السبت 20 صفر 1441 - 19 أكتوبر 2019

حدث في الثاني من ذي الحجة معركة تشرنايا

الاثنين 4 ذو الحجة 1440 - 5 أغسطس 2019 159 محمد زاهد أبو غدة
حدث في الثاني من ذي الحجة معركة تشرنايا

من عام 1271 الموافق 16 آب/أغسطس 1855 بدأت في القِرِم معركة تشِرنايا، النهر الأسود؛ وهو نهر على ضواحي سيباستوبول عاصمة القرم، بين الجيش الروسي وبين قوات التحالف العثماني الفرنسي الإيطالي، وانجلت المعركة عن اندحار ذريع للقوات الروسية، وكانت بداية النهاية لحرب القرم التي دامت قرابة سنين ونصف، من 1270=1853 إلى سنة 1272=1856، وخلفت وراءها مئات الألوف من القتلى والجرحى والمصابين.

كان السبب الظاهري المباشر لهذه الحرب التنافس بين روسيا وبين فرنسا على امتيازات الكنائس المسيحية في فلسطين التي كانت تحت الحكم العثماني، أما السبب العريق فيعود إلى عهد بطرس الأكبر التي جلس على عرش روسيا من سنة 1107=1696 إلى وفاته سنة 1137=1725، حيث أرسى استراتيجية اتبعتها الحكومات الروسية المتعاقبة، وهي توسيع رقعة روسيا حتى تصل إلى البحرين: البحر الأسود في الجنوب وبحر البلطيق في الشمال الغربي، وتتطلع للاستيلاء على القسطنطينية - إن أمكن - لكون روسيا وريثة الإمبراطورية البيزنطية في كونها دولة الكنيسة الأرثوذكسية، وينبغي أن تكون لها زعامة النصارى الأرثوذكس في العالم.

وقد ساعد روسيا أن الدولة العثمانية لم تعمل على أسلمة رعايا البلقان؛ بل تركت لهم حريتهم الدينية وحكومتهم الذاتية ولغتهم القومية، فاستغلت روسيا الروابط الدينية والقومية التي تربطها بسكان البلقان، وعملت دائماً على خلق المتاعب في وجه السلطان، وسارعت إلى نصرة الثائرين بقواتها.

ونظراً للضعف الذي طرأ على الدولة العثمانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، سعى القيصر لتحقيق توسع روسي في الرقعة الجغرافية والنفوذ السياسي على حساب الرجل المريض، كما كانت تسمى الدولة العثمانية، ولكن ذلك أخاف بريطانيا وفرنسا فوقفتا له بالمرصاد.

وكانت الدولة العثمانية في تلك الفترة رجلاً مريضاً يتعاقب على علاجه أطباء لا يحملون له الود ولا يريدون له العافية التامة، ذلك إن السلطان عبد المجيد، المولود سنة 1234=1822، تسنم العرش سنة 1255=1839 بعد وفاة والده محمود الثاني وقد تزلزت أركان الدولة العثمانية، فجيوش محمد علي باشا المنتصرة في موقعة نصيبين تتجه شمالاً نحو القسطنطينية، ولولا تدخل الدول الغربية ومعها روسيا خشية من دولة فتية طموحة تقوم على أنقاض الدولة العثمانية المترهلة، لصار محمد علي باشا سلطان المسلمين، وما أن انتهت حرب الدولة العثمانية مع محمد علي باشا حتى اندلعت الفتنة في جبل لبنان بين الدروز وبين الموارنة والتي تدخلت فيها الدول الأوروبية حماية للأقلية المسيحية من عدوان الدروز.

ونعود إلى السبب الظاهري للحرب وهو الامتيازات للكنائس المسيحية في فلسطين، فنذكر أن فرنسا كانت تسعى دائماً في علاقتها بالدولة العثمانية وفي المعاهدات التي تنجزها معها، أن تحصل للكنيسة الكاثوليكية على امتيازات تمثيل النصارى في فلسطين وإدارة ما فيها من الكنائس الكبيرة والمشاهد المسيحية المقدسة، ولعل ذلك استمرار لتيار الحروب الصليبية في العقلية الفرنسية، وحصلت فرنسا في سنة 1740 على امتياز يمنح الرهبان الكاثوليك امتياز امتلاك وإدارة الكنائس والمشاهد في فلسطين.

وكان للرهبان الأرثوذكس نفوذ هائل على الحكام والرعايا الروس، وكان القيصر يعتبر نفسه حامي الكنيسة الأرثوذكسية تديناً وسياسة، مَثَلُه في هذا مَثل السلطان العثماني إزاء المسلمين في العالم، وكان من شأن نجاح هذه السياسة أن تمنح القيصر نفوذاً كبيراً بين الأرثوذكس من رعايا السلطنة العثمانية، والذين بلغ عددهم أكثر من عشرة ملايين شخص، فأصبحوا أكثر الأديان عدداً بعد الإسلام، ولذا سعت روسيا لتجريد الكاثوليك من هذا الامتياز وإعطائه للأرثوذكس.

وتعدى القساوسة الأرثوذكس على الامتيازات الكاثوليكية في غفلة من فرنسا حين انشغلت قرابة 60 سنة بالثورة الفرنسية سنة 1789 ثم بحروب نابوليون والحكومات الملكية الضعيفة، حتى جاءت ثورة 1848 وتلاها تعيين نابوليون الثالث رئيسا للجمهورية الفرنسية الثانية، وكان رجلاً طموحاً يتوق للحكم الفردي، بعيداً عن الأحزاب والشخصيات الكبيرة، وكان من سياسته في مواجهتهم أن يستعين بالشارع الفرنسي، وأراد استمالة الرأي العام في فرنسا فسعى لدى الدولة العثمانية لاستعادة ما خسرته الكنيسة الكاثوليكية من كنائس وأديرة، فعينت الدولة لجنة من أعضاء مختلفي المذهب للفصل في الأمر بمقتضى المعاهدات القديمة، فقررت في سنة 1268=1852 أحقية الكاثوليك في امتلاك عدة كنائس وأديرة.

وعارضت روسيا هذا القرار وهددت بالحرب لو نفِّذ، وبدأ القيصر نقولا الأول اتصالاته مع بريطانيا وفرنسا ليستميلهما في الحرب التي عزم على تأجيجها، فعرض على حكومة الملكة فكتوريا العمل سوية لإضعاف نفوذ فرنسا في الشرق، وتقاسم تركة الرجل المريض فتأخذ بريطانيا مصر وجزيرة كريت مقابل أن تأخذ روسيا المناطق الأرثوذكسية في السلطنة العثمانية، ولكن بريطانيا أجابت القيصر أن من الأولى معالجة هذا المريض لا القضاء عليه، ولم يكن ذلك إلا لمنع روسيا من الوصول للبحر المتوسط ومنافسة بريطانيا في السيطرة على البحار والمحيطات.

ولما أوصدت بريطانيا الباب في وجه القيصر اتصل بفرنسا وعرض عليها مقابل أن تتنازل عن طلباتها في فلسطين أن تتفق روسيا معها على احتلال تونس والحد من النفوذ البريطاني في البحر المتوسط، ولكن فرنسا رفضت أي تعاون لأن نابليون الثالث كان يسعى لإرجاع مجد فرنسا الغابر وجعلها صاحبة الكلمة الأولى في أوروبا كما كانت في عهد عمه نابليون الأول، ووجود روسيا قوية متنفذة سيحول دون ذلك.

وأجرى نابليون الثالث مباحثات مع بريطانيا للتعاون ضد روسيا ولتنفيذ المعاهدات الخاصة بالنصارى في فلسطين، والتي من شأنها أن تحد من النفوذ الروسي في الشرق العربي وببخاصة بين الرعايا العثمانيين من الأرثوذكس، وحيث كانت الحكومة البريطانية قد اطلعت على المطامع الروسية الخطيرة فلم تكن بحاجة لمزيد إقناع لكبح المخطط الروسي، فوقفت مع فرنسا إلى جانب تركيا، وأخذت تعمل على المحافظة عليها، ولكنها لم تر بأساً من اقتطاع كثير من أملاكها في الوقت المناسب.

وأصدرت روسيا إنذاراً أرفقته بشروط منها أن يكون لروسيا حق حماية جميع المسيحيين الموجودين ببلاد الدولة العثمانية، ورفضه الباب العالي مع إعلانه احترامه حقوق الكنيسة الأرثوذكسية، فغادر السفير الروسي في منتصف سنة 1269= 1853، وبدأت سُحُب الحرب تتلبد في سماء الآستانة.

وكانت فرنسا قد أرسلت أسطولها إلى بحر إيجة استعدادا للحوادث، وأرسلت بريطانيا عدداً من السفن الحربية لتتربص في مالطة، ثم اجتمعت هذه السفن واتجهت لمضيق الدردنيل لمساعدة العثمانيين في حالة هجوم روسي صار وشيكاً.

واحتلت روسيا بعدها بأيام مولدافيا وشرق أوكرانيا وتوفقت على ضفة نهر الدون الشرقية، وأعلنت أنها ستنسحب منها حين تقبل الدولة العثمانية بتنفيذ مطالبها، وكانت تلك مناورة ومجازفة خطيرة أراد القيصر منها فرض الأمر الواقع على الدول الأوروبية الأخرى، وكان يتوقع منهم أن يسايروه، وكان يتوقع تأييداً كاملاً من النمسا والمجر، فقد كان ابنه الأمير الكساندر متزوجاً من أميرة نمساوية، كما أن القيصر سبق وأن ساعد صديقه الإمبراطور فرانسوا جوزيف في قمع الثورة المجرية سنة 1848.

ورغم أن النمسا كانت لا تخفي عداءها للعثمانيين الذين اقتطعوا جانباً كبيراً من أملاكها في البلقان وفي الدانوب، وكانت تسعى دائماً لاسترداد ممتلكاتها، إلا أن مصالح النمسا كانت لا تختلف عن مصالح الدول الأوروبية الأخرى في عدم تقوية النفوذ الروسي، واستناداً إلى علاقته الجيدة مع روسيا، دعا الإمبراطور إلى مؤتمر في فيينا للوصول إلى حل للأزمة الناشبة وتجنب الحرب، وطلب من الطرفين بقاء جيشيهما في مكانيهما والامتناع عن القتال حتى انعقاد المؤتمر وتوصله للقررات المناسبة.

وانعقد مؤتمر فيينا في آخر سنة 1269=1853 وسَعَت الدول لتجنب الحرب التي ستنشب في ظروف أوروبية مضطربة متقلبة بسبب الروح الثورية التي كانت تعصف ببلدانها، وتمخض المؤتمر عن صيغة اتفاق غامض العبارة سهل التأويل، قبلته روسيا ورفضته الدولة العثمانية، وعاضدتها في ذلك فرنسا وبريطانيا، فأصدر الباب العالي إلى الأمير جورشاكوف قائد الجيوش الروسية المحتلة إنذاراً بإخلاء الأراضي المحتلة خلال 15 يوماً، وإلا فستعتبر بقاء الجيوش فيها إعلانا للحرب.

ولم تستجب روسيا لهذا الإنذار فاجتازت الجيوش العثمانية بقيادة عمر باشا النهر في أول صفر من عام 1270، وجرت موقعة عظيمة هائلة انتصرت فيها الجيوش العثمانية على الجيوش الروسية وأخرجتها من معاقلها، وكان ذلك فوزا غير متوقع أدهش العالم، ثم حل الشتاء وتوقف القتال.

وفي هذه الأثناء رست السفن الفرنسية والبريطانية في البوسفور بموافقة الدولة العثمانية، لتكون أقرب إلى البحر الأسود وإلى حماية الاستانة لو حاول الروس الهجوم عليها بحرا، وفي 28 صفر سنة 1270= 30 نوفمبر سنة 1853، قام الأسطول الروسي في البحر الأسود بهجوم مباغت على الأسطول التركي الراسي في ميناء سينوب ودمره عن آخره، ونقضت بذلك روسيا تعهدها لفرنسا وبريطانيا ألا تقوم بأي عمل عدواني في البحر الأسود إذا لم تدخله سفن الدولتين، وعقب الهجوم أمرت الدولتان سفنها بالدخول إلى البحر الأسود، وأعلمت روسيا أنها ستصد أي اعتداء روسي على الموانيء أو السفن التركية.

وفي محاولة أخيرة لتجنب الحرب أرسل نابليون الثالث رسالة خطية إلى القيصر نقولا يعرض عليه عقد مؤتمر للصلح بشرط انسحاب الروس من الأراضي التي احتلوها، وتعهد له مقابل ذلك بسحب السفن من البحر الأسود، فأجابه القيصر برفض التراجع عن موقفه أو سحب القوات ما دام عنده جندي واحد، وأنه لا يظن أن نابوليون الثالث كان يفعل غير ذلك لو كان في مكانه! وهنا أصبح السؤال متى تنشب الحرب، إذ لم يعد هناك شك في وقوعها، وسحبت فرنسا وبريطانيا سفيريها لدى روسيا، وهو في العرف الدبلوماسي آخر عمل سلمي قبل إعلان الحرب.

وخشي القيصر أن تنضم النمسا وألمانيا إلى الحلف الفرنسي البريطاني، فحاول استمالتها لتبقى على الحياد، ولكن محاولته لم تحقق النجاح المؤكد الذي كان يلتمسه، فقد كانت النمسا لا ترغب في أن تتوسع روسيا غربي نهر الدون في المناطق التي تعتبرها امتداداً لنفوذها السياسي.

وفي منتصف سنة 1270=1854 أعلنت فرنسا وبريطانيا اتفاقهما على الوقوف بجانب الدولة العثمانية في مواجهة العدوان الروسي، وأن ترسل فرنسا 50.000 جندي وبريطانيا 25.000 بشرط أن تنجلي جميعها عن بلاد الدولة بعد خمسة أسابيع من عقد الصلح مع روسيا، والتزام الدولتين بالحفاظ على سلامة الأراضي العثمانية ومنع ضم أي جزء منها إلى روسيا، وأن لا تباحث إحداهما روسيا بشأن الصلح أو وقف القتال إلا بالاتفاق مع حليفتها، وخلال شهر حشدت الدولتان الجيوش وجمعت المؤن والذخائر وأنزلتها في خليجي غاليبولي والاستانة.

وابتدأ القتال في البحر الأسود قبل وصول الجيوش البرية، فقد أطلقت قلعة أوديسا نيران مدافعها على سفينة بريطانية جاءت ترفع العلم الأبيض لإجلاء قنصل بريطانيا ورعاياها، فطلب الأدميرال البريطاني اعتذاراً عن هذا العمل العدائي، ولما لم يأته الجواب، قامت السفن البريطانية والفرنسية بقصف المدينة حتى تركتها قاعاً صفصافا، ثم بدأت في قصف ميناء سيباستوبول والموانئ الروسية في البحر الأسود.

وفي تلك الفترة أعلن القيصر نقولا الحرب على الدول المعادية، واجتازت جيوشه نهر الدون وحاصرت مدينة سلستريا 35 يوماً دون أن تتمكن من احتلالها، وكان هذا أول إخفاق للجيش الروسي الذي بلغ عدده 60.000 جندي حيث صمدت له القوات العثمانية عددها 15.000 جندي بقيادة القائد عمر باشا ذي الأصل الصربي، والذي ما أن رفع الروس الحصار عن المدينة حتى طاردهم بل وعبر نهر الدون وكاد يسترجع الأراضي من يد الروس المنسحبين لولا أن جاءت الجيوش النمساوية واحتلتها ومنعت عمر باشا من اتباع الروس حتى دخلوا أراضيهم، وكان هذا التصرف النمساوي بموجب اتفاق عقدته النمسا مع فرنسا وبريطانيا والدولة العثمانية، كحل وسط ريثما تتم المفاوضات النهائية، حيث لا يشكل ذلك أي تهديد للروس لعدم ميل النمسا للحرب.

وقررت الدول المتحالفة الهجوم على القِرِم وتدمير الأسطول الروسي الراسي في سيباستوبول، وبخاصة عندما علمت أن الكوليرا بدأت تنتشر في صفوفه، فأنزلت في آخر سنة 1270=1854 شمالي سيباستوبول 60.000 جندي من الفرنسيين والأتراك والبريطانيين والمصريين، ودحروا هجوماً روسياً في ألما وردوه على أعقابه، ولكنهم لسوء تقديرهم أخطأوا فلم يتعقبوه، فمنحوه فرصة في التقهقر إلى مدينة سيباستوبول التي كانت لم تستكمل استحكاماتها، وصارت لدى الروس فرصة لإتمام تحصينها برا وبحرا على نحو جعل الاستيلاء عليها من أصعب المهام، وتابع المتحالفون سيرهم جنوباً لحصار سيباستوبول ولم تستطع الهجمات الروسية المتكررة أن تحقق أية نتائج تغير سير الحرب، وبدأت الجيوش المتحدة في حصار سيباستوبول تمهيداً لاقتحامها والاستيلاء عليها، ولكن المقاومة الروسية المستميتة جعلتهم يعدلون إلى قرار استنزافها عبر حصار طويل.

واستمر الحصار سنة كاملة جرت فيها تطورات مهمة على الصعيد السياسي، فقد توفي في أثنائها القيصر الروسي نيقولا وتولى بعده ابنه الكساندر الثاني، وحاولت فرنسا وبريطانيا استمالة الدول الأوروبية الأخرى للدخول في حلفها، فرفضت ألمانيا ووافقت النمسا وإيطاليا، وكانت إيطاليا في بدايات اتحادها وعلى خصومة مع النمسا التي كانت تحتل مقاطعتي لومبارديا وفينيتو، ولذلك قرر الملك فكتور إيمانويل الثاني الانضمام للتحالف الفرنسي البريطاني، حتى تعضد الدولتان موقف إيطاليا في سعيها للوحدة والاستقلال التام، ولذا أرسل جيشاً من 18.000 جندي من مقاطعة ساردينيا يقوده الجنرال ألفونسو لا مارمورا.

وحقق المتحالفون انتصارات متتالية على الصعيد العسكري، واحتلوا عدداً من المدن والثغور واستطاعوا منع الإمدادات من الوصول إلى سيباستوبول، كانت ذروتها معركة تشرنايا التي نتحدث عنها.

وكان القيصر الكساندر الثاني قد أصدر أوامره للقائد الروسي الأمير ميخائيل جورشاكوف بالهجوم في أسرع وقت على القوات المتحالفة بغرض إجبارها على الانسحاب من حصارها لسيباستوبول، وكانت القوات المتحالفة التي ضربت الحصار تتكون من 10.000 جندي عثماني يقودهم عثمان باشا، و18.000 جندي فرنسي يقودهم الجنرال أيمابل بليسّيير، و9.000 جندي إيطالي، وفي مواجهتهم من الروس 47.000 جندي مشاة، و10.000 من الخيالة و270 مدفعاً، موزعين على فرقتين.

وكان القيصر قد أدرك أن تحقيق انتصار نهائي في هذه الحرب قد صار بعيد المنال، ولكنه كان يأمل من وراء الهجوم أن يحقق نصراً يقوي موقفه في التفاوض لإنهاء الحرب بشروط أفضل، وإزاء أمر القيصر قيَّم جورشاكوف الموقف العسكري وانتهى إلى أن تحقيق الانتصار المأمول أمر مستبعد، ولكن فرص انتصاره ستكون أكثر بكثير لو فاجأ القوات الفرنسية والساردينية بهجومه في 16 آب/أغسطس حيث سيكون الفرنسيون يحتفلون بعيد الإمبراطور والإيطاليون بعيد الصعود، وقرر أن تتحرك قواته تحت غطاء الضباب في الصباح المبكر، وترابط على ضفاف نهر تشرنايا، ثم تنطلق من مواقعها لتشن هجوماً ذا شعبتين يطوق القوات المتحالفة، وأمر جورشاكوف قواته ألا تعبر النهر وتبدأ في الهجوم إلا عندما يأمرها بذلك.

وفي صباح ذلك اليوم تحركت القوات الروسية إلى ضفاف النهر، ولكن تحركها كان بطيئاً فخشي جورشاكوف أن ينكشف أمرها ويفقد عنصر المفاجأة، فأرسل رسالة يستحث قائديه على سرعة الحركة يقول فيها: تحركوا! تحركوا! ولكن الجنرالين فهما الرسالة على أنها إشارة ببدأ الهجوم، فعبرا بقواتهما النهر وقوات الاحتياط لا تزال في طريقها إلى ساحة المعركة، ودون دعم من الخيالة أو المدفعية.

وعلى الفور واجهت القوات الروسية المهاجمة مقاومة صلبة من القوات الفرنسية والإيطالية، واستطاع الفرنسيون عند إحدى الهضبات التصدي لهجوم الميمنة، فزج القائد الروسي بقوات الاحتياطي لزحزحة الفرنسيين ولكنه بدلاً من أن يدفعها كلها في هجمة واحدة أرسلها كتيبة تلو أخرى فلم تستطع اجتياح المواقع الفرنسية، ولما رأى جورشاكوف ذلك أمره بأن يزج كل قواته في الهجوم، ففعل وأجبر الفرنسيين على التقهقر للخلف، ولكنه لم يتمكن من احتلال الهضبة وترسيخ مواقعه، واضطر في النهاية للانسحاب.

وقُتل القائد الروسي أثناء الانسحاب فتولى جورشاكوف قيادة الميمنة، وأمر الميسرة أن ترسل بعض كتائبها لتقوى الميمنة، ولكن الساردينيين أصلوها بنيرانهم ولم يمكنوها من الالتحاق بالميمنة، وبحلول الضحى قرر جورشاكوف أن لا فائدة من الاستمرار فأمر بالانسحاب العام، وخسر الروس في المعركة 4.000 قتيل ومفقود و4.000 جريح، أما القوات المتحالفة فكان إجمالي إصاباتها 1.700 من قتيل ومفقود وجريح.

وأبدت القوات الروسية بسالة في هذه المعركة واستماتت في هجومها رغم القصف المدفعي وانكشافها لنيران العدو، ولكن سوء التنظيم وكون أغلب الجنود من الأغرار قليلي الخبرة بالمعارك، جعل الدائرة تدور عليهم، وقد شهد هذه المعركة الكاتب الروسي الشهير الأديب ليو تولستوي، وكان عمره 27 سنة، وعاد منها مفعماً بالمرارة بعد أن رأى الجنرالات يزجون بالجنود الشجعان ليحصدهم القصف المدفعي مجموعة تلو الأخرى، ثم رآهم ينسحبون ويخلفون وراءهم آلاف القتلى، وقد نظم تولستوي أبياتاً بهذه المناسبة شاعت بين الجنود الروس تقول: ما أحكم خطتكم عندما رسمتوها على الورق، ولكنكم نسيتموها تماماً عند احتدام المعركة في الخنادق! وتحت قصف المدافع كتب تولستوي كتابه الذي أذاع شهرته: قصص سيباستوبول، وفيه تبدو شخصية تولستوي وإجلاله للحقيقة والشمائل الإنسانية والحب الأخوي ومقته لكل مظاهر الطغيان والعنف.

وبعد أسبوع من معركة تشرنايا بدأت القوات المتحالفة في قصف سيباستوبول للمرة السادسة والأقسى، فصبت مدفعيتها حمم 150.000 قذيفة كانت توقع بالروس قرابة 3000 إصابة كل يوم، وبعد ثلاثة أيام شنت هذه القوات هجوماً على الروس الذين استبسلوا في الدفاع عن مواقعهم وأفشلوا الهجوم البريطاني، ولكنهم ما لبثوا أن انسحبوا من سيباستوبول بعد أن أحرقوا منها ما لم تدمره المدافع، وانتهت بذلك حرب القِرِم، مخلفة وراءها مئات الآلاف من القتلى والجرحى ومن توفي بالكوليرا وغيرها من الأمراض.

وبعد سقوط سيباستوبول أدركت روسيا أن من المستحيل عليها الانتصار على هذه القوى المتألبة ضدها، وتقدمت النمسا بوساطة قبلتها روسيا على الفور وانجلت عن الدعوة إلى مؤتمر انعقد في باريس وأقر في رجب 1272=1856 معاهدة باريس التي تضمنت إعلان السلام بين الدول المتحاربة والعودة إلى حدود ما قبل الحرب، أي إعادة شبه جزيرة القرم لروسيا، وإبقاء البحر الأسود خالياً من السفن العسكرية.

شاركت في حرب القرم قوات مصرية وأبلى جنودها بلاء حسناً في ميدان القتال، وقدموا شهداء من ضباطهم وجنودهم، وقد قال في ذلك الأديب عبد الله فكري المتوفى سنة 1306= 1889:

لقد جاء نصر الله وانشرح القلب ... لأنَّ بفتح القرم هان لنا الصعبُ

وقد ذلت الأعداء في كل جانب ... وضاق عليهم من فسيح الفضا رحب

بحرب تشيب الطفل من فرط هولها ... يكاد يذوب الصخر والصارم العضب

إذا رعدت فيها المدافع أمطرت ... كؤوس منون قصَّرت دونها السحب

وشاركت في حرب القرم فرق الزواف الفرنسية، والمكونة من أبناء القبائل البربرية الجزائرية الذين جندتهم فرنسا في فرق مشاة خاصة، وجاء اسمهم الفرنسي؛ الزواف، لكونهم ينتمون إلى قبائل زواوة، وقد نجح هؤلاء في كثير من المهمات، مما جعل دولاً أخرى تنظم فرقاً في جيوشها تحاكي الزواف.

ورغم انتهاء حرب القرم بهزيمة الروس إلا أنها مكنتهم من التفرغ لقتال الإمام شامل في القوقاز، الذي طال الأمد على ثورته، فجهزوا جيشاً من 60.000 جندي بدأ في تضييق الخناق عليه، ونشط جواسيسهم وعملاؤهم لاستمالة بعض القبائل والأعيان إلى بما كانوا ينثرونه من الأموال الطائلة، فلما كان أواخر سنة 1274=1858 كان كثير من أهل الجهات النائية قد خرج على الإمام شامل، وأخذ يقوم ببعض الخدمات للقوات الروسية، كشق الطرق وحراستها وما إلى ذلك، وفي سنة 1275=1859 ضيقوا عليه الحصار في مكمن تلو الآخر حتى استسلم في صفر من سنة 1276.

سبق الحديث أن السبب المباشر للحرب هو الامتيازات الأجنبية التي منحتها الدولة العثمانية للرعايا والدول الأجنبية، وهو أمر في أصله مبني على سماحة الإسلام في ترك غير المسلمين يمارسون شعائرهم وتقاليدهم الخاصة، ولكن ذلك خرج عن ذلك ليصير الرعايا غير المسلمين محور تنافس بين الدول الغربية، ثم صار وسيلة للتدخل في شؤون الدولة العثمانية وغيرها من الدول التابعة لها، ولم ينته هذا الأمر مع حرب القرم، بل من المضحك المبكي أن تركيا عقدت في سنتي 1861-1863 معاهدات تجارية جديدة مع فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وروسيا والنمسا والولايات المتحدة وألمانيا، وكلها تؤيد حق هذه الدول في حماية رعاياها في دولة السلطنة.

تبلغ مساحة شبه جزيرة القِرِم 27.000 كيلومتراً مربعاً، وهي مساحة لا تذكر إزاء مساحة روسيا التي تبلغ 17 مليون كيلومتر مربع، ولكن موقع القرم الاستراتيجي وموانئها الطبيعية جعلوها في غاية الأهمية، وفتح العثمانيون القرم سنة 880= 1475 في أيام السلطان محمد الفاتح، المولود سنة 833 والمتوفى سنة 886، حين طردوا من سواحلها قوات مدينة جنوة الإيطالية التي كانت ناشطة في التجارة عبر البحار، وبذلك أصبحت القرم دويلة تابعة للدولة العثمانية، يعين السلطان حاكمها الملقب بالخان، وكان الإسلام قد وصل القرم قبل ذلك بقرون، وانتشر في أهلها من التتار المشهورين بالفروسية والشجاعة، حتى إن روسيا كانت تدفع مبلغاً سنوياً بصورة جزية لأمراء القرم حتى لا يهاجموا قوافلها التجارية، وبعد الفتح أصبح التتار من الفرق المهمة الشديدة البأس في جيوش محمد الفاتح والسلاطين من بعده.

وهذه الحرب التي تحدثنا عنها حلقة في سلسلة من الحروب التي خاضتها روسيا لإبقاء القرم تحت سيطرتها بعد أن اشتد عودها وتمكنت دولتها المركزية، ولعل أول محاولة روسيا ناجحة هي التي كانت في سنة 1107=1695 حين احتلت جيوش بطرس الأكبر مدينة آزوف، في أيام السلطان مصطفى الثاني، المولود سنة 1074والمتوفى سنة 1115، ولكن السلطان الذي اتصف بالشجاعة وكان ينفسه يقود الجيوش، هزم الروس وأجبرهم على الانسحاب.

ثم احتلت روسيا القِرِم في حرب سنة 1184= 1770 في أيام الإمبراطورة كاترين الثانية، وأقامت عليها خاناً من عملائها يدعى شاهين خان، وأخفقت الدولة العثمانية في استردادها ودمر الروس أسطولها في معركة ميناء چشمه في بحر إيجه، واضطر السلطان عبد الحميد الأول لعقد اتفاقية سلام مع روسيا، عرفت بمعاهدة قينارجه، وتضمنت تخلي العثمانيين عن القرم لتقوم فيه دولة مستقلة من أهله التتار، ومما جاء في الاتفاقية أن: الدولة العلية ودولة روسيا لا تتدخلان في أمر انتخاب الخانات المومأ إليهم، ولا في أمور حكومتهم بوجه ما، بل يكون حكمهم في حكومتهم وفي الأمور الخارجية كدولة مستقلة مثل سائر الدول المستقلة، وطائفة التتار تكون مقبولة ومعترفا بكونها غير تابعة لأحد سوى الحق سبحانه وتعالى.

وحيث إن الطائفة المذكورة هي من أهل الإسلام، وكون السلطان هو إمام المسلمين فإنها يجب أن تنظم أمورها المذهبية من طرف السلطان بمقتضى الشريعة الإسلامية.

وتضمنت المعاهدة كذلك السماح للسفن الحربية الروسية بالمرور من مضائق البوسفور والدردنيل في أي وقت، بعد أن كانت ممنوعة من ذلك.

وما لبثت روسيا بتأثير الجنرال القدير بوتمكين أن ضربت بالمعاهدة عرض الحائط، وذلك بعد أن تحالفت سراً مع النمسا، واتفقتا على تقاسم مغانم هذه الحرب، بل وإحياء الإمبراطورية البيزنطية في استانبول، فأعلنت الإمبراطورة الروسية كاترين ضم القرم في سنة 1783، فاندلعت الحرب ثانية في سنة 1787 وأعلنت النمسا الحرب على العثمانيين مساعدة لروسيا، وحققت الجيوش الروسية انتصارات متتالية في البلقان، ولكن الجيش النمساوي لقي عدة هزائم أمام الجيش العثماني، وتوفي الإمبراطور النمساوي جوزيف الثاني في سنة 1790وخلفه ليوبولد الثاني، وكانت الثورة الفرنسية في سنة 1789 قد بدأت روحها الثورية في تهديد العروش عبر أوروبا كلها، فسعت النمسا للصلح مع العثمانيين وأبرمت معهم معاهدة سيستوفا سنة 1205=1791، ولكن روسيا استمرت في الحرب، ولما اقتحم جيشها بقيادة الكونت سواروف مدينة إسماعيل، وهي اليوم Izmail في جنوبي أوكرانيا، قاموا بإبادة السكان عن بكرة أبيهم، ثم سارت بريطانيا والنمسا وهولندا في الصلح وتم توقيع معاهدة جاسي في سنة 1206= 1792 والتي كان أهم ما أنجزته للروس هو توطيد نفوذهم في البحر الأسود، والقبول بسيادتهم على القرم، وفي المقابل أعادت للعثمانيين أغلب ما خسروه من أراضي.

وكما رأينا، كانت دول أوروبا الغربية تتوجس الخيفة من روسيا وطموح القيصر لبناء دولة قوية حديثة تنافسها، وقامت هذه الدول مجتمعة بمساع لتجريد روسيا من حق سفنها العسكرية في عبور المضائق، وتكللت هذه المساعي في سنة 1257=1841 في معاهدة دعيت بمعاهدة البوغازات، أي المضائق، والتي تنص الفقرة الأولى منها على أن: جلالة السلطان يعلن عزمه وتصميمه في المستقبل على حفظ واتباع القاعدة القديمة التي بموجبها مُنِعَت جميع مراكب الدول الأجنبية الحربية من المرور من بوغازي البوسفور والدردنيل، وأنه ما دامت حالة السلم فلن يسمح لأي مركب حربي أجنبي بالمرور من هذين البوغازين، ويعلن كل من جلالة إمبراطور النمسا، وملك المجر وبوهيميا، وملك فرنسا، وملكة بريطانيا العظمى وإرلندا، وملك بروسيا، وإمبراطور روسيا العظمى، احترام هذا العزم الصادر من جلالة السلطان واتباع القاعدة المقررة سابقا.

ولكن روسيا انتهزت قيام الحرب بين فرنسا وبين ألمانيا في سنة 1870 فألغت المعاهدة، وفي سنة 1877 قامت الحرب بينها وبين تركيا، وتدخلت بريطانيا وأنذرت روسيا بأنها إذا هاجمت القسطنطينية فستضطر إلى التدخل، وأذعنت روسيا للتهديد البريطاني ووقعت مع تركيا معاهدة سان استفانو التي عدلت في مؤتمر برلين سنة 1878، وعقدت معاهدات حافظت على مبدأ إغلاق المضائق في وجه السفن الأجنبية.

أما مسلمو القِرم فقد عمدت روسيا لإغلاق المدارس والمساجد، ومطاردة المسلمين وإجبارهم على مغادرة موطنهم القرم، فاضطر كثير من التتار إلى الهجرة إلى تركيا، ونفت روسيا كثيراً ممن بقي إلى مدن روسيا المختلفة لتذويبهم في المجتمع الروسي، وبعد قيام الثورة الشيوعية أعلن الاتحاد السوفياتي عن قيام جمهورية القرم الاشتراكية السوفياتية في سنة 1921، ولكن الاضطهاد لم يتغير وبلغ ذروته تقتيلاً وتهجيراً في أيام ستالين الذي استبدل في سنة 1929 الأحرف اللاتينية بالأحرف التترية، ولما قامت الحرب العالمية الثانية احتل الألمان أوكرانيا والقرم، وأرسلوا 85.000 تتري إلى ألمانيا كأيدي عاملة، وقد تعاون عدد ضئيل من التتار مع الألمان ولكن غالبيتهم قاومت الألمان وحاربت مع الجيش الروس.

وما أن انسحب الألمان أمام الهجوم الروسي المعاكس في سنة 1944، حتى حول الشيوعيون الجمهورية إلى منطقة وشرعوا في إعدام كل من اشتبه بتعاونه مع الألمان، وقاموا بتهجير مئات الآلاف من المسلمين إلى مناطق الأورال وسيبريا وكازاخستان وبقية جمهوريات أواسط آسيا التي تبعد آلاف الأميال عن مواطن سكناهم، وشحنوهم في قطارات في ظروف لا تليق بالحيوان فتوفي منهم ألوف، وقام الشيوعيون بجلب الروس إلى القرم حتى أصبحوا الأغلبية فيها، وبقيت حال المسلمين في القرم وفي مهاجرهم في كرب وضنك، وفي سنة 1954 قام الرئيس خروشوف بضم القرم إلى جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية، وتحدث في سنة 1956 أمام المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي عن جرائم تهجير الشعوب التي أعدها ونفذها سلفه ستالين، وذكر أن تهمة تواطؤ التتار مع الألمان لم تكن صحيحة، وفي سنة 1967 صدر قرار يبرئهم من خيانة الوطن، ولكنهم بقوا محرومين من العودة إلى جزيرتهم حتى سقوط الاتحاد السوفييتي.

وعندما تفكك الاتحاد السوفييتي وأعلنت أوكرانيا استقلالها في سنة 1991، عقد التتار مؤتمراً في مدينة سيباستبول تمخض عن تكوين المجلس التتري، ولكن نسبة المسلمين في القرم، 12% من قرابة مليونين ونصف، لا تزال بعيدة عن أيام كانوا أغلبية في موطنهم وموطن آبائهم وأجدادهم، ومن قريب دار الزمن دورته وانتزعت روسيا القرم من أوكرانيا عنوة وأعادته إليها، ولعل فيما ذكرنا بيان لكثير من الأسباب التي حدت بالروس لذلك وقلة اكتراثهم بالمعارضة الأوروبية الشديدة.

 

 خريطة تمثيلية للمعركة

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا