الاثنين 23 رمضان 1440 - 27 مايو 2019

الدين ليس علماً!

الأربعاء 10 رمضان 1440 - 15 مايو 2019 51 أحمد محمد كنعان
الدين ليس علماً!

في سياق الدعوات الكثيرة التي تنادي اليوم إلى التجديد والتنوير في الإسلام، نجد أدعياء التجديد قد استهوتهم مقولة "الدين ليس علماً" وهي دعوى يريدون بها فتح الباب على مصراعيه لكي يقولوا في الدين ما شاءوا بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير، في محاولة منهم لتشكيك الأمة بدينها !

ومن أعجب مفارقات هؤلاء الأدعياء رفضهم التسليم بأن الدين علم؛ بينما نراهم – في المقابل – يؤمنون أن كل فن وجنون هو علم، بما في ذلك الرقص، والطبل والزمر !

ومن أعجب ما سمعت وشاهدت، واحداً من هؤلاء يستشهد بالآية الكريمة : (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) سورة النحل 43، فقد قال هذا الدعي : هذه الآية نزلت في مكة بين قوم أميين لا يعلمون، فنزلت الآية تطلب منهم سؤال أهل العلم لكي يعلموهم دينهم، أما نحن اليوم فلم نعد أميين، بل صرنا متعلمين نحمل أعلى الشهادات، ولم نعد بحاجة إلى من يعلمنا ديننا (؟!!)

قلت : يا حسرتاه على هذا المنطق المتهافت، وهذه الشهادات التي تزهدكم بالدين، وتجعلكم تتطاولون عليه بالهوى وحده، حتى صدق فيكم قول الحق تبارك وتعالى : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) سورة الجاثية 23 ,

وأعجب من هذا وذاك، أن تجد عامة أدعياء التجديد هؤلاء لا يجيدون قراءة آية واحدة من كتاب الله قراءة صحيحة، ومع هذا لا يتورعون عن تفسير آياته بحجج متهافتة، ذكرها بعضهم فقال :

• أن القرآن عربي، ونحن عرب، نفهم آياته، فلماذا لا نفسر ونفتي !

• القرآن نزل لكل الناس لا للعلماء وحدهم، فيجوز لكل أحد منا أن ينظر في القرآن ويعمل عقله فيه (!؟)

• الدين تجربة شخصية تخص كل إنسان على حدة، فمن حق كل إنسان أن يرى في الدين ما يلهمه عقله .

• الدين تصديق بأمور غيبية لم يقم عليها دليل علمي محسوس .

• تحويل الدين إلى علم هو ازدراء للعلم وللدين معاً .

• إن محاولة تقعيد الدين وتحويله إلى علم، ما هي إلا محاولة لاحتكار الدين، والتسلط على الناس باسم الدين !؟

وهذه كلها حجج متهافتة، لا تستحق الوقوف عندها، لظهور بطلانها وما تنطوي عليه من نيات مبطنة، وجهل فاضح، ليس بالدين وحده، وإنما جهل كذلك بقواعد العلم والمنطق والعقل .

* هل الدين علم ؟ :

ونخص بالدين الإسلام المستهدف من هؤلاء بمقولة (الدين ليس علماً) فنقول الإسلام علم لا ريب فيه، بل هو جملة من العلوم (علم التفسير، علم الحديث، علم الفقه، علم العربية، علم المقاصد، علم المآلات ..) وقد صار لكل من هذه العلوم قواعده وأصوله ومنهجه .

والادعاء بأن الإسلام ليس علماً، يرجع إلى الظن بأن العلم هو فقط العلم التجريبي، مثل علم الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا ونحوها من العلوم القائمة على التجربة .

ولن نرد على هؤلاء الأدعياء لنثبت لهم أن الإسلام علم، بل نردهم إلى عراب الحداثة الفيلسوف كارل بوبر (1902 - 1994) المقدس عند أدعياء التجديد والتنوير، فقد فرق بوبر بين "العلوم الصلبة" كالفيزياء والكيمياء .. أي العلوم القابلة للتكذيب والتصديق من خلال التجربة، وبين "العلوم الرخوة" مثل علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم التاريخ، والفلسفة .. ونحوها، أي العلوم القابلة للتأويل حسب تعبير بوبر، وبناء عليه نقول لأدعياء التنوير ارجعوا إلى رأي معلمكم "بوبر" تجدون أن الدين علم من العلوم الرخوة حسب رأي (المعلم !) هذا مع إيماننا الراسخ نحن بأن الإسلام علم أصلب عوداً وأساساً، وأرسخ قواعد من كل العلوم التي يراها معلمكم علوماً صلبة .

مصدر مقولة ليس الدين علماً :

بالعودة إلى التاريخ .. نجد أن مقولة ( الدين ليس علماً) تعود إلى ذلك الصراع المرير الذي نشب في أوروبا في القرون الوسطى بين الكنيسة والعلماء، حيث راح رجال الكنيسة يسوقون العلماء إلى المحرقة بحجة أنهم يخالفون الدين، فلما ثبت أن العلماء كانوا على حق، وأن رجال الكنيسة كانوا خاطئين، حينئذ بدأ العلماء يروجون لمقولة (الدين ليس علماً) وقد انتقلت هذه الفكرة إلى أدعياء التجديد في الإسلام مجاراة لعرابيهم من الأوروبيين، وانطلقوا يروجون للفكرة دونما وعي، ولا وازع من دين، مع علمهم بعظمة العلوم الإسلامية التي أهدت العالم جواهر الفكر والعلوم .

ونضرب على ما نقول مثالاً من أحد العلوم الإسلامية التي ينفي عنها هؤلاء الأدعياء صفة العلم، إلا وهو "علم ُأصول ِالفقه" الذي اعترف بفضله واحد من رموز التنوير العربي، هو المصري رفاعة الطهطاوي ( 1801 ـ 1873 ) الذي بعد زيارته المشهورة إلى باريس كتب يقول : (ومَنْ زاولَ علم أصول الفقه، وفَقِهَ ما اشتمل عليه من الضوابط والقواعد، جزم بأنَّ جميع الاستنباطات العقلية التي وصلت عقول أهالي باقي الأمم المتمدِّنة إليها، وجعلوها أساساً لوضع قوانين تمدنهم وأحكامهم، قلَّ أن تخرج عن تلك الأصول التي بنيت عليها الفروع الفقهية التي عليها مدار المعاملات، فما يسمى عندنا بعلم أصول الفقه يسمى ما يشبهه عندهم بالحقوق الطبيعية أو النواميس الفطرية، وهي عبارة عن قواعد عقلية، تحسيناً وتقبيحاً، يؤسسون عليها أحكامهم المدنية، وما نسميه بفروع الفقه يسمى عندهم بالحقوق والأحكام المدنية، وما نسميه بالعدل والإحسان يعبرون عنه بالحرية والتسوية) .

هكذا رأى هذا التنويري (غير الإسلامي !) أن الأمم التي أحرزت تقدماً واسعاً في الحضارة والمدنية في العصور الحديثة قد استلهمت قوانينها وأحكامها من قواعد هذا العلم الجليل، علماً بأن في تراثنا الإسلامي عشرات العلوم التي استلهم منها الآخرون قوانينهم وأحكامهم، مما اعترف بفضله كبار علمائهم ومفكريهم، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما جاء في كتاب (شمس الإسلام تشرق على الغرب) للمستشرقة ألمانية "زيغريد هونكه" وغيرها كثير .

وبعد كل هذه الحقائق يخرج علينا أدعياء التجديد والتنوير زاعمين أن الإسلام ليس علماً .

وأدهى ما في أمر هؤلاء أن دعواهم تعني التشكيك بالعلوم الإسلامية كافة، ومن ثم تشكيك الأمة بدينها، وحرمانها مما في تراثها من ثمرات عظيمة، ويكفي هنا أن نورد بعض الثمرات العظيمة التي حققها علم واحد من هذه العلوم، هو "علم أصول الفقه" لكي ندرك حجم الجريمة التي يرتكبها حمقى التجديد والتنوير في حق الأمة والدين، فمن ثمرات علم الأصول :

1 – تحديد قواعد الاجتهاد والاستنباط ، مما يغلق الباب عن عبث الجهلة وأدعياء العلم الذين رأينا من بعضهم دعاوى وفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان !

2 – الحيلولة دون تفسير نصوص الكتاب والسنة بالرأي أو الهوى، فقد ضبط تفسير النصوص، ونظمها بضوابط وقواعد كلية ترد على كل متجاوز .

3 - المحافظة على الشريعة الإسلامية، فقد صان علم الأصول أدلة التشريع، وحفظ للأحكام حُجَجَها ومُستنداتها، وبين المصادرَ الأصليةَ والفرعيةَ للتشريع حتى تحتفظَ الشريعةُ بقواعدِها .

4 - ضبط أصول الاستدلال، بالتمييز ما بين الأدلة الصحيحة، والزائفة، والضعيفة .

5- تيسير عملية الاجتهاد، وإعطاء النوازل الجديدة ما يناسبها من الأحكام .

6 – في هذا العلم نجاة وعصمة من الاختلاف الذي قد ينشأ عن الفهم المغلوط للكتاب والسنة، وبهذا العلم الفريد حصل الجمع بين المدارس الفكرية الثلاث: "مدرسة الحديث" و "مدرسة الأثر" و "مدرسة أهل الرأي" بعد ما كان بين هذه المدارس من خلاف ونفور .

7- بيان طرق الجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض، والرد على شبهات الطاعنين في ذلك .

8- إخراج أحكام الكتاب والسنة إلى حيز التنفيذ، وامتثال المسلمين للأوامر الشرعية، والبعد عما نهيَ عنه، وذلك بالفهم لتلك الأحكام وبيان دليلها من النصوص الشرعية .

9- تحقيق الملَكَةِ الفِقْهِيِةِ التي تمكن الطالب أو الفقيه من الفهم الصحيح، والإدراك الكامل الشامل للأحكام الفقهية، والاطلاع على طرق الاستنباط والاجتهاد للاستفادة منها، والقياس عليها .

10 - يقضي علم أصول الفقه على كثير من الخلاف الفقهي بين الفقهاء، ويعرف به الفقيه المقبول من المردود من الأقوال، كما يحفظ للأقوال المعتبرة قيمتها ووزنها.

11 – التأكيد على اتباع الدليل والأثر، وترك التعصب والتقليد الأعمى.

12 - منع التعصب المذهبي بين الفقهاء، لأن به يوازن الفقيه بين المذاهب والآراء الفقهية، ويعرف الأرجح والأصح، والأولى بالقبول، استناداً إلى الدليل والقواعد الأصولية .

13 - بيان ضوابط الفتوى، وشروط المفتي، وآدابه.

14 - ضبط قواعد الحوار والمناظرة، بالرجوع إلى الأدلة الصحيحة المعتبرة.

15 - حفظ العقيدة الإسلامية بحماية أصول الاستدلال والرد على الشبهات .

16 - ظهور سماحة الشريعة الإسلامية ويسرها، والاطلاع على محاسن هذا الدين .

17 - صيانة الفقه الإسلامي من الانفتاح الأهوج، ومن الجمود القاتل.

وهكذا ندرك حجم الجريمة التي يرتكبها حمقى التجديد والتنوير في قولهم (الدين ليس علماً) التي تعني التشكيك بكل ما هو إسلامي، وتشكيك الأمة بدينها، وإعطاء المبررات للأعداء لمحاربة الدين !

*****

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات