السبت 20 رمضان 1440 - 25 مايو 2019

تجربة الحرب الفيتنامية (2) متحف بقايا الحرب

الاثنين 5 رجب 1440 - 11 مارس 2019 161 محمود صقر
تجربة الحرب الفيتنامية (2) متحف بقايا الحرب

بقية القصة نستكملها بالعودة من ساحة المعركة في "كو تشي" إلى قصر الاستقلال ومتحف بقايا الحرب بمدينة "هو شي من" .

نبدأ من قصر الاستقلال الذي مَثَّلَ الفصل الأخير من الحرب ، حيث بسقوطه عام 1975 بعد انسحاب الأمريكان بثلاث سنوات انتهت الحرب وتم توحيد شطري فيتنام الشمالي والجنوبي ، وبالتبعية أعلنت الشيوعية الانتصار في حربها ضد شطرها الجنوبي الموالي للأمريكان ، ومن يومها وفيتنام جمهورية اشتراكية لا تسمح بتعدد الأحزاب ويحكمها حزب واحد ووحيد هو الحزب الشيوعي الفيتنامي حتى وقت رحلتي لها في فبراير 2019 .

أمام القصر ساحة كبيرة تتوسطها نافورة ، وعلى اليمين الدبابات التي اقتحمت القصر وقامت بإسدال الستار عن الحرب ، وبداخله وثائق وصور عن فترة المفاوضات الأخيرة لإنهاء الحرب ، وغرف قيادة العمليات والخرائط والخطط الحربية ، وغرف لأجهزة الاتصال المستخدمة أثناء الحرب ، وخلافه .

وسيرا على الأقدام لسبع دقائق في طقس رطب وحار نسبياً يمكن الوصول من قصر الاستقلال إلى متحف بقايا الحرب .

هذا المتحف حتى عام 1995 كان اسمه متحف (جرائم الحرب الأمريكية) ، وبعد تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة وإنهاء الحصار الأمريكي ، تم تغيير اسمه إلى (متحف بقايا الحرب).

وبرغم تغيير العنوان يبقى المحتوى ورسالته واضحة : (جرائم الحرب الأمريكية) . 

تتجول في المتحف من قسم لقسم ، تجد هذا يعرض نماذج من القنابل والصواريخ وكافة الأسلحة المحرمة التي استخدمها الأمريكان ضد الفيتناميين ، وهذا قسم يعرض الخراب والدمار الذي تعرضت له البلاد نتيجة إسقاط آلاف الأطنان من القنابل ، ومنها ما سقط على مدارس وجامعات ومستشفيات وبيوت وجسور ، وهذا يعرض لأبشع أنواع القتل التي كان يمارسها الأمريكان ، فتلك صورة لدبابة تسحل وراءها مقاتليين وأسرى فيتنامين تم ربطهم في مؤخرتها ، وتلك صورة لجندي آخر يحمل أشلاء مقاتل فيتنامي وهو يبتسم للكاميرا ، وأخرى لجندي يحمل رأسا مقطوعة ... ، وقسم يعرض للتشوهات التي أصابت أجيالا من الفيتناميين جراء الأسلحة المحرمة والغازات السامة التي استخدمها الأمريكان ، وقسم يعرض مواقف شعوب العالم الداعمة لنضال شعب فيتنام ، ومنها صورة لمؤتمر معقود في القاهرة لنصرة قضية فيتنام ، وصورة أخرى لمظاهرة في مدينة حلب ، بخلاف الكثير من شعوب العالم بما فيها جزء من الشعب الأمريكي نفسه .

وقسم حول اتفاقية باريس للسلام التي مهدت للانسحاب الأمريكي من فيتنام .

وأخيرا قسم يصور كيف حاولت حكومة فيتنام الجديدة بعد انتهاء الحرب وتوحيد فيتنام الجنوبية مع الشمالية ، إعادة تأهيل الشعب الفيتنامي لمرحلة البناء ، فقد خلفت الحرب ملايين القتلى والجرحى والمعاقين والمشردين ، هذا بخلاف ملف كبير للمتعاونين مع الاحتلال الأمريكي من أهل فيتنام وخاصة الجنوبيين ، وقد هاجر منهم إلى الولايات المتحدة أعداد كبيرة مازالت تشكل جالية لها وزنها في الولايات المتحدة .

تعلمت من خلال هذه الجولة البانورامية لحرب فيتنام ، أن أمريكا والغرب بنوا نهضة بلادهم على سرقة شعوب العالم والاعتداء عليها .

وتعلمت أن الأشرار يتعلمون من أخطائهم أكثر مما يتعلم الطيبون ؛ الحكومات الشريرة تعلمت أن المواجهة بالغزو الناعم أو بحكام محليين بالوكالة أقل كلفة من المواجهة المباشرة ، وبإمكانه أن يحقق نفس الأغراض ، وإن كان ولابد من المواجهة المباشرة فلماذا يقف المعتدي في جانب والعالم كله في جانب آخر كما حدث للأمريكان في فيتنام .؟

إذًا لتكن الحرب باسم تحالف دولي ، وتحت أسماء مطاطة من عينة مكافحة الإرهاب .؟

تعلمت أن الحماسة والإخلاص للوطن أو الفكرة - وحتى البطولة النادرة - وحدها لا تكفي في تحقيق النصر ، ولكنها مجرد رقم في معادلة معقدة لها حسابات متشَعِّبَة ، فالبطولة النادرة التي أبداها المقاتلون الفيتناميون كان وراءها تخطيط ودعم لا متناهي بالعتاد من روسيا والمقاتلين من الصين ، مع توفر عمق استراتيجي في دول الجوار مثل كمبوديا .

فكما كانت فيتنام ضحية صراع الدول الكبرى ، كان انتصارها أيضاً جزءًا من تضارب المصالح بين تلك القوى .

تعلمت أن دولنا العربية والإسلامية التي عانت من جرائم أمريكا وروسيا والغرب لم تُقِم في بلادنا متحفاً لجرائم الحرب لأن إرادتها مازالت مسلوبة .

وتخيلت لو أن الشطر الجنوبي كان هو المنتصر وهو مَنْ قام بإنشاء هذا المتحف ، هل كانت ستصلني نفس الرسالة التي أوصلها لي الشمال الشيوعي المنتصر ، أم أن الجنوب كان سيعرض الفظائع التي ارتكبها الشماليون ومعهم الشيوعيون وعلى رأسهم السوفييت والصينيون .؟

إن لكل حدث عدة أوجه ترسم مشهده الكامل ، ولكن التاريخ يكتبه المنتصر وهو من يختار الوجه المعروض للمشاهدة ، وينبغي على المشاهد الواعي أن يستحضر بذهنه رؤية المشاهد المحجوبة ليتمكن من إصدار أحكام واعية .

وأخيرا لفت نظري لوحة من داخل المتحف مكتوب عليها أن من أغراض إنشاء هذا المتحف توعية الأجيال القادمة للحيلولة دون تكرار هذه الحروب .

فهل استفاد البشر .؟!

الواقع أن المعتدي لم يتوقف عن الاعتداء ، وأن المعتَدىٰ عليه مازال يحلم بالسلام دون بذل جهد واستعداد في عالم يحكمه صاحب المخلب والناب .

في ختام الزيارة كتبت في دفتر الزيارة تمنياتي للشعب الفيتنامي وسائر شعوب العالم بالأمن والسلام ، برغم معرفتي بأنها أمنية حالمة لم ولن تتحقق .

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا