمصلحة، لا يمكن ضرب وحدتها ولا تضادَّ مصالحها ولا اختلاف منهج التلقي الأول لديها ولا تحويل أصولها وثوابتها ولا ضرب بعضها ببعض، لأنها تسير في مسار واحد نحو هدف واحد وإن تعدَّدت السبل وكثرت المنافذ واختلفت الوسائل.

ووحدة المرجعية هي المقدمة الطبيعية للوحدة السياسية والخلافة العالمية. لقد ضعفت الدولة العباسية لما انتشرت فيها الدعوة الشعوبية فكانت من أسباب انهيارها وسقوطها، ولا تستطيع الأمَّة الإسلامية أن تحقق وحدة الدولة والكيان، تحت راية واحدة قبل أن تحقِّق وحدة الهدف ووحدة المصير ووحدة الشعور ووحدة الاقتصاد ووحدة الشعوب ووحدة المصالح.

ويوم تحقِّق الأمة وحدتها الفكرية ورباطها القائم بوحدة العقيدة والشعور، تستطيع أن تحقق بذلك عودة الخلافة الفكرية والاجتماعية للأمَّة، وبالتالي أستاذية العالم وهي خلافة أهم وأعمق بكثير من الخلافة السياسية الرمزية التي ترمز في النهاية إلى وحدة الكيان الإسلامي.

وهو دور تستطيع أن تنجزه الأمة من خلال شعوبها وعلمائها وكوادرها الفاعلة في مختلف المجالات، وإن اختلفت أهواء الساسة ومشاربهم. وليس هناك مناسبة أضخم من موسم الحجِّ لتحقيق هذا الأمل، فالأمَّة باعتبارها الكيان المدني الذي يقابل السلطة أو ما يعرف في العصر الحديث بمصطلح مؤسَّسات المجتمع المدني، هي وحدها المؤهَّلة للقيام بهذا الدور.

هناك ملمح آخر مهمٌّ من ملامح فريضة الحج، وهو أن يعذر بعضهم بعضاً فيما تباينوا فيه أو اختلفوا فيما دون الأصول والثوابت المقرَّرة شرعاً. كان هذا الأمر واضحاً جداً في فقه النبيِّ محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم في الحجِّ، فلقد كان فقهه صلى الله عليه وآله وسلم أن يوسِّع ضيِّقاً، لا أن يضيِّق واسعاً، حتى يمكن أن نتخذ شعاراً فقهياً في الحج " التوسيع والتيسير على المسلمين " ومن دلائل ذلك من هديه صلى الله عليه وآله وسلم:

* ما سئل صلى الله عليه وآله وسلم عن شيء قُدِّم أو أُخِّر من المناسك إلا قال: افعل ولا حرج.

* لما وقف وظهره للصخرات بعرَفَة قال: وقفت ها هنا وعرفة كلُّها موقف.

* اختلاف أنواع الإحرام نفسها بين التمتع والقران والإفراد دلالة على هذه التوسعة وهذا التيسير.

والتماس العذر للناس بعضهم بعضاً هو أحد أعمدة وحدة المرجعية العامَّة، مع ترك التفاصيل الدقيقة لظروف كل مجموعة وطبيعتها والمؤثرات التي تؤثِّر عليها.

ثم إننا نلحظ مظهراً بارزاً من مظاهر سفراء الشعوب المسلمة في الحجِّ، وهو إفراز طبيعي لامتداد دين الإسلام رقعة وانتشاراً، وقبول هذا التعدُّد والتنوع الثقافي ركيزة أساسية من ركائز تحقيق وحدة المرجعية، عندما يؤمن كلُّ شعبٍ إيماناً جازماً أنه غير مطالب بالتنازل عن تفاصيل حياته اليومية، وعن خصوصيته الثقافية لتحقيق الانصهار في بوتقة وحدة الإسلام العالمية، وإنما يترك له الإسلام مساحة واسعة من الحفاظ على الإرث الثقافي فيترك له لغته ولسانه الذي ولد به، ولهجته التي درج عليها، وطريقته في المأكل والمشرب والملبس، ووسائله وأدواته الخاصَّة في الحياة، ما لم يتعارض كلُّ ذلك مع المبادئ والآداب الإسلامية، ويبقى الإسلام الإطار العام الذي يؤطر حياته كلها.

إن أكبر معوِّقات الوحدة النفسية عند الشعوب، هي شعور الشعوب بأنها خاضعة لثقافة الفئة المنتصرة أو الغالبة، وأنها منصاعةٌ لتلك الثقافة البيئية لا للدين، أي الخضوع لأعراف أرضية لا لقوانين سماوية، والإسلام لم يفرض على الناس لغة قريش ولا لهجتها ولا طرائق معيشتها، لأنه نزل على نبيٍّ عربيٍّ قرشي. لقد راعى الإسلام الفوارق الثقافية والتنوع البيئي بين الشعوب فتعدَّدت قراءات القرآن الكريم أقدس كتاب في حياة البشر بتعدُّد اللهجات العربية الكبرى، وعندما تحرَّك المسلمون الأوائل للفتح الإسلامي المبارك لم يصدِّروا ثقافاتهم البيئية، ولم يفرضوها على الشعوب فرضاً، ولم يعمدوا إلى عولمة ثقافية، يُخضعِون لها الشعوب، لاغين إرث كل شعب وتراثه.

ومن هنا نرى الناطقين بالعربية لا يتجاوزون ربع تعداد المسلمين في عالم اليوم، رغم مكانة اللغة العربية وفضلها كونها لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والعلوم الإسلامية المرتبطة بهما.

لم يفرض الإسلام على الناس تغيير لغتهم، وهي الوعاء الثقافي الأهمُّ في حياة الناس، فهل يفرض على الناس ما دون ذلك من عادات وتقاليد بيئية في المأكل والمشرب والملبس!.

هذا التنوع وتلك التعددية الثقافية والبيئية، هي التي تعطي لأمَّة الإسلام زخمها وقوتها وحيويتها، وهما صمام أمان لوحدة مرجعية إسلامية كبرى تتجاوز التفاصيل وتركِّز على الأصول الثابتة.

فهل تعي الأمَّة واحداً من أهمِّ دروس فريضة الحجِّ الكبرى، فتسعى لتوحيد مرجعيتها كما يحقق حجَّاج بيت الله أخوتهم الإسلامية في الحج؟.

وثمَّة عوامل ووسائل وسبلٌ ومناراتٌ على الطريق تسهم بشكلٍ أو بآخر، في توفير هامشٍ لتحقيق الغاية والهدف المنشود من وراء استثمار فريضة الحجِّ كي ما تأخذ دورها في بناء الأمَّة، من مثل تنشيط مكاتب الحجِّ في بلدان شتَّى من أنحاء المعمورة، القريبة والبعيدة، فإن أجواء هذه الرحلة الربانيِّة مهيأة للأخذ والعطاء، كما ينبغي أن يُزوَّد الحجَّاج بأشرطة الفيديو، المشتملة على شرح بعض الموضوعات الإسلامية، وبعض المحاضرات والندوات أو المؤتمرات، التي تشرح الرسائل المراد إيصالها لآحاد الأمة من خلال هذه الشعيرة العظيمة، لما في ذلك من تشويق المسلمين وتحريك عواطفهم نحو الإسلام، وتعريف غير المسلمين بذلك.

ومنها أيضاً إقامة خيمة دعوية في موسم الحجِّ، في مشاعر (منى) مثلاً تُخصَّص للدعوة إلى الله وتوعية الحجاج القادمين من أطراف الكرة الأرضية.

يقوم مكتب الدعوة المشرف عليها بالتنسيق مع بعض العلماء والدعاة، لاستضافتهم في هذه الخيمة, وجدولة محاضرات لهم في المخيمات التي شغلوها, مع توفير كافة الأجهزة الصوتية المتنقلة لاستخدامها عند عدم توافرها بالمخيمات التي يتمُّ زيارتها.

ويشهد الحاج في حجِّه أعظم تجمُّع إسلاميٍّ وذلك في يوم عرفة، في عرفة إذ يقف الحجَّاج جميعاً فيها ملبِّين مبتهلين إلى الله يسألونه من خير الدنيا والآخرة.

وهذا الاجتماع الكبير يذكِّر المسلم بالموقف الأكبر يوم القيامة الذي يلتقي فيه الأولون والآخرون ينتظرون فصل القضاء؛ ليصيروا إلى منازلهم حسب أعمالهم، إن خيراً فخير وإن شرَّاً فشرٍّ. فيشفع لهم جميعاً إلى الله عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليقضي بينهم فيُشفِّعه الله. وذلك هو المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، وهي الشفاعة العظمى التي يختصُّ بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يشاركه فيها ملَكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسل.

وفي هذا التجمُّع الإسلامي الكبير في عرفة وكذا في بقية المشاعر، يلتقي المسلمون في مشارق الأرض بالمسلمين في مغاربها؛ فيتعارفون ويتناصحون، ويتعرَّف بعضهم على أحوال بعض؛ فيتشاركون في الأفراح والمسرَّات كما يشارك بعضهم بعضاً في آلامه، ويرشده إلى ما ينبغي له فعله، ويتعاونون جميعاً على البرِّ والتقوى كما أمرهم الله سبحانه بذلك.

ويشهد الحاجُّ مظهراً عجيباً من مظاهر التعاون؛ إذ يرى أرض "منى" كلَّها مغطاةً بالخيام، نصبت على سجَّادة بشرية، فلا يكاد يمضي يوم النفر الأول إلا وقد عادت كما كانت تقريباً، وذلك لقيام كلٌ بما يخصُّه، فإذا أقام كل مسلم بما يقدر عليه في خدمة الإسلام، وتعاونوا على ذلك، فإن النشاطات الفردية وإن قلَّت تكون كثيرة بضمِّ بعضها إلى بعض.

ولعلَّ الفوائد المنشودة التي أشرت إليها، هي أيضاً من جملة المنافع الكثيرة التي أُجمِل ذكُرها في قوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج:27]

وختاماً: أخلص ممَّا سبق عرضه وبيانه، إلى أنَّ الحجَّ يشكِّل رابطة حبٍّ وتعارف وتعاون بين الحجَّاج من جميع أنحاء العالم، وتذكير بالوحدة الإسلامية، وذلك بتوحُّد المظهر والعمل والشعار.

وهو قبل ذلك تمرينٌ على الحياة الجماعية المنظمة، وتدريب على تحمُّل المشقات ومفارقة الأهل والوطن، والتضحية بالراحة والدَّعَة في الحياة الرتيبة.

ناهيكم أنه يجدِّد الأمل في نفس المؤمن ويبعده عن اليأس والقنوط، حيث يعود المسلم بعده أصفى قلباً، وأقوى عزيمة على الخير، وأبعد عن مغريات الشرِّ.

وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين. 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا