الخميس 15 ذو القعدة 1440 - 18 يوليو 2019

تعليق على مقالة موقف الشيخين البخاري ومسلم رحمهما الله

الأربعاء 23 شوال 1440 - 26 يونيو 2019 92 صلاح الدين الادلبي
تعليق على مقالة موقف الشيخين البخاري ومسلم رحمهما الله

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. 

أرسل أحد الإخوة الأعزاء لي مقالة كتبها أحد الباحثين، وطلب مني أن أكتب تعليقا، فجزاه الله خيرا على حسن ظنه بأخيه، وهذه بعض التعليقات: 

ـ قال الباحث: "قالوا: ما موقف الشيخين من الأحاديث التي اختُلف فيها رفعا ووقفا أو وصلا وإرسالا؟. قلت: موقفهما هو الترجيح بأحد وجوه الترجيح، فيتبعان الدليل في ترجيح الرفع أو الوقف، والوصل أو الإرسال، فإذا ترجح رفعُ الحديث المختلف فيه ووصْلُه أدخلاه في كتابيهما، وإن ترجح الوقف أو الإرسال لم يدخلاه، وإذا صعُب الترجيح حكما عليه بالاضطراب ورداه، وهما مجتهدان، قد يتفقان على الحكم وقد يختلفان فيه". 

أقول: 

جزى الله الكاتب خيرا، ولا شك في أن الإمامين البخاريَّ ومسلمًا هما من كبار أئمة علم الحديث الشريف المجتهدين فيه، والمجتهد إذا اجتهد وأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد. 

ـ قال الباحث: "قالوا: قد ظهر قِبلنا ناس يدَّعون أنه إذا اختُلف في الحديث رفعا ووقفا، ووصلا وإرسالا، أعلا الحديث وأسقطاه. قلت: هذا قول الجاهل بالكتابين، ولا أستبعد أن يخرج من ضئضئ هذا أقوام ينتحلون أن الراوي إذا اختُلف فيه تعديلا وجرحا، وتزكية وطعنا، أسقطه الشيخان ولم يخرجا له في كتابيهما، ومالكم تتلقفون أقوال السفهاء الساقطين، والطائشين المغفلين؟. قالوا: قد فتِن البسطاء بأمثالهم، فوددنا لو رددت عليهم. قلت: أعوذ بالله من أن أضيع وقتي وراء المبتلين بالخرق والرعونة، فاعذروني". 

أقول: 

لا أعرف أحدا قال بأنه إذا اختُلف في الحديث رفعا ووقفا أو وصلا وإرسالا بهذا الإطلاق فإن البخاري ومسلما رحمهما الله يعلان الحديث ويسقطانه. 

لا يخفى على طلاب العلم أن القول بإعلال المرفوع بالموقوف والمتصل بالمرسل مطلقا قد قال به بعض أهل الحديث، وهو وإن كان مذهبا ضعيفا فلعل بعض طلاب العلم ظن أن البخاري ومسلما كانا على هذا المذهب!. 

ومن الغريب أن يعزوه الحافظ الخطيب البغدادي المتوفى سنة 463 إلى أكثر أصحاب الحديث!، فقد قال في كتاب الكفاية عن الحديث الذي يُروى في بعض طرقه مسندا متصلا وفي بعض طرقه مرسلا: "قال أكثر أصحاب الحديث إن الحكم في هذا أو فيما كان بسبيله للمرسِل، وقال بعضهم إن كان عدد الذين أرسلوه أكثر من الذين وصلوه فالحكم لهم، وقال بعضهم إن كان من أرسله أحفظ من الذي وصله فالحكم للمرسِل، ومنهم من قال الحكم للمسنِد إذا كان ثابت العدالة ضابطا للرواية فيجب قبول خبره ويلزم العملُ به وإن خالفه غيره وسواء كان المخالف له واحدا أو جماعة، وهذا القول هو الصحيح عندنا". 

لا أشك في ضعف القول الذي عزاه الخطيب البغدادي رحمه الله إلى أكثر أصحاب الحديث، وأظنه مخطئا في هذا العزو، ولا أشك كذلك في ضعف القول الأخير الذي اعتمده. 

لكن، إذا كان أحد طلاب العلم قد قال بأن البخاري ومسلما رحمهما الله يعلان ويسقطان الحديث إذا اختُلف فيه رفعا ووقفا أو وصلا وإرسالا بهذا الإطلاق فلا ينبغي أن يُقال فيه مثل ذلك الكلام الذي لا يليق. 

كان أهل العلم يتعلمون الأدب والتواضع قبل تعلم العلم، فأسألُ المولى تعالى أن يرزقنا حسن الأدب وصحيح العلم وأن يمن علينا بالقبول. 

ـ ذكر الباحث عددا من الأمثلة لأحاديث وقع الاختلاف في روايتها رفعا ووقفا أو وصلا وإرسالا وترجح لدى الإمامين البخاري ومسلم فيها الرفع والوصل فروياها في الصحيحين مرفوعة مسندة، وكأنه يرى أنهما مصيبان في تصحيحها، وأن هذا دليل على صحة كل ما روياه في صحيحيهما مما وقع الاختلاف في إسناده من حيث الرفع والوقف أو الوصل والإرسال!. 

أقول: الشيخان رحمهما الله هما على الصواب في تصحيح تلك الأحاديث التي ذكرها، لكن لا يلزم من صواب ترجيحهما لصحتها وروايتهما لها في كتابيهما مرفوعة مسندة أن يكون كل ما صححاه مما وقع فيه الاختلاف صوابا كذلك، فالصحة إنما تُستفاد في هذا من قوة القرائن الدالة على ترجيح الرواية المسندة على ما خالفها، لا من مجرد رواية الحديث مسندا في كتابيهما، رحمهما الله تعالى وأجزل لهما المثوبة. 

ـ عندي كتاب اسمه "منهج الإمامين البخاريِّ ومسلمٍ في إعلال المرويات الحديثية"، أرى أنه تحْسُن قراءته للتعرف على منهجهما رحمهما الله في الإعلال. 

ـ وعندي بحث اسمه "أحاديث الصحيحين هل ضعَّف بعض العلماء بعضها"، أرى أنه تحْسُن قراءته لمعرفة أسماء العلماء الذين ضعَّفوا بعض الأحاديث المخرجة في الصحيحين أو أحدهما، منهم الإمام الشافعي والإمام أحمد ابن حنبل والدارقطني والبيهقي وابن عبد البر والباجي وابن الصلاح والنووي وابنُ حجر العسقلاني رحمهم الله تعالى. 

ـ ينبغي لمن يقرأ تعليقي هذا أن يعرف مقام نفسه في هذا الباب، فإن كان فيه مجتهدا فعليه أن يبحث ويجتهد ويرجح ما ظهر له صوابه ورجحانه بالدليل، وإن كان في هذا الباب مقلدا فعليه أن يجتهد في معرفة مَن هو الأعلم في هذا الباب وأن يقلده فيما يقول فيه ويتمسكَ بذلك في خاصة نفسه، لكن لا يصح له أن يوازن ويرجح بين أقوال المجتهدين. وعندي في هذا بحث اسمه "رتبة الاجتهاد ورتبة التقليد"، أرى أنه تحْسُن قراءته لمن يريد التعرف على هاتين الرتبتين وما يتعلق بهما. 

ـ وكتبه صلاح الدين الإدلبي في 19/ 10/ 1440، والحمد لله رب العالمين. 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا