الخميس 10 شعبان 1441 - 2 أبريل 2020

حدث في الثالث والعشرين من شوال وفاة أبي حاتم البستي 

السبت 26 شوال 1440 - 29 يونيو 2019 314 محمد زاهد أبو غدة
حدث في الثالث والعشرين من شوال وفاة أبي حاتم البستي 

في الثالث والعشرين من شوال لسنة 354 توفي في بُست، وهو في عَشْر الثمانين من عمره، أبو حاتم البُستي محمد بن حِبَّان بن أحمد التميمي، العلامة المحدِّث والجغرافي المؤرخ.

ولد في بُست، وهي مدينة كانت عامرة بالعلماء والأدباء و اندثرت بعد الغزو المغولي، ولم يبق منها إلا بوابة هائلة توجد صورتها على العملة الأفغانية من فئة 100 أفغاني، وتسمى اليوم قلعة بست وتقع في ولاية هلمند في جنوبي أفغانستان، وهي المنطقة التي يسميها الجغرافيون المسلمون بلاد سجستان.

طلب ابن حِبَّان العلم وهو في العشرين من عمره، وتنقل في الأقطار، فرحل إلى خراسان والعراق والجزيرة والشام ومصر والحجاز، وقال ابن حبان: لعلنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ من أسبيجاب في أقصى الشرق إلى الإسكندرية، وقد أحصى ياقوت الحموي في معجم البلدان المدن التى زارها ابن حبان يطلب العلم ورواية الحديث فبلغت 43 بلدا!

وإذا استعرضنا بعضاً من أبرز شيوخ ابن حبان رأينا أنهم أعلام المحدثين في ذلك العصر وأئمة بلدانهم في الحديث، ومن أبرز شيوخه الحسين بن إدريس الـهَروي المتوفى سنة 301 وقد ناهز التسعين، ومحدث البصرة أبو خليفة الجمحى الفضل بن الحُباب المتوفى سنة 305 عن 99 عاماً، والإمام النسائي صاحب السنن أحمد بن علي المتوفى سنة 303 عن 88 عاماً، ومحدث جُرجان عمران بن موسى بن مُجاشع السِّختياني المتوفى سنة 305، ومحدث خُراسان الحسن بن سفيان النَسوي المتوفى سنة 303 عن 90 عاماً، ومحدث الموصل أبو يعلى الموصلي أحمد بن علي المتوفى سنة 307، ومسنِدُ بغداد أحمد بن الحسن الصوفي المتوفى سنة 306، ومحدث نيسابور أبو بكر بن خزيمة محمد بن إسحاق المتوفى سنة 311 عن 88 عاماً، ولازمه مدة طويلة وأخذ عنه فقه الحديث والفرائض. رحمهم الله جميعاً.

وكان ابن حِبَّان رحمه الله حريصاً في طلبه للعلم على توثيق ما يسمعه من شيوخه، وهو أمر يوجد لدى كثير من المحدثين، ولكنه عند ابن حبان رحمه الله بلغ حداً لا يتصور، حدث أحد معاصريه فقال: كنا مع أبى بكر محمد بن إسحاق بن خُزيمة في بعض الطريق من نيسابور، وكان معنا أبو حاتم البستي، وكان يسأل ابنَ خزيمة ويؤذيه - يعني يكثر ويلح في السؤال - فقال له محمد بن إسحاق بن خزيمة: يا بارد، تنحَّ عني لا تؤذني. أو كلمة نحوها، فكتب أبو حاتم مقالته تلك، فقيل له: تكتب هذا؟! فقال: نعم، أكتب كل شئ يقوله.

كان ابن حبان رحمه الله تعالى من المكثرين في تصنيف الكتب، قال عنه ياقوت الحموي: أخرج من علوم الحديث ما عجز عنه غيره، ومن تأمل تصانيفه تأمُلَ منصفٍ عَلِمَ أن الرجل كان بحراً فى العلوم.

ومن كتبه المسند الصحيح في الحديث، ورتبه ترتيباً مبتكراً على على الأوامر والنواهي، وسماه التقاسيم والأنواع، وابتدأه بباب: ما جاء في الابتداء بحمد الله تعالى. وأحاديثه الصحيحة تتميز بروايات فيها زيادات على ما روي في الصحاح، وبيَّنَ ابن حبان منهجه فيه فقال: شرطُنا في نقل ما أودعناه في كتابنا ألا نحتج إلا بأن يكون في كل شيخ فيه خمسة أشياء: الأول: العدالة في الدين بالستر الجميل. الثاني: الصدق في الحديث بالشهرة فيه. الثالث: العقل بما يحدث من الحديث. الرابع: العلم بما يحيل المعنى من معاني ما روى. الخامس: تعري خبره من التدليس. فمن جمع الخصال الخمس احتججنا به.

ومن كتبه كتاب الثقات، بيَّن فيه رواة الحديث الموثوقين، وأوضح في مقدمته منهجه فقال: فلما رأيت معرفة السنن من أعظم أركان الدين، وأن حفظها يجب على أكثر المسلمين، وأنه لا سبيل إلى معرفة السقيم من الصحيح، ولا صحة إخراج الدليل من الصريح، إلا بمعرفة ضعفاء المحدثين وكيفية ما كانوا عليه من الحالات، أردت أن أُملي أسامي أكثر المحدثين، ومن الفقهاء من أهل الفضل والصالحين، ومن سلك سبيلهم من الماضين، بحذف الأسانيد والإكثار، ولزم سلوك الاختصار، ليسهل على الفقهاء حفظها، ولا يصعب على الحافظ وعيها، واللهَ أسأل التوفيق لما أوصانا، والعونَ على ما له قصدنا، وأسأله أن يبني دار الُمقامة من نعمته ومنتهى الغاية من كرامته في أعلى درجة الابرار المنتخبين الاخيار إنه جواد كريم رؤف رحيم. وقد طبعت الكتاب في تسع مجلدات دائرة المعارف العثمانية في حيدر آباد الدكن بالهند.

وله في الحكمة والأدب وتهذيب النفس كتاب روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، قسمه إلى زهاء خمسين مطلباً، تتعلق بالعقل وما يجدر بصاحبه عمله، قال في مقدمته:

أما بعد، فإن الزمان قد تبيَّن للعاقل تغيرُهُ، ولاح للّبيب تبدلهُ، حيث يبسَ ضَرْعُهُ بعد الغَزَارة، وذبَلَ فرعُهُ بعد النَّضَارة، ونَحِلَ عوده بعد الرطوبة، وبَشِعَ مذاقه بعد العذوبة، فنبغ فيه أقوام يَدَّعون التمكن من العقل باستعمال ضد ما يوجب العقل من شهوات صدورهم، وترك ما يوجبه نفس العقل بهَجَسَات قلوبهم، جعلوا أساس العقل الذي يعقدون عليه عند المعضلات: النفاق والمداهنة، وفروعه عند ورود النائبات: حُسنَ اللباس والفصاحة، وزعموا أنَّ مَنْ أحكم هذه الأشياء الأربع فهو العاقل، الذي يجب الاقتداء به، ومن تخلف عن إحكامها فهو الأَنْوَك الذي يجب الإزورار عنه.

فلما رأيت الرَّعاع من العالم يغترون بأفعالهم والهمجَ من الناس يقتدون بأمثالهم، دعاني ذلك إلى تصنيف كتاب خفيف، يشتمل متضمنه على معنى لطيف، مما يحتاج إليه العقلاء في أيامهم، من معرفة الأحوال في أوقاتهم، ليكون كالتذكرة لذوي الحجى عند حضرتهم، وكالمعين لأولى النُّهيَ عند غيبتهم، يفوق العالمُ به أقرانه، والحافظُ له أترابه، ويكون النديم الصادق للعاقل في الخلوات، والمؤنس الحافظ له في الفلوات، إن خَصَّ به من يحب من إخوانه، لم يفتقده من ديوانه، وإن استبد به دون أوليائه، فاق به على نظرائه.

أبَيَّن فيه ما يَحْسُنُ للعاقل استعماله من الخصال المحمودة، ويقبح به إتيانه من الخلال المذمومة، مع القصد في لزوم الاقتصار، وترك الإمعان في الإكثار، ليخفَ على حامله، وتعيَه أذن مستمعه، لأن فنون الأخبار وأنواع الأشعار، إذا استقصى المجتهد في إطالتها، فليس يرجو النهاية إلى غايتها، ومن لم يرجّ التمكن من الكمال في الإكثار، كان حقيقاً أن يقنع بالاختصار.

والله الموفق للسداد، والهادي إلى الرشاد، وإياه أسأل إصلاح الأسرار، وترك المعاقبة على الأوزار، إنه جواد كريم، رءوف رحيم.

وهو في كتابه هذا روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، يورد خبراً او قولاً مأثوراً ثم يعلق عليه، ومما قاله رحمه الله في هذا الكتاب الممتع:

لو كان للحِلْم أبوان لكان أحدهما العقل والآخر الصمت، وربما يُدفع العاقلُ إلى الوقت بعد الوقت إلى من لا يُرضيه عنه الحلم ولا يقنعُه عنه الصفح؛ فحينئذ يحتاج إلى سفيه ينتصر له؛ لأن ترك الحلم في بعض الأوقات من الحلم.

البخل شجرة في النار أغصانها في الدنيا، مَنْ تعلق بغصن من أغصانها جره إلى النار، كما أن الجود شجرة في الجنة أغصانها في الدنيا، فمن تعلق بغصن من أغصانها جرَّه إلى الجنة، والجنة دار الأسخياء.

ليس خلة هي للغنيِّ مدح إلا وهي للفقير عيب؛ فإن كان الفقير حليما قيل: بليد، وإن كان عاقلا قيل: مكَّار، وإن كان بليغا قيل: مهذار، وإن كان ذكيا قيل: حديد، وإن كان صموتا قيل: عَيِيٌّ، وإن كان متأنيا قيل: جبان، وإن كان عارماً قيل: جرئ، وإن كان جواداً قيل: مسرف، وإن كان مقَدَّراً قيل: ممسك.

لولا المتفضلون مات المتجملون.

من غني قلبه غنيت يداه، ومن افتقر لم ينفعه غناه، ومن قنع لم يَتسخَّط وعاش آمناً مطمنئاً، ومن لم يقنع لم يكن له في الفوائت نهاية لرغبته، والجدِ والحرمان كأنهما يصطرعان بين العباد.

الكريم لا يكون حقوداً ولا حسوداً، ولا شامتاً، ولا باغياً، ولا ساهياً، ولا لاهياً، ولا فاجراً، ولا فخوراً، ولا كاذباً، ولا ملولا، ولا يقطع إلفه، ولا يؤذي إخوانه، ولا يضيع الحفاظ، ولا يجفو في الوداد، يعطي من يرجو، ويؤمن من لا يخاف، ويعفو عن قدرة، ويصل عن قطيعة.

ولابن حبان كتاب الصحابة في خمسة أجزاء، وكتاب التابعين في اثني عشر جزءا، وكتاب أتباع التابعين وأتباع التبع كلاهما في خمسة عشر جزءا، وغيرها كثير، وكتبه ملأى بالفوائد والملاحظات القيِّمة. وكان إلى جانب إمامته في الحديث عارفاً بالطب والفلك والكلام والفقه.

أخذ الحديث عن ابن حِبَّان خلقٌ كثير لا يحُصون، ولعل أبرزهم الحاكم النيسابوري محمد بن عبد الله صاحب المستدرك على الصحيحين، والمتوفى سنة 405 عن 84 عاماً. قال الحاكم: ورد ابن حبان نيسابور سنة 334، وحضرناه يوم جمعة بعد الصلاة فلما سألناه الحديث نظر إلى الناس وأنا أصغرهم سنا فقال: استَمْل. فقلت: نعم. فاستمليت، ثم أقام عندنا وخرج إلى القضاء إلى نَسَا أو غيرها، وانصرف إلينا سنة 337 فبنى الخانقاه في باب الرازيين وقرئ عليه جملة من مصنفاته، ثم خرج من نيسابور سنة 340 وانصرف إلى وطنه ببست وكانت الرحلة بخراسان إلى مصنفاته.

دخل ابن حبان في خصومة مع أصحاب أبي حنيفة باض فيها الشيطان وفرخ، وأدت به إلى تأليف كتابين يتحامل فيهما على الإمام الجليل وأتباعه، ودخل كذلك في خصومة أخرى مع أتباع المدرسة السلفية في الصفات عندما نفى عن الله عز وجل صفة الحدَّ، ولكن ذلك لم يقدح في إنجازاته الحديثية بل إن الأمير علي بن بلبان الحنفي قام بترتيب صحيح ابن حبان على الأبواب بدلاً من الأوامر والنواهي.

تولى ابن حبان قضاء سمرقند مدة، وفَقَّهَ الناس بسمرقند وبنى له الأمير أبو المظفر الساماني صُفّـةً لأهل العلم خصوصاً لأهل الحديث، ثم عاد إلى نيسابور، قبل وفاته بحوالي عشرين عاماً وسكنها وبنى الخانقاه وحدث بمصنفاته، ثم خرج منها إلى بلده بُست، حيث توفي في عَشر الثمانين من عمره.

جعل ابن حبان داره في بست مدرسة لأصحاب الحديث، وجعل فيها مكتبة وقفية، وجعلها تحت يد وصي ليبذلها لمن يريد نسخ شيء منها من غير أن يخرجه منه.

ومع شهرة هذا الإمام وأهمية تصانيفه لم يكن لها انتشار في بلاده سِجستان بعد وفاته ببضعة أجيال، فقد سأل الخطيب البغدادي، أحمد بن علي المتوفى سنة 463، أحد أهل سجستان، مسعود بن ناصر السِجزِّي: أكلُّ هذه الكتب موجودة عندكم، ومقدور عليها ببلادكم؟ فقال: إنما يوجد منها الشيء اليسير، والنزر الحقير.

قال الخطيب: ومثل هذه الكتب الجليلة كان يجب أن يكثر بها النسخ فيتنافس فيها أهل العلم ويكتبوها ويجلدوها إحرازا لها، ولا أحسب المانع من ذلك كان إلا قلة معرفة أهل تلك البلاد بمحل العلم وفضله، وزهدهم فيه، ورغبتهم عنه، وعدم بصيرتهم به، والله أعلم.

رحم الله ابن حبان وأجزل ثوابه.

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا