الجمعة 7 صفر 1442 - 25 سبتمبر 2020

البعثة العلمية إلى اسطنبول في أيام الحرب العالمية الأولى

الأربعاء 7 ذو القعدة 1440 - 10 يوليو 2019 402 ماجد الدرويش
البعثة العلمية إلى اسطنبول في أيام الحرب العالمية الأولى

في كتابه (نثر اللآلي) يتحدث العلامة الشهيد الدكتور صبحي الصالح رحمه الله تعالى عن استدعاء السلطان محمد رشاد الخامس جماعة من كبار علماء العالم الإسلامي إلى اسطنبول، والزمن زمن الحرب العالمية الأولى، وكان من جملة المنتدبين لهذه البعثة إضافة إلى الشيخ عبد الكريم عويضة:

- الشيخ مصطفى أفندي نجا، مفتي بيروت، ذلك العبد الصالح.

- الشيخ أبو الخير عابدين، مفتي الشام.

- الشيخ محمد مرادي مفتي حيفا.

- الشيخ محمد العبيسي مفتي حلب.

- الشيخ عبد القادر الخطيب، خطيب الجامع الأموي.

- الشيخ عطاء الله العجلاني.

- الشيخ عبد المحسن الأسطواني، علامة الشام.

- الشيخ تاج الدين الحسني... وغيرهم من العلماء الأعلام.

وكان رئيس الوفد الشيخ الشهير أسعد أفندي الشقيري. رحمهم الله جميعا.

واجتمعوا في هذه الرحلة برجالات الدولة، من مثل: شيخ الإسلام خيري بك، والصدر الأعظم سعيد باشا، وولي عهد السلطنة يوسف عز الدين،. كما زاروا جيش السلطنة المرابط على الدردنيل..

وقد نظم الشيخ عبد الكريم قصيدة في المناسبة، مطلعها:

دُعينا فلبينا دعاء أولي الأمر .. وزرنا جنود الله في ساحل البحر

أتيناهم في العيد بين مهلل .. وآخرٍ في الأعداء كبر للنحر.

وكانت الزيارة أول ايام الأضحى المبارك...

ثم وصف فيها الجيش المرابط، فقال:

يميلون من تحت القناطر هزةً .. كما انتفض العصفور من بلل القطر

وقد جاهدوا في الله حق جهاده .. ففازوا كما فاز الصحابة في بدر.

ثم تم اللقاء بالسلطان صاحب الجلالة ، الذي أظهر غاية السرور بقدومهم الذي صادف صدور قرار سلطاني بقراءة صحيح الإمام البخاري على نية الشفاء من أمراض حلت بالسلطان، الذي قال لهم: «كان من عادتنا أننا إذا مسنا مرض أو ألم بنا ما يؤلم صحتنا نعمد لقراءة البخاري الشريف وتنال الشفاء ببركته، وفي هذه المرة صدرت إرادتنا بقراءته ونلنا الشفاء بسببه، وأما ختمه فقد أرجأناه لحضوركم».

فتبين أن هدف الزيارة أمران أساسيان:

الأول: ذكره السلطان وهو ختم صحيح البخاري بمحضر كوكبة مختارة من علماء العالم الإسلامي على نية شفاء السلطان من مرض ألم به.

والثاني: جولة ميدانية للعلماء على المواقع الأمامية للجيوش المرابطة على الدردنيل في مواجهة الحلفاء.

ولا يخفى ما في الهدف الثاني من بث للروح المعنوية بين القوات المرابطة ورفع لمستوى جهوزيتها عندما ترى خيرة علماء العالم الإسلامي معها، تدعو لها، وتشد من أزرها، وقد صلى الشيخ عبد الكريم في الجنود صلاة العيد، وخطب بهم خطبة حماسية بصوته الجهوري البعيد الصدى أخذت بمجامع القلوب، فذرفت دموع الحاضرين، وبكوا بدماء قلوبهم وأكبادهم.

وختم خطبته بأبيات أنشأها على البديهة:

أيها الجيش المظفر ... ضَحِّ في الأعداء وانحر

إن هذا اليوم عيد ..... وهو في الأعياد أكبر.

وكان لخطبة الشيخ عبد الكريم وقع كبير في النفوس، وطارت في الآفاق، حتى كتبت عنها بعض الجرائد قائلة: «إن خطبة الخطيب في المعسكر لم يسمع بمثلها منذ عهد صاحب الرسالة حتى الآن في سلاستها، وشدة تأثيرها في النفوس».

وبعد إتمام الصلاة زار الوفد الجرحى في مستشفيات المعسكر، يقول الشيخ صبحي رحمه الله: «وقد شاهد شيخنا أن تلك المستشفيات كانت في غاية الاتقان وحسن الموقع والنظافة التي كانت في أعلى مستوى، حتى ليتمنى الإنسان أن يكون أسيرا ليحظى لهذه الراحة التي ليس لها مثيل».

من هنا ندرك الأبعاد الحقيقية لهذه البعثة العلمية التي كانت تهدف إلى استنهاض الهمم، وإلى إظهار تلاحم الأمة في مواجهة أعدائها.

وكان من جملة من اجتمع الوفد به عند الدردنيل الضابط مصطفى كمال الذي استقبلهم بثلاثين الفا من الجنود كلهم من أبناء العرب، والذي كانوا في جملة الجيش الذي سطر ملهمة معركة جزيرة غاليبولي، أو معركة جناق قلعة، أو معركة مضيق الدردنيل عام ١٩١٥ ، التي اعتبرت (آخر انتصارات المسلمين على الكفار) .

وتبقى قضية تتعلق بقراءة صحيح البخاري، إذ كان الأولى أن تكون نية قراءته في مثل هذه الأزمات على نية النصر على الأعداء، فإنها سنة درج عليها علماؤنا عبر التاريخ وكانت ثمارها دائما جنية، وآثارها جلية.

ويوم جاء التتار بقدهم وقديدهم إلى دمشق، اجتمع العلماء برئاسة الحافظ أبي الحجاج المزي، صاحب كتاب تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، الذي يعد من أعظم ما ألف من معاجم السنة النبوية، تحت قبة النسر في الجامع الأموي يقرؤون صحيح الإمام البخاري على نية انتصار جيشهم المتواضع على جيش التتار الجرار، وبالفعل، انحسر غبار معركة شقحب سنة ٧٠٢ هجري عن نصر مؤزر لجيش الشام على جيش التتار.

فهل الغفلة عن هذه النية كانت من جملة أسباب

الهزيمة في الحرب العالمية الأولى؟ الله أعلم

غير أن سماحة الإمام عبد الكريم عويضة اكتسب في سفرته هذه وخطبه القوية شهرة بين أرباب السلطة وصل خبرها إلى طرابلس، وحين عاد إلى بلده كلف من قبل الحكومة المحلية بإلقاء الدروس والخطب في طرابلس والأقضية حول مشاهداته في رحلته ، وبخاصة زيارته للجيش المرابط في الدردنيل.

حتى إن عزمي بك، وكان يومها والي بيروت، قال عن الشيخ:

«تالله إن عبد الكريم، هذه الذات المحترمة، تمتن دولة عثمان كلها من عمله الجليل الذي قام به في الدردنيل»،

ثم قال للمتصرف رشيد بك طليع: «ما من رجل من رجال الوفد قابلني إلا وكان يثني ثناء عاطرا على هذه الذات المحترمة مع أن المعاصرة حجاب».

ما أجمل هذه الكلمة من سياسي محنك وحاكم متميز مثل عزمي لك باني طرابلس الحديثة (المعاصرة حجاب)، نعم ، إن معاصرة الأقران لبعضهم تولد عادة عداوة خفية تنشأ عن الحسد، إلا أن الشيخ عبد الكريم نجاه الله من شرها لأنه لم ينافس أحدا على منصب، ولا مد عيناه إلى ما متع الله به غيره، ولم يسع في كل ما قام به لإرضاء بشر،. أو لتحصيل وسام أو إحسان بشهادة الوالي عزمي بك.

رحم الله العلامة الفقيه الأديب الخطيب المفوه الشيخ عبد الكريم محمد عويضة، وجزاه عن طرابلس وعن العلم خير الجزاء.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا