الجمعة 19 صفر 1441 - 18 أكتوبر 2019

خديعة الأمن والاستقرار

الثلاثاء 15 شوال 1440 - 18 يونيو 2019 135 محمود صقر
خديعة الأمن والاستقرار

الكاتب الكبير الراحل "خالد محمد خالد" نذر قلمه للدفاع عن الحرية والديموقراطية منذ صدور كتابه في أواخر الأربعينيات "مواطنون لا رعايا"، وحتى وفاته، ولم يكن من حملة المباخر في سرادقات تمجيد الحكام، وبرغم ذلك يقرر في كتابه (لو شهدت حوارهم لقلت) المنشور عام 1994: (في الاستفتاء على رئاسة الجمهورية الثالث للرئيس مبارك أعطيته موافقتي، لا من أجل سياسة ونظام حكمه، بل أعطيتها لعزمه الجسور وإصراره الكبير على أن يرد لمصر أمنها الغائب وطمأنينتها المشردة.)

الأستاذ خالد يبرر ترشيحه لمبارك لولاية (ثالثة) وفي استفتاء (وليس انتخاب)، بدعوى أن "مبارك" هو صمام الأمن والاستقرار.

أين يا أستاذ خالد الحرية والديموقراطية والمبادئ التي نافحت عنها طيلة حياتك.؟!

تبخرت أمام استثارة غريزة الخوف.

وهذا ما يعلمه الطغاة جيدا، وهذه هي ورقتهم الرابحة، ولغتهم المفضلة في مخاطبة الشعوب المبتلاة بهم.

فالأنظمة الديكتاتورية ترتكز على ثلاث ركائز في السيطرة على الشعوب: (العاطفة-الرغبة-الرهبة).

العاطفة (حباً أو كُرهاً) تُعمي وتُصِم، أو كما يقولون: مرآة الحب عمياء.

والرغبة تحول الصحراء في عين الظمآن ماءً، وتحول الشعارات إلى مشاريع.

أما الرهبة (الخوف) فهى الورقة الرابحة، فتأثير الرهبة على تعطيل الحواس أقوى كثيرا من العاطفة والرغبة، فبتأثير الرهبة يتحول المواطن إلى فأرٍ يرى القط أسداً، وتصبح أبلغ أمانيه: جُحْر يختبئ فيه، وسقف يؤيه، وسلطة بالعصا الغليظة تحميه.

من أجل الأمن والاستقرار المزعوم، لم يضحِ المواطنون بحريتهم فقط، بل ضحوا بحقهم في التعليم والصحة وأبسط متطلبات الحياة الكريمة.

ضربت المثل بالأستاذ "خالد" لأنني أعتبره من الصفوة المفكرة، وأحسبه مخلصاً، للتأكيد على مدى تأثير خطاب الرهبة والخوف المتسلط على الشعوب المسكينة المبتلاة بالحكم السلطوي، فإذا كان هذا حال الأستاذ "خالد" فما بالك بعامة الشعب.

وعلى الضفة الأخرى من العالم نجد مفهوما مغايرا تماماً لمفهوم الأمن والاستقرار عندنا، فالأمن والاستقرار كما تُعَرِفه العلوم السياسية وكما تَعْرِفه الدول المتقدمة، فهو متلازم مع العدالة والنزاهة والمساواة والرفاه والتنمية المستدامة والحكم الرشيد.

أما الأمن والاستقرار القائم على عصا السلطة الغليظة، وعين الزعيم الساهرة على أمن الوطن، فقد أصبح زيفه وضلاله واقعا مشهوداً فيما رأيناه من تهاوي الأنظمة السلطوية، وما عانته بلادهم لا يدع مجالاً للشك في خديعة الترويج الزائف للأمن والاستقرار.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا