الخميس 10 شعبان 1441 - 2 أبريل 2020

فقه السيرة (49) حادثة الإفك

الأربعاء 9 شوال 1440 - 12 يونيو 2019 572 عمر جبه جي
فقه السيرة (49) حادثة الإفك

حاك المنافقون في هذه الغزوة حادثة الإفك، بعد أن فشل كيدهم في المحاولة الأولى لإثارة النعرة الجاهلية، فقد ألمت بالبيت النبوي هذه النازلة الشديدة والمحنة العظيمة التي كان القصد منها النيل من النبي صلى الله عليه وسلم ومن أهل بيته الأطهار. 

أخرج البخاري ومسلم حديث الإفك في صحيحيهما، وهذا سياق القصة من صحيح البخاري: قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي, فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجاب فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه. 

فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين، آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي من جَزْعِ ظَفَارٍ قد انقطع، فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت ركبت، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلهن اللحم إنما نأكل العُلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه، وكنت جارية حديثة السنة فبعثوا الجمل، وساروا فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داعٍ ولا مجيب ، فأقمت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إليَّ، فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطئ على يديها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول. 

وقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرًا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني إني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول: «كيف تيكم؟» ثم ينصرف وذلك الذي يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت فخرجت معي أم مسطح قِبَل المناصع وهو متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط، فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح وهي ابنة أبي رُهم بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي قد فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت أتسبين رجلا شهد بدرًا؟ قالت: أي هنتاه أَوَ لَمْ تسمعي ما قال؟ قلت: وما قال؟ فأخبرتني بخبر أهل الإفك فازددت مرضًا على مرضي قالت: فلما رجعت إلى بيتي ودخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم -تعني فسلَّم- ثم قال: «كيف تيكم؟» فقلت: أتأذن لي أن آتي أبويَّ؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قِبلهما، قالت: فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أبويَّ فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها قالت: فقلت: سبحان الله لقد تحدث الناس بهذا؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي. 

استشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه .

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهما حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة فأشار على رسول الله بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال: يا رسول الله أهلك وما نعلم إلا خيرًا، وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك. 

قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال: «أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك؟» قالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت عليها أمرًا أَغْمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله. فقام رسول الله فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبي ابن سلول، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي» فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. 

قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج -وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملته الحمية- فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة: لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت. 

قالت: فبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، قالت: فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويومًا، لا أكتحل بنوم، ولا يرقأ لي دمع يظنان أن البكاء فالق كبدي، قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت عليَّ امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها. 

مفاتحة الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة وجوابها له

وقد لبث الوحي شهرًا لا يوحى إليه في شأني قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: «أما بعد: يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممتِ بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه» فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قَلُصَ دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم عني فيما قال، قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم, قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم, قالت: فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن: إني والله لقد علمت، لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت إني بريئة، والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني منه بريئة لتصدقن، والله ما أجد لكم مثلاً إلا قول أبي يوسف قال: ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) [يوسف: 18]. قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزلٌ في شأني وحيًا يتلى, ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها. 

نزول الوحي ببراءة عائشة. 

قالت: فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البُرحَاء حتى أنه ليتحدر منه مثل الجُمَان من العرق، وهو في يوم شات من ثقل القول الذي يَنْزِل عليه. 

قالت: فلما سُرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُري عنه وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها: «يا عائشةُ، أما الله عز وجل فقد برأك» فقالت أمي: قومي إليه، قالت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله عز وجل. وأنزل الله: ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ  لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ  لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ  وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ  وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ  يَعِظُكُمُ اللهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ  وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآَيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ  وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) [النور: 11-20]. 

فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه -وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره-: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال فأنزل الله ( وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَّغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [النور: 22]. 

قال أبو بكر: بلى، والله إني أحب أن يغفر الله لي، فأرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا. 

قالت عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري فقال: يا زينب ماذا علمت أو رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، وما علمت إلا خيرًا، قالت: وهي التي كانت تساميني من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم, فعصمها الله بالورع وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت ممن هلك من أصحاب الإفك. 

كانت قصة الإفك حلقة من سلسلة فنون الإيذاء والمحن التي لقيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعداء الدين، وكان من لطف الله تعالى بنبيه صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين أن كشف الله زيفها وبطلانها، وسجل التاريخ بروايات صحيحة مواقف المؤمنين من هذه الفرية لا سيما موقف أبي أيوب وأم أيوب، وهي مواقف يتأسى بها المؤمنون عندما تعرض لهم في حياتهم مثل هذه الفرية، فقد انقطع الوحي، وبقيت الدروس لتكون عبرة وعظة للأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. 

أهم الآداب والأحكام التي تؤخذ من آيات الإفك

1- تبرئة السيدة عائشة رضي الله عنها من الإفك بقرآن يتلى إلى آخر الزمان, قال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ ) [النور: 11]. 

2- أن حكمة الله تعالى اقتضت أن يبزغ الخير من ثنايا الشر، فقد كان ابتلاء أسرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بحديث الإفك خيرًا لهم حيث كتب لهم الأجر العظيم على صبرهم وقوة إيمانهم قال تعالى:( لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ )[النور: 11]. 

3- الحرص على سمعة المؤمنين، وعلى حسن الظن فيما بينهم قال تعالى: ( لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ ) [النور: 12]. 

4- تكذيب القائلين بالإفك، قال تعالى: ( لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ ) [النور: 13]. 

5- بيان فضل الله على المؤمنين ورأفته بهم، قال تعالى: ( وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ ) [النور: 14]. 

6- وجوب التثبت من الأقوال قبل نشرها، والتأكد من صحتها، قال تعالى: ( وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ) [النور: 16]. 

7- النهي عن اقتراف مثل هذا الذنب العظيم أو العودة إليه، قال تعالى:( يَعِظُكُمُ اللهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ  وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآَيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )[النور:17، 18]. 

8- النهي عن إشاعة الفاحشة بين المؤمنين، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونٌَ ) [النور: 19]. 

9- بيان فضل الله سبحانه على عباده المؤمنين ورأفته بهم وكرر ذلك تأكيدًا له, قال تعالى: ( وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ) [النور: 20]. 

10- النهي عن تتبع خطوات الشيطان التي تؤدي للهلاك، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) [النور: 21]. 

11- الحث على النفقة على الأقارب وإن أساءوا قال تعالى: ( وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَّغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [النور: 22]. 

12- غيرة الله تعالى على عباده المؤمنين الصادقين ودفاعه عنهم، وتهديده لمن يرميهم بالفحشاء باللعن في الدنيا والآخرة قال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ   يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) [النور: 23-25]. 

قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآيات: 

ولو قلبت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة لم تر الله قد غلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة رضوان الله عليها، ولا أنزل من الآيات القوارع، المشحونة بالوعيد الشديد، والعقاب البليغ، والزجر العنيف، واستعظام ما ارتكب من ذلك، واستفظاع ما أقدم عليه، ما أنزل فيه على طرق مختلفة وأساليب مُفتنة، كل واحد منها كافٍ في بابه، ولو لم ينزل إلا هذه الآيات الثلاث: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ) إلى قوله: ( هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) [النور: 23-25] لكفى بها حديثًا جعل القذفة معلونين في الدارين جميعًا، وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة، وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا، وأنه يوفيهم جزاءهم الحق الذي هم أهله. 

13- بيان سنة من سنن الله الجارية في الكون وهي أن الطيبين يجعلهم الله من نصيب الطيبات، والطيبات يجعلهن من نصيب الطيبين، قال تعالى: ( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّؤونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) [النور: 26]. 

14- والناس عندما رُميت الصديقة بنت الصديق بالإفك كانوا على أربعة أقسام: 

قسم: وهو أكثر الناس، حموا أسماعهم وألسنتهم فسكتوا، ولم ينطقوا إلا بخير ولم يصدقوا ولم يكذبوا.

وقسم: سارع إلى التكذيب، وهم أبو أيوب الأنصاري وأم أيوب رضي الله عنهما، فقد وصفوه عند سماعه بأنه إفك وبرؤوا عائشة مما نسب إليها في الحال. 

أما القسم الثالث: فكانوا جملة من المسلمين لم يصدقوا ولم يكذبوا ولم ينفوه، ولكنهم يتحدثون بما يقول أهل الإفك، وهم يحسبون أن الكلام بذلك أمر هين لا يعرضهم لعقوبة الله؛ لأن ناقل الكفر ليس بكافر، وحاكي الإفك ليس بقاذف، ومن هؤلاء حمنة بنت جحش وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة. 

أما القسم الرابع: فهم الذين جاءوا بالإفك وعلى رأس هؤلاء عدو الله عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين لعنه الله وهو الذي تولى كبره. 

وقد أشار الله عز وجل إلى فضل القسم الثاني من هذه الأقسام، وأنه كان ينبغي لجميع المسلمين أن يقفوا هذا الموقف, فقال: ( لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ ) [النور: 12]. 

أما القسم الثالث: فقد أشار الله عز وجل إلى أنه ما كان ينبغي لهم أن يتحدثوا بمثل هذا الحديث حيث يقول: ( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ  وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ) [النور: 15، 16]. 

وقد أثبت الله عز وجل لأهل هذا القسم فضائلهم التي عملوها حيث أثبت لمسطح هجرته وإيمانه عندما حلف أبو بكر أنه لن ينفق على مسطح، ولن يتصدق عليه وهو من ذوي قرابته, فقال عز وجل: ( وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَّغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [النور: 22]. 

أما القسم الرابع: وهو جماعة عبد الله بن أبي الذين جاءوا بالإفك واخترعوا هذا الكذب, فقد أشار الله إلى موتهم على الكفر، وأنه لن يقبل منهم توبة، وأنه أنزل عليهم لعنته في الدنيا والآخرة حيث قال: ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) [النور: 23-25]. 

اعتذار حسان رضي الله عنه للسيدة عائشة رضي الله عنها

قد بينت الروايات أن مَنْ خاض في الإفك قد تاب ما عدا ابن أبي، وقد اعتذر حسان عما كان منه، وقال يمدح عائشة بما هي أهل له: 

رأيتك وليغفر لك الله حرة=من المحصنات غير ذات غوائل 

حصان رزان ما تزن بريبة=وتصبح غرثي من لحوم الغوافل 

وإن الذي قد قيل ليس بلائق=بك الدهر بل قيل امرئ متناحل 

فإن كنت أهجوكم كما بلغوكم=فلا رفعت سوطي إلي أناملي 

فكيف وودي ما حييت ونصرتي=لآل رسول الله زين المحافل 

وإن لهم عزًا يرى الناس دونه=قصارًا، وطال العز كل التطاول 

وقد أجمع العلماء قاطبة على أن من سب عائشة رضي الله عنها بعد براءتها براءة قطعية بنص القرآن ورماها بما اتهمت به فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن. ومن ونزلت في هذه الغزوة آية التيمم في هذه الغزوة، تنويهًا بشأن الصلاة، وتنبيهًا على عظيم شأنها، وأنه لا يحول دون أدائها فقد الماء، وهو وسيلة الطهارة التي هي أعظم شروطها، كما لا يحول الخوف وفقد الأمن من إقامتها. 

تأسيس الأمن العام الإعلامي 

الإعلام بحقائق الواقع والأحداث ، وما يتناقله الناس فيما بينهم من أخبار وشائعات ، وما يعصف بهم من عواطف ومخاوف وتمنيّات تجعل الإنسان في موقعٍ خطيرٍ يخشى فيه من الكذب والتضليل ، وتشويه الحقائق والوقائع ، وما تريده القوى المعادية من وراء ذلك تماماً مثلما تجعله في خطرٍ جسيمٍ من لون آخر وهو العيش في أوهام انتصارات لم تتحقق ، ومكاسب ونجاحات تشيع فيها الأكاذيب والأباطيل هذه من جهة، ومن جهة أخرى نجد خطر تناول أسرار الأمة ومكونات عزّتها وقوتها مسرّبة مكشوفة يتداولها العامة من الناس بفعل جهل العاملين في ميادين العمل في الاعداد ، والقدرات لمواجه العدو بخطر الكشف عن مزايا الرجال و العتاد والأوقات والخطط ، بدعوى شدّ همة المسلمين ، وتحفيزهم للتطوع والمساهمة في المجهود العام للأمة.

لقد شهدنا نماذج كثيرة وخطيرة تبيّن للمسلمين من خلال تلك المناذج الخطيرة التي كان حصادها المرّ الفشل والهزيمة ، يعقبها الخذلان واليأس ، والعزوف عن المساهمة في العمل الجماعي للأمة في بناء عزّتها وكرامتها ، وصيانة الأرواح والأوطان والحرمات من خطر العدوّ المريض المتربص بنا 

عاش المسلمون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقائع ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة النساء ، كشف له خطر الإعلام العشوائي ، والتضليل النفسي من جهة العدو، والبوح بأسرار الامة عن بساطة في التفكير ، وجهل في التحليل والتأويل .

قال تعالى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)}.

مؤكداً للمؤمنين عظمة مرجعية القرآن الحكيم في إقامة الحياة الكريمة التي يسودها العدل والاستقرار والأمان ، وتحذيراً للمؤمنين من الخضوع لمرجعية أعداء الله أيا كان موقعهم وفي أي زمان ، داعياً المؤمنين الى اتخاذ تشريع الأمن الإعلامي واسطة يواجهون بها الحرب الحرب المعادية ويحتفظون بها عمّا بحوزتهم من أسرار وأضرار من محاسن ومساوئ 

(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83

ان الأمن الإعلامي ضمان وحدة الأمة وصحتها النفسية والمعنوية

لا شك في أنّ هذه الآية تعرفنا بالمقصد الرباني وفيه الحض على تأسيس دائرة مختصة بالأمن الإعلامي لمواجهة الحرب النفسية ، تقصّي الحقائق واللجوء إلى رسول الله ﷺ وإلى المختصين العالمين ضمانة أكيدة لتحقيق الأمن الإعلامي، ودلالة واضحة على حسن التفكير ورسوخ الإيمان وإبطال النفاق

قال الفخر الرازي : اعلم أنه تعالى حكى عن المنافقين في هذه الآية نوعاً آخر من الأعمال الفاسدة وهو أنه إذا جاءهم الخبر بأمرٍ من الأمور سواء كان ذلك الأمر من باب الأمن، أومن باب الخوف، أذاعوه وأفشوه، وكان ذلك سبب الضرر من وجوه :

الأول : إن مثل هذه الإرجافات لا تنفك عن الكذب الكثير.

الثاني : أنه إذا كان ذلك من جانب الأمن زادوا فيه زيادات كثيرة، فإذا لم توجد تلك الزيادات، أورث ذلك شُبهاً للضعفاء في صدق الرسول عليه السلام، لأن المنافقين كانوا يروون تلك الإرجافات عن الرسول، وإذا كان ذلك من جانب الخوف تشوش الأمر بسبه على ضعفاء المسلمين، ووقعوا عنده في الحيرة والاضطراب فكانت تلك الإرجافات سبباً للفتنة من هذا الوجه.

الثالث : وهو أن الإرجاف سببٌ لتوفير الدواعي على البحث الشديد والاستقصاء التام، وذلك سبب لظهور الأسرار، وذلك مما لا يوافق مصلحة المدينة.

الرابع : إن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين وبين الكفار، وكان كل واحد من الفريقين في إعداد آلات الحرب، وفي انتهاز الفرصة فيه، فكل ما كان أمناً لأحد الفريقين كان خوفاً للفريق الثاني، فإن وقع خبر الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم أرجف المنافقون بذلك، فوصل الخبر بأسرع مدة إلى الكفار فأخذوا في التحصن من المسلمين، وفي الإحتراز عن استيلائهم عليهم، وإذا وقع خبر الخوف للمسلمين، بالغوا في ذلك، وزادوا فيه، وألقوا الرعب في قلوب الضعفة والمساكين، فظهر من هذا أن الإرجاف كان منشأ للفتن والآفات من كل الوجوه، ولما كان الأمر كذلك، ذمّ الله تلك الإذاعة، وذلك التشهير ومنعهم منه

قال الزمخشري:هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة في الأحوال، ولا استنباط للأمور كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمن وسلامة، أومن خوف وخلل {أَذَاعُوا بِهِ ۖ} وكانت إذاعتهم مفسدة، ولوردوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر منهم، وهم كبراء الصحابة البصراء بالأمور، أوالذين كانوا يؤمرون منهم {لَعَلِمَهُ} لعلم تدبير ما أخبروا به {الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ} الذين يستخرجون تدبيره بفطنتهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها.

وقيل : كانوا يقفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أوعلى خوفٍ واستشعارٍ فيذيعونه، فينتشر فيبلغ الأعداء فتعود إذاعتهم مفسدة {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ} وفوضوه إليهم، وكانوا كأن لم يسمعوا {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ } كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه... {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} وهوإرسال الرسول وإنزال الكتاب والتوفيق {لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ} لبقيتم على الكفر {إِلَّا قَلِيلًا } منكم أو: إلا إتباعا قليلاً

المواجهة المعنوية والسياسية والإدارية زمن الحرب 

إلى جانب الاقتصاد والإعداد والتربية والعمران والإدارة وتدبير شؤون البلاد والعباد، والنهوض بجميع المرافق العامة للأمة، لا بد من إنشاء جهاز أمني إعلامي ينتقد الشائعات والأخبار، ويتابع وقائع الأحداث في داخل البلاد وخارجها، ويُلم بما لدى العدو من إمكانات ووسائل وبرامج ومصالح، وبما يمكن أن يسعى إليه العدو من اختراق للبنية الاجتماعية للأمة، في العقيدة والسياسة والفكر والثقافة، وما يبث من أخبار وشائعات، ليُصار إلى حسن المواجهة وسد الثغرات، والرد على الأكاذيب

إن مثل هذا الجهاز الأمني الإعلامي يحمل في مهامه لونين من التوجهات :

الأول : رعاية الفكر والثقافة والإعلام في الساحة الداخلية للأمة، والعمل على بث القيم والمبادئ والوعي، ويحرك المشاعر، ويستفز الدوافع الإيمانية والأخلاقية، ويوحد بين أبناء الأمة النظر إلى الدين والوطن، والجهاد، وكيفية مواجهة التحديات، ويغرس فيهم مفهوم الصلة الصادقة والثقة بين الرعاة والرعية، ويعمل على تعميق الروابط الإدارية، ويحقق نزوع الولاء للأمة وقيادتها.

الثاني : متابعة الفكر والثقافة والإعلام في المساحات الأخرى، وعلى وجه الخصوص : ساحة القوى المعادية التي تتربص بالأمة، وتسعى لبث الفرقة، وإشاعة الفتنة، ونشر الأكاذيب، وإضعاف النفوس، وشل حركة الصلة بين الأمة وقياداتها

ومن المهم جداَ أن يبحث القادة في الأمة بشكل جاد عن الثغرات الإعلامية والاجتماعية التي تفتح الفرصة للعدولاختراق الصفوف وإحداث البلبلة وإشاعة المخاوف.......الخ 

إن وجود المنافقين ومرضى القلوب، وضعاف الإيمان، ومن غلبتهم دنياهم، يشكلون الخطر الحقيقي الذي يتهدد الأمة في وحدتها الداخلية، وفي قدرتها على مواجهة أعدائها، لذلك كله كان إنشاء جهاز الأمن الإعلامي رديفاً حقيقياً للأمن الاقتصادي والأمن السياسي والأمن العسكري.

لذلك كله يتوجب اعتماد أعظم القيم والمبادئ، واستخدام أفضل الوسائل والأساليب لبناء هذا الجهاز على أسس علمية أخلاقية، تمكن رجالاته من مواجهة جميع التحديات، ومتابعة جميع الأخبار والشائعات التي تزود الأمة بالحصانة الداخلية، وتنقل حركة الصراع إلى مواطن القوى المعادية للأمة 

إن على كل مؤمن مسلم مخلص لله والوطن والأمة أن يحذر من حرب الشائعات وتسريب الأسرار ، والقبول بفتن الأعداء الذين يثبتون الفرقة، ويشيعون الأباطل لاسقاط وحدتهم ، ومنع انتصاراتهم على أعداء الله والوطن والأمة

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا