الأربعاء 15 رجب 1440 - 20 مارس 2019

فقه السيرة (38) تداعيات غزوة بدر ونتائجها

الخميس 23 جمادى الآخرة 1440 - 28 فبراير 2019 48 عمر جبه جي
فقه السيرة (38) تداعيات غزوة بدر ونتائجها

 

الخلاف في الأنفال

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرًا فالتقى الناس فهَزَم الله تبارك وتعالى العدو، فانطلقت طائفةٌ في آثارهم يهزمون ويقتلون ، فأكبت طائفةٌ على العسكر يحوونه ويجمعونه وأحدقت طائفةٌ برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها فليس لأحدٍ فيها نصيبٌ، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: وخفنا أن يصيب العدو منه غرة واشتغلنا به فنزلت: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُلِ الأنفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ) [الأنفال: 1] فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على فواق بين المسلمين.

وفي رواية: قال عبادة بن الصامت عن الأنفال حين سُئل عن الأنفال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله تبارك وتعالى من أيدينا فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه رسول الله فينا عن بَوَاء يقول: على السواء.

وهذا العرض الرباني يؤكد حقيقةً أكبر من النصر ومن الظفر على المشركين أعداء الله، يؤكد أن صلاح ذات البين، والانتصار الحقيقي على مسارب النفوس ومشارب القلوب، هو أكبر في ميزان الله، وهي الأعظم في ميزان الله، ولا جدوى من نصرٍ يعقبه صراعٌ في الصف، واختلافٌ في القلوب.

ففي هذه الآية كما رأينا إرشادٌ للمسلمين إلى حسن الموازنة، ( فالوحدة ونبذ الشقاق مقدمٌ على كل المكتسبات المادية ) ، لأن المكتسبات المادية تذهب ويأتي غيرها، أما فساد ذات البين فهو الحالقة التي تحلق الدين، وتدمر مكتسبات الأمة.

ومن عدل النبي صلى الله عليه وسلم في تقسيم الغنائم إعطاؤه من هذه الغنيمة من تخلف بأمر رسول الله لمهام أوكلها إليهم ، فضرب لهم بسهمهم من الغنيمة وبأجرهم فكانوا كمن حضرها فكان صلى الله عليه وسلم يراعي ظروف الجنود التي تمنعهم من المشاركة في القتال، لأن الله تعالى لم يكلف عباده شيئًا فوق طاقتهم قال تعالى: ( لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا )[البقرة: 286]. 

ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكلف المسلمين فوق طاقتهم سواء كان ذلك في السلم أو الحرب، وفي غزوة بدر أعفى النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة؛ لأن ظروفهم الأسرية تتطلب منهم القيام عليها ورعايتها، فقد أعفى عثمان بن عفان رضي الله عنه من الخروج يوم بدر؛ لأن زوجته رقية كانت مريضة وبحاجة إلى من يرعى شؤونها، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه...»

وأمر صلى الله عليه وسلم أبا أمامة بالبقاء عند أمه حيث كانت مريضة وهي بحاجة إليه، فعن أبي أمامة بن ثعلبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرهم بالخروج إلى بدر وأجمع الخروج معه، فقال له خاله أبو بردة بن نيار: أقم على أمك، يا ابن أختي. فقال له أبو أمامة: بل أنت فأقم على أختك، فذكرا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأمر أبا أمامة بالمقام على أمه وخرج بأبي بردة، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وقد توفيت فصلى عليها، إن هذه الأخلاق الرفيعة ومراعاة شعور الجنود وأحوالهم العائلية تولد قوة ترابط بين القيادة والجنود، وتدخل تحت مفهوم فقه التمكين، وقد مارسه الرسول صلى الله عليه وسلم في أعلى صوره. 

ومن الصحابة الذين كانت لهم مهمات خاصة أو أصيبوا أثناء الطريق فردهم الرسول صلى الله عليه وسلم: 

1- أبو لبابة: استخلفه على المدينة. 

2- عاصم بن عدي: أرسله صلى الله عليه وسلم في مهمة لأهل العالية في المدينة. 

3- الحارث بن حاطب: أرسله صلى الله عليه وسلم في مهمة إلى بني عمرو بن عوف. 

4- الحارث بن الصمة: وقع أثناء الطريق فكسر فرُد. 

5- خوَّات بن جبير: أصابه في الطريق حجر في ساقه فرده من الصفراء. 

وكذلك أعطى لورثة الشهداء وذويهم نصيبهم من الغنائم؛ وبذلك كان للإسلام السبق في تكريم الشهداء ورعاية أبنائهم وأسرهم من قرابة أربعة عشر قرنًا. 

نزول سورة الأنفال . 

قال تعالى: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُلِ الأنفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ  إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ  الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ  أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) [الأنفال: 1-4]. 

جاء في الأساس في التفسير : لقد خلد الله سبحانه وتعالى ذكرى غزوة بدر في سورة الأنفال، وجاءت مفصلة عن أحداثها وأسبابها ونتائجها ، وتعرضت الآيات الكريمة لعلاج النفس البشرية وتربيتها على معاني الإيمان العميق والتكوين الدقيق، فبدأت السورة بتبيان حكم أثر من آثار القتال وهو الغنائم، فبينت أن هذه الغنائم لله وللرسول، فالله هو مالك كل شيء، ورسوله هو خليفته، ثم أمر الله المؤمنين ثلاثة أوامر: بالتقوى، وإصلاح ذات البين، والطاعة لله والرسول صلى الله عليه وسلم، وهي أوامر مهمة جدًّا في موضوع الجهاد، فالجهاد إذا لم ينشأ عن تقوى فليس جهادًا، والجهاد يحتاج إلى وحدة صف، ومن ثم فلا بد من إصلاح ذات البين، والانضباط هو الأساس في الجهاد، إذ لا جهاد بلا انضباط، ثم بين الله عز وجل أن الطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم علامة الإيمان. 

ثم حدد الله عز وجل صفات المؤمنين الحقيقيين، وهذا الوصف والتحديد مهمان في موضوع الجهاد الإسلامي؛ لأن الإيمان الحقيقي هو الذي يقوم به الجهاد الإسلامي، لقد حدد الله عز وجل صفات المؤمنين: بأنهم إذا ذكر الله فزعت قلوبهم وخافت وفرقت وإذا قرئ عليهم القرآن ازداد إيمانهم ونما. 

والصفة الثالثة: هي التوكل على الله، فلا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه.

والصفة الرابعة: إقامة الصلاة والمحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها. 

والصفة الخامسة: الإنفاق مما رزقهم الله.

ثم بين الله -عز وجل- أن المتصفين بهذه الصفات هم المؤمنون حق الإيمان، وأن لهم عند الله منازل ومقامات ودرجات في الجنات، وأن الله يغفر لهم السيئات، ويشكر الحسنات، وبهذا تنتهي مقدمة السورة بعد أن رفعت الهمم لكل لوازم الجهاد، ونفت كل عوامل الخذلان، من اختلاف على غنائم، أو خلاف بسبب شيء داعية إلى الطاعة، والارتفاع إلى منازل الإيمان الكامل.

الأسرى.

قدم رسول الله المدينة من بدر، ووصل الأسرى إلى المدينة في آخر النهار، ولَمّا استقرَّ المقام للمسلمين بالمدينة استشار النبي أصحابه فقال: «ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟» .

فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله قومك وأهلك استبْقِهم واستَأْنِ بهم، لعل الله أن يتوب عليهم. 

قال عمررضي الله عنه : يا رسول الله كذّبوك وأخرجوك وقاتلوك، قرّبهم واضرب أعناقهم. 

وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر وادياً كثير الحطب فأدخلهم به ثم أضرمهُ عليهم ناراً. 

فدخل رسول الله ولم يرد عليهم شيئاً.

فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذُ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. 

فخرج عليهم فقال: «إنّ الله لَيُلَيّنُ قلوب رجال فيه حتى تكون ألْينَ من اللبن، وإنَّ الله لَيُشدَّ قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإنّ مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال: فَمنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ[إبراهيم/36] ،ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال:إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[المائدة/118].وإنَّ مثلك يا عمر كمثل نوح قال:

رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً[نوح/26] وإنَّ مثلك يا عمر كمثل موسى قال: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ[يونس/88] أنتم عالة، فلا يبقينَّ أحدٌ إلاّ بفداء أو ضربة عنق.

قال عمر رضي الله عنه : فلما كان من الغد جئت فإذا رسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت يا رسول الله: أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبكي للذي عرض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء، ولقد عُرِض عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة» -شجرة قريبة من نبي الله صلى الله عليه وسلم- وأنزل الله عز وجل: ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ) إلى قوله: ( فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا ) [الأنفال: 67-69] فأحل الله لهم الغنيمة.

قال عبد الله بن مسعود: فقلت: يا رسول الله، إلا سهيل بن بيضاء فإنه يذكر الإسلام قال: فسكت، فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علي حجارة من السماء في ذلك اليوم، حتى قال: إلا سهيل بن بيضاء فأنزل الله ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ) إلى آخر الآية. 

وهذه الآية تضع قاعدة هامة في بناء الدولة حينما تكون في مرحلة التكوين والإعداد، وكيف ينبغي ألا تظهر بمظهر اللين، حتى تُرْهَب من قبل أعدائها، وفي سبيل هذه الكلية يطرح الاهتمام بالجزئيات حتى ولو كانت الحاجة ملحة إليها. 

وكان عليٌّ يقول: أتى جبريل إلى النبي يوم بدر يُخْيّره في الأسرى أنْ يضرب أعناقهم، أو يأخذ منهم الفداء، ويُستَشْهدُ منكم في قابل عدّتهم، فدعا رسول الله أصحابه فقال: «هذا جبريل يُخيّركم في الأسرى بين أن نضرب رقابهم، أو نأخذ منهم الفدية ويستشهد منكم في قابل عدّتهم»، قالوا: بل نأخذ الفدية ونستعين بها، ويستشهد منا فندخل الجنّة، فقبل منهم الفداء، وقُتل في قابل عدّتهم بأُحُد.

حكم رسول الله في الأسرى.

قتل اثنين من الأسرى لشدة إيذائهما وعداوتهما لله ولرسوله وللمسلمين وهما شيطانا قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط. 

- إطلاق الفقراء إذ مَنّ رسول الله بإطلاق الفقراء الذين لا مال عندهم من الأسرى بدون مقابل، ومنهم: أبو عزّة الشاعر، واشترط عليه أن لا يُظاهر عليه أحداً.

- تعليم عشرة من أبناء الصحابة لمن يعلم القراءة والكتابة والحساب، ويكون ذلك مقابل إطلاقه، وكان من الصبيان زيد بن ثابت الأنصاري الذي تعلّم على يد أحد الأسرى.

وقبول النبي صلى الله عليه وسلم تعليم القراءة والكتابة بدل الفداء في ذلك الوقت الذي كانوا فيه بأشد الحاجة إلى المال يرينا سمو الإسلام في نظرته إلى العلم والمعرفة، وإزالة الأمية، وليس هذا بعجيب من دين كان أول ما نزل من كتابه الكريم: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ  خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ  اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ  الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ) [العلق: 1-4]. واستفاضت فيه نصوص القرآن والسنة في الترغيب في العلم وبيان منزلة العلماء، وبهذا العمل الجليل يعتبر النبي صلى الله عليه وسلم أول من وضع حجر الأساس في إزالة الأمية وإشاعة القراءة والكتابة، وأن السبق في هذا للإسلام .

-أخذ الفدية من الَّذِين يملكون المال، وكان فداؤهم أربعة آلاف أو ثلاثة آلاف، أو ألفان، أو ألف درهم بحسب قدراتهم المالية.

حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم لجوار المطعم بن عدي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر: «لو كان مُطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له». 

وهذا الحديث تعبير عن الوفاء والاعتراف بالجميل، فقد كان للمطعم مواقف تذكر بخير، فهو الذي دخل الرسول صلى الله عليه وسلم في جواره حينما عاد من الطائف، كما كان من أشد القائمين على نقض الصحيفة يوم حُصِرَ المسلمون وبنو هاشم. 

فقه الموازنات في قضية الأسرى .

في قضية الأسرى رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يستشير الصحابة في أمرهم ليتوصل إلى أكثر الأمور تحقيقاً للمصلحة، فكان رأي الفاروق أن يقتلوا جميعاً لأن ذلك يحقق مصلحةً كبيرةً للدولة الإسلامية وهذه المصلحة تتمثل في إرهاب العدو، وإظهار أن الدولة الإسلامية قوية الجانب لا تتهاون مع المجرمين والمفسدين في الأرض، ومن المصالح أيضاً التخلص من صناديد الكفر كيلا يقفوا عائقاً أمام الدولة الإسلامية.

وكان رأي الصديق رضوان الله عليه يميل إلى الرفق بهم لأن في ذلك تحقيق مصالح تربو على مصلحة قتلهم والتخلص منهم، فمن هذه المصالح الكسب المادي الذي تحصله الدولة الإسلامية من فداء الأسرى لأن الدولة بحاجةٍ ماسةٍ للمال، ومن المصالح إعطاء فرصة لهؤلاء الكفرة ليتفكروا فيما أقدموا عليه من عداوةٍ للإسلام وما قابلهم به رسول الله من حسن معاملةٍ إذ هم أهله وعشيرته، لعل ذلك يعيدهم إلى جادة الصواب، ويهديهم إلى اتباع الدين الحق، وهذا ما حصل مع الأيام، إذ دخل عددٌ منهم في الإسلام.

ولقد هوى الرسول رأي الصديق لما يحققه من مصالح، وأضاف إليها مصالح أخرى تتمثل في جعل فداء من لا يملك الفداء من الأسرى تعليم أولاد الأنصار الكتابة؛ وبذلك شرع الأسرى يعلمون غلمان المدينة القراءة والكتابة، وكل من يعلم عشرة من الغلمان يفدي نفسه

ولكن القرآن نزل بترجيح الرأي القائل بقتل الأسرى، لأن دولة المسلمين في مرحلة التكوين والإعداد، وينبغي ألا تظهر بمظهر اللين، حتى تُرْهَب من قبل أعدائها، وفي سبيل هذه الكلية يطرح الاهتمام بالجزئيات حتى ولو كانت الحاجة ملحة إليها.

يقول سيد قطب رحمه الله: "لقد كانت غزوة بدر هي المعركة الأولى بين المسلمين والمشركين، وكان المسلمون ما يزالون قلةً والمشركون ما يزالون كثرة، وكان نقص عدد المحاربين من المشركين مما يكسر شوكتهم ويذل كبرياءهم ويعجزهم عن معاودة الكرة على المسلمين، وكان هذا هدفاً لا يعدله المال الذي يأخذونه مهما يكونوا فقراء، وكان هنالك معنى آخر يراد تقريره في النفوس وتثبيته في القلوب ذلك هوالمعنى الكبير الذي عبر عنه عمر – رضي الله عنه – في صرامةٍ ونصاعةٍ وهو يقول: "وحتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين"، لهذين السببين البارزين نحسب – والله أعلم – أن الله سبحانه كره للمسلمين أن يأخذوا الأسرى يوم بدرٍ وأن يفادوهم بالمال".

ولكن مع ذلك أقرت الآيات المتلاحقة ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، مع كونه مفضولاً في هذه المرحلة.

ويذكر ابن حجر رحمه الله أن بعض السلف رأى تصويب رأي أبي بكرٍ لأنه: "وافق ما قدر الله في نفس الأمر ولما استقر عليه الأمر، ولدخول كثيرٍ منهم في الإسلام إما بنفسه وإما بذريته التي ولدت بعد الوقعة، ولأنه وافق غلبة الرحمة على الغضب كما ثبت ذلك عن الله في حق من كتب له الرحمة، وأما العتاب على الأخذ ففيه إشارةٌ إلى ذم من آثر شيئاً من الدنيا على الآخرة ولو قل". 

إن طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الأسرى مبنية على موازناتٍ دقيقة وخاصةً في التعامل مع أصناف الأسرى، فالأغنياء منهم يأخذ منهم الفداء تقويةً للدولة الإسلامية بمالهم، والطواغيت منهم يقتلون كسراً لشوكة الكافرين وإرهاباً لمن وراءهم، والمتعلمون منهم يعلمون أولاد المسلمين ليرفع الأمية عن المجتمع المسلم، والضعفاء الذين لا شوكة لهم يمن عليهم بالفداء طمعاً في إسلامهم، وبالتالي فالإمام المسلم مفوضٌ في أمر الأسرى على أن يكون الاختيار مبنياً على مصلحة المسلمين العامة.

حسن معاملة الأسرى .

لما رجع صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فرَّق الأسرى بين أصحابه، وقال لهم: «استوصوا بهم خيرًا» وبهذه التوصية النبوية الكريمة ظهر تحقيق قول الله تعالى: ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ) [الإنسان: 8] ، فهذا أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير يحدثنا عما رأى قال: كنت في الأسرى يوم بدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالأسارى خيرًا»، وكنت في نفر من الأنصار فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر، وأطعموني البُرَّ لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم. 

وهذا أبو العاص بن الربيع يحدثنا قال: كنت في رهط من الأنصار جزاهم الله خيرًا، كنا إذا تعشينا أو تغدينا آثروني بالخبز وأكلوا التمر ، والخبز معهم قليل، والتمر زادهم, حتى إن الرجل لتقع في يده كسرة فيدفعها إليَّ، وكان الوليد بن الوليد بن المغيرة يقول مثل ذلك ويزيد، وكانوا يحملوننا ويمشون. 

كان هذا الخلق الرحيم الذي وضع أساسه القرآن الكريم في ثنائه على المؤمنين، وذكر به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فاتخذوه خلقًا، وكان لهم طبيعة، قد أثر في إسراع مجموعة من أشراف الأسرى وأفاضلهم إلى الإسلام، فأسلم أبو عزيز عقيب بدر بُعيد وصول الأسرى إلى المدينة وتنفيذ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأسلم معه السائب بن عبيد بعد أن فدى نفسه، فقد سرت دعوة الإسلام إلى قلوبهم، وطهرت نفوسهم، وعاد الأسرى إلى بلادهم وأهليهم يتحدثون عن محمد صلى الله عليه وسلم ومكارم أخلاقه، وعن محبته وسماحته، وعن دعوته وما فيها من البر والتقوى والإصلاح والخير. 

إن هذه المعاملة الكريمة للأسرى شاهد على سمو الإسلام في المجال الأخلاقي، حيث نال أعداء الإسلام في معاملة الصحابة أعلى درجات مكارم الأخلاق، التي تتمثل في خلق الإيثار. 

فداء العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم.

بعثت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أسراهم، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا، وقال العباس: يا رسول الله قد كنت مسلمًا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول فإن الله يجزيك، وأما ظاهرك قد كان علينا فافتد نفسك وابني أخيك نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفك عتبة بن عمرو أخي بني الحارث بن فهر» قال: ما ذاك عندي يا رسول الله قال: «فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل؟ فقلت لها: إن أصبت في سفري هذا، فهذا المال الذي دفنته لبني الفضل وعبد الله وقثم» قال: والله يا رسول الله إني لأعلم أنك رسول الله، إن هذا الشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذاك شيء أعطانا الله تعالى منك» ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه، فأنزل الله عز وجل فيه: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَنْ فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأسْرَى إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُّؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  وَإِن يُّرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) [الأنفال: 70، 71]. قال العباس: فأعطاني الله مكان العشرين أوقية في الإسلام عشرين عبدًا كلهم في يده مال يضرب به مع ما أرجو من مغفرة الله عز وجل. 

هذا والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذه الآية الكريمة، وإن كانت نزلت في العباس، إلا أنها عامة في جميع الأسرى. 

استأذن بعض الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا العباس فداءه، قال: «والله لا تذرون منه درهمًا» أي لا تتركوا للعباس من الفداء شيئًا، ويظهر أدب الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قولهم لرسول الله: ابن أختنا لتكون المنة عليهم في إطلاقه بخلاف لو قالوا: (عمك) لكانت المنة عليه صلى الله عليه وسلم، وهذا من قوة الذكاء وحسن الأدب في الخطاب، وإنما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن إجابتهم لئلا يكون في الدين نوع محاباة. 

وهنا يتعلم الأسرى والمسلمون أيضا درسًا بليغًا في عدم محاباة ذوي القربى، بل كان الأمر على خلاف ذلك، فقد أغلا رسول الله الفداء على عمه العباس. 

ورجع العباس لمكة، وقد دفع فداءه وابْنَيْ أخويه، وأخفى إسلامه، وأصبح يقود جهاز استخبارات الدولة الإسلامية بمكة بمهارة فائقة، وقدرة نادرة حتى انتهى دوره في فتح مكة، فأعلن إسلامه قبلها بساعات.

أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم.

قالت عائشة رضي الله عنها: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص بن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت لخديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها، قالت: فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رقَّ لها رقة شديدة، وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذي لها فافعلوا»، فقالوا: (نعم يا رسول الله, فأطلقوه وردوا عليها الذي لها)

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ عليه، أو وعده أن يخلي سبيل زينب إليه، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلاً من الأنصار فقال: «كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتيا بها»

إن أبا العاص بن الربيع زوج زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُعرف عنه قط موقف في مقاومة الدعوة بأي لون من ألوانها، وقد كفَّ يده ولسانه عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشغله ماله وتجارته وحياؤه من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مواقف الشراسة القرشية في مقاومة الدعوة إلى الله، وفي بدر كان أبو العاص صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين الأسرى الذين لم يسمع لهم في المعركة صوت، ولم يعرف لهم رأي، ولا شوهدت لهم في قتال جولة، وبعد أن بدأت قريش تفدي أسراها، أرسلت السيدة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجة أبي العاص بمال تفديه به، ومع المال قلادة كانت أمها السيدة خديجة رضي الله عنها أهدتها إليها فأدخلتها بها على زوجها للتحلي بها، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلادة ابنته رقَّ لها رقة شديدة، إذ كانت هذه القلادة الكريمة مبعث ذكريات أبوية عنده صلى الله عليه وسلم، وذكريات زوجية، وذكريات أسرية، وذكريات عاطفية، فالنبي صلى الله عليه وسلم أب، له من عواطف الأبوة أرفع منازلها في سجل المكارم الإنسانية وأشرفها في فضائل الحياة, فتواثبت إلى خبايا نفسه الكريمة المكرمة أسمى مشاعر الرحمة، وتزاحمت على فؤاده الأطهر عواطف الحنان والحنين، فتوجه إلى أصحابه متلطفـًا يطلب إليهم في رجاء الأعز الأكرم ، رجاء يدفعهم إلى العطاء ولا يسلهم حقهم في الفداء لو أنهم أرادوا الاحتفاظ بهذا الحق وهو في أيديهم يملكون التصرف فيه، فقال لهم: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا»

وهذا أسلوب من أبلغ وألطف ما يسري في حنايا النفوس الكريمة، فيطوعها إلى الاستجابة الراغبة الراضية رضاء ينم عن الغبطة والبهجة. 

إن هذا الموقف وما يظهر منه من مظاهر الرحمة والعطف منه صلى الله عليه وسلم على ابنته، يحمل في طياته مقصدًا آخر وهو أنه كان يتألف صهره للإسلام بذلك، لما عرف عنه من العقل السديد، والرأي الرشيد، فقد كان صلى الله عليه وسلم يثني عليه وهو على شركه بحسن المعاملة. 

نتائج غزوة بدر 

1- كان من نتائج غزوة بدر أن قويت شوكة المسلمين، وأصبحوا مرهوبين في المدينة وما جاورها، وأصبح على من يريد أن يغزو المدينة أو ينال من المسلمين أن يفكر ويفكر قبل أن يقدم على فعلته، وتعززت مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، وارتفع نجم الإسلام فيها، ولم يعد المتشككون بالدعوة الجديدة والمشركون في المدينة يتجرؤون على إظهار كفرهم وعداوتهم للإسلام؛ لذا ظهر النفاق والمكر والخداع، فأعلن فريق منهم إسلامهم ظاهرًا أمام النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، فدخلوا في عداد المسلمين، وأبقوا على الكفر باطنًا، فظلوا في عداد الكفار، فلا هم مسلمون مخلصون في إسلامهم، ولا هم كافرون ظاهرون بكفرهم وعداوتهم للمسلمين، قال تعالى: ( مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إلى هَؤُلاَءِ وَلاَ إلى هَؤُلاَءِ وَمَن يُّضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً )[النساء: 143], ومن أجل هذا الموقف المتذبذب شنع الله عليهم، وسمّع بهم في كثير من آياته، وتوعدهم بأشد أنواع العذاب، قال تعالى: ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ) [النساء: 145]. 

2-ومن نتائج موقعة بدر ازدياد ثقة المسلمين بالله سبحانه وتعالى وبرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم واشتداد ساعدهم وقوتهم، ودخول عدد كبير من مشركي قريش في الإسلام، وقد ساعد ذلك على رفع معنويات المسلمين المستضعفين الذين كانوا لا يزالون في مكة، فاغتبطت نفوسهم بنصر الله، واطمأنت قلوبهم إلى أن يوم الفرج قريب فازدادوا إيمانًا على إيمانهم وثباتًا على عقيدتهم. 

3-وإلى جانب ذلك، فقد كسب المسلمون مهارة عسكرية، وأساليب جديدة في الحرب، وشهرة واسعة في داخل الجزيرة العربية وخارجها، إذ أصبحوا قوة يحسب لها حسابها في بلاد العرب,فلا تهدد زعامة قريش وحدها، بل زعامة جميع القبائل العربية المنتشرة في مختلف الأصقاع والأماكن، كما أصبح للدولة الجديدة مصدر للدخل من غنائم الجهاد؛ وبذلك انتعش حال المسلمين المادي والاقتصادي بما أفاء الله عليهم من غنائم بعد بؤس وفقر شديدين داما تسعة عشر شهرًا. 

4- أما قريش فكانت خسارتها فادحة فإضافة إلى مقتل أبي جهل بن هشام وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وغيرهم من زعماء الكفر الذين كانوا من أشد القرشيين شجاعة وقوة وبأسًا، ولم تكن غزوة بدر خسارة حربية لقريش فحسب، بل خسارة معنوية أيضا، ذلك أن المدينة لم تعد تهدد تجارتها فقط، بل أصبحت تهدد أيضا سيادتها ونفوذها في الحجاز كله، كان خبر الهزيمة على أهل مكة كالصاعقة، ولم يصدقوا ذلك في بداية الأمر، قال ابن إسحاق رحمه الله: (وكان أول من قدم بمكة بمصاب قريش الحَيْسُمان بن عبد الله الخزاعي فقالوا له: ما وراءك؟. 

قال: قُتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، ونبيه ومنبَّه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، فلما جعل يعدد أشراف قريش قال صفوان بن أمية: والله إن يعقل هذا فسلوه عني؟ فقالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟ قال: هو ذاك جالس في الحجر، قد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا). 

وهذا أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص علينا أثر خبر هزيمة قريش على أبي لهب -لعنه الله- حيث قال: كنت غلامًا للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، وأسلمتْ أم الفضل وأسلمتُ، وكان العباس يهاب قومه ويكره أن يخالفهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان أبو لهب عدو الله قد تخلف عن بدر فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة.. فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه ووجدْنا في أنفسنا قوةً وعزةً. 

قال: كنت رجلاً ضعيفًا، وكنت أعمل القداح وأنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس فيها أنحت القداح وعندي أم الفضل (زوجة العباس بن عبد المطلب) جالسة وقد سرَّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه بشرٍّ حتى جلس على طنب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب قد قدم فقال: أبو لهب: هلم إليَّ فعندك لعمري الخبر، قال: جلس إليه والناس قيام عليه فقال: يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقودوننا كيف شاؤوا ويأسروننا كيف شاؤوا، وايم الله مع ذلك ما لُمت الناس, لقينا رجالاً بيضًا على خيل بلق بين السماء والأرض, والله ما تليق شيئًا، ولا يقوم لها شيء. 

قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت: تلك والله الملائكة، قال: فرفع أبو لهب يده فضرب بها وجهي ضربة شديدة، قال: وثاورته فاحتملني وضرب بي الأرض ثم برك عليَّ يضربني وكنت رجلاً ضعيفًا، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فلعت في رأسه شجة منكرة، وقالت: استضعفته أن غاب عنه سيده، فقام موليًا ذليلاً، ثم مات بعد سبع ليالٍ بالعدسة فقتلته. وأم الفضل بنت الحارث زوجة العباس بن عبد المطلب وأخت ميمونة أم المؤمنين وخالة خالد بن الوليد، وهي أول امرأة أسلمت بعد خديجةرضي الله عنهن. 

لقد تركت غزوة بدر بنفوس أهل مكة المشركين كمدًا وأحزانًا وآلامًا بسبب هزيمتهم ومن فُقدوا وأسروا، فهذا أبو لهب لم يلبث أن أصيب بعلة ومات، وهذا أبو سفيان فقد ابنًا له وأُسر له ابنٌ آخر، وما من بيت من بيوت مكة إلا وفيه مناحة على قتل عزيز أو قريب، أو أسر أسير فلا عجب أن كانوا صمموا في أنفسهم على الأخذ بالثأر، حتى إن بعضهم حرم على نفسه الاغتسال حتى يأخذ بالثأر ممن أذلوهم، وقتلوا أشرافهم وصناديدهم، وانتظروا يترقبون الفرصة للقاء المسلمين والانتصاف منهم، فكان ذلك في أحد. 

5- أما اليهود فقد هالهم أن ينتصر المسلمون في بدر، وأن تقوى شوكتهم فيها، وأن يعز الإسلام ويظهر على دينهم ويكون لرسوله دونهم الحظوة والمكانة فصمموا على نقض العهد الذي عاهدوا عليه النبي صلى الله عليه وسلم عندما قدم المدينة، وأظهروا عداوتهم التي كانت كامنة في نفوسهم، وأخذوا يجاهرون بها القوم ويعلنون، ثم راحوا يكيدون للإسلام ولرسوله، ويعملون للقضاء عليه بكل الوسائل المتاحة لديهم وبدءوا يتحرشون بالنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليخفى عليه شيء من ذلك فقد كان يراقبهم عن حذر ويقظة، حتى استخفُّوا بالمقررات الخلقية، والحرمات التي يعتز بها المسلمون واستعلنوا بالعداوة فلم يكن بد من حربهم وإجلائهم عن المدينة. 

6- قال الواقدي:فلما قدم بالأسرى أذلَّ الله بذلك رقاب المشركين والمناقين واليهود ولم يبق بالمدنية يهودي ولا منافق إلا ثنا عنقه لوقعة بدر، فقال عبد الله بن نبتل: ليت أنّا كنا خرجنا معه حتى نُصيب معه غنيمة! وفرق الله في صُبحها بين الكفر والإيمان، وقالت اليهود فيما بينها: هو الذي نجده منعوتاً. 

والله لا ترفع له راية بعد اليوم إلا ظهرت.

وقال كعب بن الأشرف: بَطْنُ الأرض اليوم خَيرٌ من ظهرها، هؤلاء أشراف الناس وساداتهم، وملوك العرب، وأهل الحرم والأمن، قد أصيبوا فخرج إلى مكة فنزل على أبي وداعة بن ضُبيرة، فجعل يرسل هجاء المسلمين ورثاء قتلى بدر من قريش

7- ومن نتائج غزوة بدر وانتصار المسلمين، بدأت زعامات الشرك في المدينة تسعى لضمان سيادتها ومصالحها، كان في مقدمتهم عبد الله بن أبي بن سلول

اسلام عبد الله بن أبي بن سلول

كانت غزوة بدر انتقالاً شاملاً في خط سير الدعوة الإسلامية من حدود المدينة النبوية إلى المسار الأكثر سعة وامتداداً من جهة العلاقات المدنية في المدينة ومن جهة العلاقات الدينية العقائدية خارج المدينة، وما تحتويه من قريش والقبائل العربية، وأصحاب العقائد الذين أدركوا خطر الاسلام والمسلمين على مصالحهم، وهذا ما دفع عبد الله بن أبي بن سلول إلى إعلان إسلامه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عودته من انتصار بدر وأسلم معه أصحابه الذين شاركوه الرأي، لعلهم بإعلان اسلامهم يتمكنون من العمل ضد الاسلام بشكل أكثر تأثيراً وأكثر ضمانا لتحقيق ما يكيدون به.

قال ابن قيم الجوزية: (ودخل النبي صلى الله عليه وسلم مؤيداً مظفراً منصوراً قد خافه كل عدو له بالمدينة وحولها فأسلم بشر كثير من أهل المدينة، وحينئذ دخل عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه في الاسلام ظاهراً).

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات