الجمعة 22 ذو الحجة 1440 - 23 أغسطس 2019

فقه السيرة (45) فاجعة بئر معونة

الأحد 7 رمضان 1440 - 12 مايو 2019 177 عمر جبه جي
فقه السيرة (45) فاجعة بئر معونة

طمع عامر بن الطفيل في المسلمين وفاجعة بئر معونة (4هـ).

عامر بن الطفيل زعيم من زعماء بني عامر كان متكبرًا متغطرسًا، طامعًا في الملك، وكان يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم سوف تكون له الغلبة على الجزيرة العربية؛ ولذلك جاء هذا المشرك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: أخيرك بين ثلاث خصال: أن يكون لك السهل، ولي أهل المدر، أو أن أكون خليفتك من بعدك أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء.

فرفض صلى الله عليه وسلم تلك المطالب الجاهلية، وجاء إلى المدينة ملاعب الأسنة سيد بني عامر عم عامر بن الطفيل وقدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم هدية، فعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام فأبى أن يسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإني لا أقبل هدية من مشرك، فقال ملاعب الأسنة: فابعث إلى أهل نجد من شئت فأنا لهم جارٌ، فبعث إليهم بقوم فيهم المنذر بن عمرو، وهو الذي يقال له المعتق ليموت أو أعتق الموت فاستجاش عليهم عامر بن الطفيل بني عامر فأبوا أن يطيعوه، وأبوا أن يخفروا ملاعب الأسنة، فاستجاش عليهم بني سليم فأطاعوه، فاتبعهم بقريب من مائة رجل رام فأدركهم ببئر معونة، فقتلوهم إلا عمرو بن أمية.

ومن حديث أنس رضي الله عنه قال: جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أن ابعث معنا رجالاً يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القراء فيهم خالي حرام، يقرأون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء، فبعثهم النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فعرضوا لهم فقتلوهم، قبل أن يبلغوا المكان، فقالوا: اللهم بلغ عنا نبينا، أنا قد لقيناك فرضينا عنك، ورضيت عنا، قال: وأتى رجل حرامًا خال أنس من خلفه فطعنه برمح حتى أنفذه، فقال حرام: فزت وربِّ الكعبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «إن إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا: اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك، فرضينا عنك ورضيت عنا».

وفي هذه الحادثة المؤلمة، والفاجعة المفجعة دروس وعبر وفوائد منها: 

1- لا بد للدعوة من تضحيات: رأينا كيف غدر حلفاء هذيل بأصحاب الرجيع من القراء، الذين أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم معلمين ومفقهين في غزوة الرجيع، وها هنا عامر بن الطفيل يغدر بالسبعين القراء، الذين استنفروا للدعوة إلى الله، والتفقيه في دين الله في مجزرة رهيبة دنيئة، وذلك في يوم بئر معونة. 

وقد تركت هذه المصائب في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم آثارًا غائرة، بعيدة الأعماق حتى إنه لبث شهرًا يقنت في صلاة الفجر، داعيًا على قبائل سليم التي عصت الله ورسوله. 

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة الصبح، في دبر كل صلاة، إذا قال: (سمع الله لمن حمده) من الركعة الأخيرة، يدعو على أحياء من بني سليم، على رعل وذكوان وعصية ويؤمِّن من خلفه ،قال أنس بن مالك رضي الله عنه: وذلك بدء القنوت وما كنا نقنت. 

لكن ذلك لم يفت في عضد المسلمين، ولا فتر من حميتهم في الدعوة إلى الله ولا كسر من عزمهم في مواصلة الدعوة وخدمة دين الله؛ لأن مصلحة الدعوة فوق الأنفس والدماء، بل إن الدعوة لا يكتب لها النصر إذا لم تبذل في سبيلها الأرواح، ولا شيء يمكن للدعوة في الأرض مثل الصلابة في مواجهة الأحداث والأزمات واسترخاص التضحيات من أجلها. 

إن الدعوات بدون قوى أو تضحيات، يوشك أن تكون بمثابة فلسفات وأخيلة تلفها الكتب وترويها الأساطير ثم تطوى مع الزمن. 

إن حادثتي الرجيع وبئر معونة تبصرنا بالمسؤولية الضخمة عن دين الله، والدعوة إليه، ووضعت نصب أعيننا نماذج من التضحيات العظيمة التي قدمها الصحابة الكرام من أجل عقيدتهم ودينهم ومرضاة ربهم.

إن للسعادة ثمنًا، وإن للراحة ثمنًا، وإن للمجد والسلطان ثمنًا، وثمن هذه الدعوة: دم زكي يهراق في سبيل الله من أجل تحقيق شرع الله ونظامه وتثبيت معالم دينه على وجه البسيطة. 

2- فزت ورب الكعبة: صاحب الكلمة حرام بن ملحان ر ضي الله عنه فعندما اخترق الرمح ظهره حتى خرج من صدره، وأصبح يتلقى الدم بيديه، ويمسح به وجهه ورأسه ويقول: (فزت ورب الكعبة) ؛ إن هذا المشهد يجعل أقسى القلوب وأعظمها تحجرًا يتأثر، ويستصغر نفسه أمام هؤلاء العظماء الذين لا تصفر وجوههم فزعًا من الموت، وإنما يعلوها البشر والسرور، وتغشاها السكينة والطمأنينة.

وهذا المنظر البديع الرائع الذي لا يتصوره العقل البشري المجرد عن الإيمان جعل جبار بن سلمى وهو الذي طعن حرام بن ملحان يتساءل عن قول حرام: فزت ورب الكعبة، وهذا جبار يحدثنا بنفسه فيقول: إن مما دعاني إلى الإسلام، أني طعنت رجلا منهم يومئذ برمح بين كتفيه فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره فسمعته يقول: فزت ورب الكعبة، فقلت في نفسي: ما فاز؟ ألست قد قتلت الرجل؟ حتى سألت بعد ذلك عن قوله، فقالوا: للشهادة فقلت: فاز لعمر الله، فكان سببًا لإسلامه. 

وهذا الموقف الخارق للعادة يدعونا للتساؤل: هل يتعرض الشهيد لألم الموت؟ 

وتأتينا الإجابة الشافية من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى في قوله: «ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة». 

فللشهيد منزلة خاصة عند الله، فجزاء الثمن الباهظ الذي يدفعه وهو روحه رخيصة في سبيل الله عز وجل, لم يبخسه أعدل العادلين حقه فكافأه مكافأة بست جوائز كل واحدة منها تعدل الدنيا بمن فيها، فعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانًا من أقاربه». 

هذا بالإضافة إلى الوسام المميز المشرف الذي يأتي به يوم القيامة، وجرحه كهيئة يوم جُرح: اللون لون الدم، والريح ريح مسك. 

كما أن حياة الشهداء لا تنتهي بمجرد موتهم، بل هم أحياء يرزقون ويتنعمون عند ربهم قال تعالى: ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) [آل عمران: 169]. 

3- عدم معرفة النبي صلى الله عليه وسلم للغيب: إن حادثتي بئر معونة والرجيع وغيرهما تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، كما دلت على ذلك أدلة أخرى منها قوله عز وجل: ( قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُّؤْمِنُونَ ) [الأعراف: 188]. 

فالله عز وجل وحده عالم الغيب، والرسل والملائكة لا يعلمون عن الغيب إلا ما علمهم ربهم عز وجل: ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ) [الجن: 26]. 

4- الوفاء بالعهد: وقع عمرو بن أمية الضمري ضي الله عنه أسيرًا في بئر معونة، ولما علم عامر ابن الطفيل أنه من مضر أطلقه، وجز ناصيته، وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه، فلما خرج عمرو قاصدا المدينة نزل في طريقه في ظلل والتقى برجلين من بني عامر، وكان معهم عقد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار، لم يعلم به عمرو بن أمية، وقد سألهما حين نزلا: ممن أنتما؟ فقال: من بني عامر، فأمهلهما، حتى ناما، عدا عليهما فقتلهما وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثؤرة من بني عامر، فيما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله، فأخبره الخبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد قتلت قتيلين لأدينَّهما».

وهذا موقف رفيع فقد ودى صلى الله عليه وسلم ذينك الرجلين العامريين الذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري لكونهما يحملان عقدًا منه صلى الله عليه وسلم، ولم يؤاخذهما بما فعل بعض أفراد قومهما، وهذا يمثل منتهى القمة في الوفاء بالعهود. 

قد كان بإمكان النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتبر عمل عمرو بن أمية جزاء من الانتقام الذي ينبغي أن يواجه به المجرمون المعتدون، ولكن ما ذنب الأبرياء حتى يؤخذوا بجريرة المعتدين من قومهم؟. 

إن التوجيهات الإسلامية الرفيعة دفعت بالمسلمين ونبيهم صلى الله عليه وسلم إلى الرقي الأخلاقي الذي لا نظير له في دنيا الناس. 

5- الصحابي الجليل عامر بن فهيرة رضي الله عنه: لما قُتل الذين ببئر معونة وأسر عمرو ابن أمية الضمري، قال له عامر بن الطفيل: من هذا؟ فأشار إلى قتيل، فقال له عمرو بن أمية: هذا عامر بن فهيرة، فقال: لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ثم وُضع.

6- مصير عامر بن الطفيل العامري: استجاب الله لدعاء نبيه صلى الله عليه وسلم فقد دعا على عامر بن الطفيل فقال: «اللهم اكفني عامرًا» فأصيب الطاغية بمرض عضال وصفه صلى الله عليه وسلم بقوله: «غدة كغدة البعير» وسماه صلى الله عليه وسلم بـ «الطاعون» وهو وصف دقيق للطاعون الدبلي الذي يتميز (بارتفاع درجة الحرارة، وتضخم العقد الليمفاوية في منطقة الأُرب وتحت الإبط وكذا تضخم الطحال وهو ما أصيب به عامر بن الطفيل حتى أصبح حبيسًا في بيت امرأة من قومه. 

لقد أصيب عامر بن الطفيل وتلاشت أحلامه بالتملك على أهل المدن في الجزيرة العربية أو خلافة النبي صلى الله عليه وسلم، وأما تلك الجيوش التي هدد النبي صلى الله عليه وسلم بها، فقد تحولت إلى آلام تحبسه في بيت امرأة قد ولى عنه الناس ونفروا منه خشية العدوى، ففقد صوابه، وصرخ بمن بقي حوله فقال: (غدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني فلان، ائتوني بفرسي، فركبه فمات على ظهر فرسه). 

هلك ذلك الجبار العنيد كالمجنون بعد أن تطاير الناس من حوله خوفًا على أنفسهم من العدوى. 

بعض الأحداث الاجتماعية المتفرقة

أولاً: زينب بنت خزيمة أم المساكين رضي الله عنها. 

هي زينب بنت خزيمة بن الحارث الهلالية، فهي من بني عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة ، وكانت تسمى في الجاهلية «أم المساكين» لإطعامها إياهم، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان على رأس واحد وثلاثين شهرًا من الهجرة، فمكثت عنده ثمانية أشهر، وتوفيت في حياته صلى الله عليه وسلم في آخر ربيع الأول على رأس تسعة وثلاثين شهرًا، ودفنت في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. 

كانت زينب بنت خزيمة تحت عبد الله بن جحش بن رئاب الذي قتل في معركة أحد شهيدًا في سبيل الله تعالى، فتزوجها صلى الله عليه وسلم إكرامًا لها بعد أن فُجعت بقتل زوجها في معركة أحد، ولم يتركها أرملة وحيدة، فكأنه كافأها صلى الله عليه وسلم على فضائلها بعد مصاب زوجها.

ثانيًا: زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة رضي الله عنها.

هي هند بنت أبي أمية حذافة بن المغيرة القرشية المخزومية، كانت زوجة ابن عمها أبي عبد الله بن عبد الأسد، وزوجها هذا هو ابن عمة الرسول صلى الله عليه وسلم برة بنت عبد المطلب، وهو أيضاً أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، وقد هاجرت أم سلمة رضي الله عنها وزوجها أبو سلمة إلى الحبشة فرارًا بدينهما من المشركين ثم رجعا إلى مكة وهاجرا إلى المدينة بعد أن هاجر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون. 

قالت أم سلمة لأبي سلمة: بلغني أنه ليس امرأة يموت زوجها وهو من أهل الجنة، ثم لم تزوج إلا جمع الله بينهما في الجنة فتعال أعاهدك ألا تزوَّج بعدي ولا أتزوج بعدك.

قال: أتطيعينني؟ قالت: نعم ، قال: إذا مت تزوجي، اللهم ارزق أم سلمة بعدي رجلاً خيرًا مني، لا يحزنها ولا يؤذيها، فلما مات قلت: من خير من أبي سلمة؟ فما لبث وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام على الباب فذكر الخطبة إلى ابن أخيها، أو ابنها فقالت: أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أتقدم عليه بعيالي، ثم جاء الغد فخطب. 

لما توفي زوجها أبو سلمة من أثر جراحات أصابته في قتاله للمشركين، وكانت تحبه وتجله، فلما مات أبو سلمة جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبا سلمة قد مات قال: «قولي: اللهم اغفر لي وله وأعقبني منه عقبى حسنة» قالت: فقلت، فأعقبني الله من هو خير لي منه محمدًا صلى الله عليه وسلم. 

قال عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما: إن أم سلمة لما انقضت عدتها خطبها أبو بكر فردته، ثم خطبها عمر فردته، فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: مرحبًا: أخبر رسول الله أني غيرى ، وأني مُصبية ،وليس أحد من أوليائي شاهدًا. 

فبعث إليها: «أما قولك: إني مصبية، فإن الله سيكفيك صبيانك، وأما قولك: إني غيرى فسأدعو الله أن يذهب غيرتك، وأما الأولياء فليس أحد منهم إلا سيرضى بي».

وفي رواية: إني امرأة قد أدبر من سني، فكانت إجابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها: «وأما السن فأنا أكبر منك» وهكذا أحسن إليها صلى الله عليه وسلم الجواب، وما كان إلا محسنًا. 

قالت أم سلمة: يا عمر (أي ابنها) قم فزوِّج رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن كثير في تعليقه على قول أم سلمة: قم يا عمر فزوج النبي صلى الله عليه وسلم: تعني قد رضيت وأذنت، فتوهم بعض العلماء أنها تقول لابنها عمر بن أبي سلمة، وقد كان ذاك صغيرًا لا يلي مثله العقد، وقد جمعت في ذلك جزءًا مفردًا بينت فيه الصواب في ذلك ولله الحمد والمنة، وأن الذي ولي عقدها عليه ابنها سلمة بن أبي سلمة وهو أكبر ولدها. 

فلما وافقت على الزواج قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أني لا أنقصك مما أعطيت فلانة رحيين وجرتين ووسادة من أدم حشوها ليف»

وكانت أم سلمة قد ولدت طفلة من زوجها أبي سلمة بعد موته، فعندما تزوجها صلى الله عليه وسلم جعل يأتيها، فإذا جاء أخذت زينب فوضعتها في حجرها لترضعها وكان صلى الله عليه وسلم حييًا كريمًا يستحي فيرجع ففعل ذلك مرارًا ففطن عمار بن ياسر رضي الله عنه وهو أخ لأم سلمة من أمها (سمية) الشهيدة التي قتلها أبو جهل، فأطلق قدميه نحو بيت أخته أم سلمة، فأخذ ابنة أخته ليسترضعها في بيته أو عند إحدى النساء، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أين زناب؟» فقالت قريبة ابن أبي أمية ووافقها عندها: أخذها عمار بن ياسر فقال صلى الله عليه وسلم: «إني آتيكم الليلة»

قالت أم سلمة: فقمت فوضعت ثفالي وأخرجت حبات من شعير كانت في جرتي، وأخرجت شحمًا فعصدته، ثم بات، ثم أصبح وقال حين أصبح: «إن بك على أهلك كرامة، فإن شئت سبّعت لك وإن أسبع لك أسبع لنسائي وإن شئت ثلثت ثم درت» قالت: ثلِّث فأقام النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام عند أم سلمة ثم قال صلى الله عليه وسلم: «للبكر سبع وللثيب ثلاث» هي مدة إقامة المتزوج عند زوجته إذا كان عنده غيرها. 

أقام صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة رضي الله عنها ثلاثة أيام سعيدة ثم رتب لها يومًا كبقية زوجاته. 

تغيير اسم برة بنت أبي سلمة ، تقول تلك الطفلة اليتيمة -رضي الله عنها-: إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم سلمة حين تزوجها واسمي برة، فسمعها تدعوني برة، فقال: «لا تزكوا أنفسكم، فإن الله هو أعلم بالبرة منكن والفاجرة، سمِّها زينب». 

فقالت أم سلمة: فهي زينب. 

والحكمة في زواج أم سلمة -كما يقول صاحب تفسير المنار-: ليس لأجل التمتع المباح له، وإنما كان لفضلها الذي يعرفه المتأمل بجودة رأيها يوم الحديبية، ولتعزيتها أي بوفاة زوجها ولا ننسى كذلك أن أم سلمة من بني مخزوم أعز بطون قريش، وهي التي كانت تحمل لواء الحرب والمواجهة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووراء هذا الزواج تفتيت حقد هذه القبيلة وتقريب قلوب أبنائها، وتحبب إليهم ليدخلوا في الإسلام بعد أن صاروا أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم. 

وفي هذا الزواج فقه النبي صلى الله عليه وسلم في البناء الداخلي للأمة، وتأدية حق الشهداء في زوجاتهم، وحق هذه الزوجات من أن ينهلن من نور النبوة ما يشاء الله أن ينهلن لكي يبلغن عن رسول الله. 

وكانت أم سلمة آخر من مات من أمهات المؤمنين، وكانت وفاتها سنة إحدى وستين، وقد روت عن رسول الله أحاديث يبلغ مسندها ثلاثمائة وثمانية وثمانين حديثًا، واتفق البخاري ومسلم على ثلاثة عشر، وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بثلاثة عشر.

لقد ساهمت في نشر العلم والحكمة عن رسول الله وبموتها انطفأ آخر مصباح من مصابيح أمهات المؤمنين طالما شع النور والهدى والعلم، فرضي الله عنها وأرضاها. 

ثالثًا: مولد الحسن بن علي رضي الله عنهما.

قال الإمام القرطبي -رحمه الله-: ولد الحسن في شعبان من السنة الرابعة وعلى هذا ولد الحسين قبل تمام السنة من ولادة الحسن، ويؤيده ما ذكره الواقدي أن فاطمة علقت بالحسين بعد مولد الحسن بخمسين ليلة. وجزم النواوي في التهذيب أن الحسن ولد لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة. 

يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لما ولد الحسن سميته حربًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أروني ابني.. ما سميتموه؟» قلت: حربًا، قال صلى الله عليه وسلم: «بل هو حسن». 

وهكذا غيَّر صلى الله عليه وسلم ذلك الاسم الحاد باسم جميل يدخل السرور والفرحة على القلب. 

فحمل المولود الجديد اسمه الجميل، وحمله صلى الله عليه وسلم بين يديه وقبله, وهذا أبو رافع يخبرنا عن ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم, يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أذن في أذني الحسن حين ولدته فاطمة بالصلاة. 

وحدثنا أبو رافع عن عقيقة الحسن فقال: لما ولدت فاطمة حسنًا قالت: ألا أعق عن ابني بدم (بكبشين؟) قال صلى الله عليه وسلم: «لا ولكن احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره من فضة على المساكين والأوفاض» وكان الأوفاض ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم محتاجين في المسجد أو الصفة، ففعلت ذلك. 

وأحب صلى الله عليه وسلم أن يقدم عقيقة الحسن، فعق عنه كبشين. 

وقد قال صلى الله عليه وسلم في العقيقة: «كل غلام مرتهن بعقيقته، يذبح عنه يوم سابعه، ويحلق رأسه ويسمى». 

رابعًا: زيد بن ثابت رضي الله عنه يتعلم لغة اليهود سنة 4هـ.

وفي هذه السنة تعلم زيد بن ثابت كتابة اليهود، فعن خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم كتابة يهود ليقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم إذا كتبوا إليه ، فتعلمه في خمسة عشر يومًا، وفي رواية أخرى أن رسول الله لما قدم المدينة ذُهب بزيد إلى رسول الله، وقالوا: يا رسول الله، هذا غلام من بني النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة، فأعجب ذلك رسول الله وقال: «يا زيد تعلم لي كتاب يهود، فإني والله ما آمن يهود على كتاب» قال زيد: فتعلمت له كتابهم ما مرت خمس عشرة ليلة حتى حذقته، وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا كتب. 

وبهذا الخبر يتضح أن للترجمان مكانة رفيعة في الدولة، إذ هو الذي يطلع على أسرار الدولة وما يأتيها من مراسلات، أو ما ترسله من مخاطبات، إذ لا يصح أن يطلع كل إنسان على تلك الكتب الصادرة والواردة لئلا تختل الدولة وتكشف أسرارها؛ ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت بتعلم لغة اليهود وتعلم زيد بن ثابت لغة يهود في خمس عشرة يوما يدل على ذكاء مفرط، وقوة حافظة، وقد كان رضي الله عنه ممن حفظ القرآن كله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أشهر كتاب الوحي بين يديه، وهو الذي تولى كتابة القرآن وحده في الصحف في عهد الصديق، وكان أحد كاتبي المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنه، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدًا بتعلم لغة اليهود وكتابتهم يدل على أن الإسلام يحبب إلى المسلم أن يتعلم لغة غيره وكتابتهم، ويتعرف على علومهم ومعارفهم ولا سيما إذا دعت لذلك ضرورة.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا