السبت 20 رمضان 1440 - 25 مايو 2019

حوار مع اللاقرآنيين ( 8-8)

الأربعاء 15 جمادى الآخرة 1440 - 20 فبراير 2019 113 بلال فيصل البحر
حوار مع اللاقرآنيين ( 8-8)

هذا بحث نافع كتبه الأستاذ البحاثة بلال فيصل البحر في الرد على القرآنيين، ونشره باسم :" الفَنْقَلةُ مع اللاقرآنيين". والفنقلة – كما هو معلوم - محاورة الخصم بأسلوب فإن قالوا قلنا. نشرناه في موقعنا في عدة حلقات ، وهذه الحلقة الثامنة والأخيرة.

قال بعض اللاقرآنيين: قال الله: (ولكن كونوا ربانيين) والمعنى: كونوا قرآنيين، كذا قاله يرد على من يسميهم القرآنيين لتركهم السنن والآثار، وهذا التفسير مع كونه لا قائل به فهو مخالف للغة، فإن الرباني لا يصدق على اللاقرآنيين من وجوه:

أحدهما: أنه مبالغة مثل لَـحياني في عظيم اللحية، وربّاني في المبالغة بالانتساب للرب تعالى بالتوحيد والطاعة له ولأنبيائه والإقرار بما جاءت به رسله، ومن أنكر شيئاً من السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غير تأويل أو علم صحيح، فليس بربَّاني، بل هو بوصف شيطاني أولى، وقد قال الإمام المجتهد إسحاق بن راهويه: (من ردَّ حديثاً صحيحاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غير تأويل أو عذر فقد كفر) أخرجه ابن حزم في (أصوله).

الثاني: أنه قال في صدر الآية: (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة) ولا ريب أن السنة كلها قولاً وفعلاً من الحكم والنبوة، وقد قال الشافعي رحمه الله: (كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو مما فهمه من القران).

وقال ابن السمعاني في (تفسيره): (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب) يعني: القرآن، (والحكم) يعني: الأحكام، والحكم: السّنة.

الثالث: أن الربانيين هم العلماء الحكماء المصلحون كما يفيده مجموع أقاويل السلف في معناه، وقال البغوي في (شرح السنة): (سُمِّي العلماء ربانيين، لأنـهم يربون العلم، أي: يقومون به، يقال لكل من قام بإصلاح شيء وإتمامه: قد ربَّه، يرُبُّه فهو ربٌّ له). 

والحكمة في كتاب الله هي السنة كما نصَّ عليه الشافعي وغيره، فكيف يكون ربانياً من جحد شيئاً من صحيح السنة.؟! 

ولا تجد عالماً مصلحاً ينتحل مقالة اللاقرآنيين هذه، فإن من أعظم صفات المصلح المجدِّد الرباني، نصرة السنة المحضة، كما قال السيوطي في صفته:

والشرطُ في ذلك أن تمضي المئه...وهو على حياته بين الفئه

يُشار بالعلم إلى مقامهِ............ وينصُرُ السنةَ في كلامهِ

وأن يكون جامعاً لكل فنْ....... وأن يعُمَّ علمُهُ أهلَ الزمنْ 

وقال بعضهم: قد أخبر الله أن القران بيان لكل شيء فقال: (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء) فلا حاجة بنا للسنة.

فيقال: غُبي على هذا القائل قوله تعالى: (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) والاستثناء معيار العموم، كما قاله إمام الحرمين وأهل الأصول. 

وهو ظاهر في أن البيان النبوي للقران المنزل يقع بكل ما يصدر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، يؤكده قوله: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله) فتأمَّل كيف قرن الله في غير موضع من كتابه، إنزالَ القران بالبيان النبوي المطلق، ولم يستثنِ بياناً من أوجه بيان السنة.

وقوله: (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين) من قصر النفي لا من نفي القصر كأنه قال: أنزلناه لتُبيّنه أنت لهم، وهو يقتضي سلب عموم البيان لا عموم سلبه، فيكون المراد أن البيان كما يقع بالسنة فهو يقع بغيرها من الأصول، لكنه بالسنة أولى وأكمل، ومن هنا كان بيان السنة للقرآن مقدماً على غيره، فيخرج من عموم البيان ما لا يرجع إلى أصل من الأصول كقول اللاقرآنيين في القرآن ونحوه من مقالات أهل الأهواء. 

وقد قال الحافظ ابن أبي حاتم في (تقدمة الجرح والتعديل): (إن الله عز وجل ابتعث محمداً رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، وأنزل عليه الكتاب تبياناً لكل شيء، وجعله موضع الإبانة عنه فقال: (وأنزلنا إليك الذكرَ لتُبيِّن للناس ما نزل إليهم) وقال عز وجل: (وما أنزلنا عليك الكتابَ إلا لتُبيِّن لهم الذي اختلفوا فيه) فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبين عن الله عز وجل أمره، وعن كتابه معاني ما خوطب به الناس، وما أراد الله عزوجل به وعني فيه، وما شرع من معاني دينه وأحكامه وفرائضه وموجباته وآدابه ومندوبه وسننه التي سنها، وأحكامه التي حكم بـها، وآثاره التي بثها، فلبث صلى الله عليه وسلم بمكة والمدينة ثلاثاً وعشرين سنة، يقيم للناس معالم الدين، يفرض الفرائض، ويسن السنن، ويمضي الأحكام ويحرم الحرام ويحل الحلال، ويقيم الناس على منهاج الحق بالقول والفعل).

ويقال للاقرآنيين: خبرونا عن مقالتكم في السنة هذه: هل تقدمكم إليها قرآن أو أثر من حديث أو قول صاحب أو تابعي أو إمام؟

فإن قالوا: بلى، قيل لهم: بينوه لنا وإلا فأنتم كالـمُحْتَاضِ على عَرْضِ السَّراب.! 

وإن قالوا: لا، قيل لهم: فقد شاققتم الرسول وخالفتم سبيل المؤمنين، وقد قال الإمام أحمد للميموني: (إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام). 

فإن قالوا: إنَّ قولنا في السنة اصطلاح لنا كمن قال من العلماء برد الاحتجاج بالمرسل، ومن أنكر اصطلاح العزيز من أسانيدها كابن حبان ونحو ذلك، طولبوا بإقامة الدليل عليه، وليس هو إلا ما تقدم لهم من الشبهات التي مر انتقاضها عليهم، وينتقض عليهم بالفرق بين رد المرسل وإنكار العزيز، من جهة أن من أنكرهما فهو يثبت أصلهما، وأنتم نفيتم الأصل أصلاً، فبطل القياس.

وإن قالوا: نحن نثبت أصل السنة وهو ما تواتر منها، قيل لهم: يلزم بطلان تمثيلكم برد المرسل وإنكار العزيز ونحو هذا من الاصطلاح، لأن هذا فرع خبر الآحاد، فمن أنكره أثبت أصل الاحتجاج بالآحاد، وخلافه إنما هو في ثبوت بعض فروعه اصطلاحاً، وأما أنتم فنفيتم السنن الفعلية الآحادية اصطلاحاً، فلا ينفعكم إثبات أصل المتواتر منها حتى تثبتوا الأصل الذي هو الآحاد وإلا فهو خروج عن محل البحث، ثم اضطربتم وتحكمتم في السنة بالهوى، ولا ضابط يحكم قولكم حتى يقال لا مُشاحة في الاصطلاح.! 

والحاصل: وقف حمار اللاقرآنيين عند العقبة، فلا للقرآن انتصروا، ولا بـهديه تبصّروا، ولا له انتصروا، ولا للسنة كسروا.!

وبعد: فإن من أعظم الغلط تسمية هؤلاء بالقرآنيين، فالفرق بينهم وبين أهل القران أن هؤلاء تحكّموا في قبول السنن بأهوائهم، وأهل القران تحكّموا في دلالة السنن بالأصول والقواعد، بعد التسليم والقبول لها مجملاً كما أمر القران، فمن أقبح الخطأ تلقيب اللاقرآنيين بما ظاهره اتباع القران والتبجح به، وهم يناقضون صريح أمره بقبول السنة والعمل بـها.! 

وإنما هم اللاقرآنيون بامتياز، إذ القران يأمر باتباع السنة مطلقاً، وهؤلاء خالفوا صريح القران وناقضوه بالتمويه ودعاوى التقييد في مطلق وجوب الأمر القرآني باتباعها، فتارة يقولون: لا يلزم اتباع السنة، وتارة يقولون: السنة ليست وحياً، وأخرى: ليست تشريعاً، وتارة: لا تجب وجوباً اصطلاحياً، وتارة: سنته الفعلية ليست تشريعاً..! 

فقد حاصوا حيصة حُمُر الوحش، وتفرقوا أيدي سبأ، وذهبوا تحت كل كوكب، وركبوا كل صعب وصيهب، وتحكّموا في القران بالظن والتخريص، والقران يقول: (قُتل الخراصون) والحاكم عندهم ليس إلا الهوى، وأصلهم الذي يصدرون عنه ليس إلا الميكافيلية المحضة. 

وشأنـهم كما قال أمير المؤمنين عمر في أهل الأهواء: (أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها ويتعلموها فقالوا بالرأي والهوى) وقال رضوان الله عليه: (يُردُّ الناسُ من الجهالات إلى السنة) رواهما البيهقي.

والواقع أن ظهور هذه النابتة المسماة باللاقرآنيين من أشراط الساعة، لما صح أن من أشراطها ذهاب الدين ودَروس معالمه، وقد أخرج الدارمي في (مسنده) عن عبد الله بن الديلمي قال: (بلغني أن أول الدين تركاً، السنة).!

وأخرج أبو القاسم اللالُكائي عن عمر وعلي رضي الله عنهما قالا: (سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله) فتأمل الإطلاق والملازمة في كلام من شهد التنزيل وعلم التأويل، نقيض مقالة اللاقرآنيين.

وههنا نكتة راجعة إلى تنازع المفسرين في مسألة: هل فسّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم القران كله أو بعضه؟ ولهم فيه قولان مشهوران، لكن النكتة عندي أن الخلاف لفظي، لأن من يقول: لم يُفسّره كله، فقد عنى أنه لم يُفسّره كله بقوله، ومن قال إنه فسره كله، قصد به أنَّ فعله بيان وتفسير للقران، فإذا اجتمع القدر الذي فسّره النبي صلى الله عليه وآله وسلم من القرآن بقوله، مع ما فسّره منه بفعله وسنته التقريرية وخُلُقه وصفته، فإنه يكون قد فسّر القران كله بطريق الإجمال، فتأمل.

وهذا معنى قول الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما إنه عليه الصلاة والسلام إنما فسّر منه القدر الذي لا يُعلم إلا ببيانه، لما قاله ابن عباس: (التفسير على أربعة أوجه: وجهٌ تعرفه العربُ من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحدٌ بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى ذكره) أخرجه ابن جرير وغيره. 

والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآلة وسلم.

الحلقة السابقة هـــنا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات