الأحد 12 جمادى الآخرة 1440 - 17 فبراير 2019

الرد على شبهة الدكتور عداب الحمش حول شرب عمر رضي الله عنه للنبيذ المسكر

الأحد 5 جمادى الآخرة 1440 - 10 فبراير 2019 208 صالح سهيل حمودة
الرد على شبهة الدكتور عداب الحمش حول شرب عمر رضي الله عنه للنبيذ المسكر

هذه شبهة قديمة، لم يفترعها الدكتور عداب، فقد أثارها أعداء الفاروق قديماً، وللأسف أعاد الدكتور الحمش إنتاجها، وقد كان المنتظر من علم الدكتور أن يستعصيَ ويعتاص على تلك الشبهات الفارغة، ولكنه تشرَّبها وتلقَّفها بدلاً من ذلك.

وقد نشطت لرد شبهات الدكتور عداب بحق الفاروق رغم كثرة الشواغل، عسى أن أكتب يوم القيامة من الذابّين الذائدين عن فاروق هذه الأمة. 

فأقول وبالله أستعين:

- كلمة النبيذ كلمة مشتركة في اللغة، قال ابن الأثير في النهاية ٥ /٧ : (هو ما يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك.

ثم قال: وسواء كان مسكراً أو غير مسكر فإنه يقال له نبيذ).

وبيان ذلك: أن الماء إذا نُقع فيه التمر أو الزبيب، ولم يكسب سوى حلاوة منهما، كان نبيذاً حلالاً بإجماع العلماء، فإن طال عليه الامد حتى غلا واشتدّ وقذف بالزبد، صار نبيذاً مسكراً، اختلف في حكمه العلماء.

إذن، فالنبيذ يطلق على النوعين، فأيهما كان يشربه عمر رضي الله عنه؟

- يرى بعض العلماء أن ما كان يشربه عمر هو المسكر، لكنه كان يشرب منه ما لا يصل حدَّ الإسكار.

ومن هؤلاء العلماء: أبو حنيفة وأبو يوسف ومن تبعهما من الحنفية ، فهم يرون أن الخمر التي يحرم قليلها وكثيرها هي ما كانت من العنب خاصة، اما نبيذ التمر والزبيب اذا اشتد فلا يحرم قليله حتى يشرب منه حد الإسكار، فيحرم حينئذ. 

وحملوا ما جاء عن عمر وغيره على هذا المذهب، ولهم أدلة أخرى يستندون اليها. 

وقد خالفهم في ذلك صاحبهم محمد بن الحسن وسائر علماء المذاهب من المالكية والشافعية والحنابلة، فذهبوا إلى أن كل ما يسكر فهو خمر، يحرم قليله كما يحرم كثيره. 

ولعمر الله، لو كان ما يبيحه الحنفية هوما شربه عمر لما كان عليه عتب، لكون هذا مذهباً معتبراً له براهينه، ولكن في ذلك نظر.

ولو ساق الحمش هذا القول على أنه اجتهاد معتَبر لعمر لما كان في ذلك حرج، ولكنه ساقه في سياق الكلام عن مخالفات عمر للنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكان لا بد من هذا الرد. 

- فقد رأى جمهور أهل العلم كما سلف أنَّ ما كان يشربه عمر هو النبيذ الذي لا يسكر كثيره ولا قليله.

وممَّا يؤيد قولهم:

ما رواه البخاري برقم (٥٥٨٨) ومسلم برقم (٣٠٣٢) عن ابن عمر قال : خطب عمر على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر وهي خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل.

فهذا عمر رضي الله عنه يجعل النبيذ المسكر المصنوع من التمر والزبيب كخمر العنب في تحريم قليله وكثيره، فكيف يشرب ما قلّ من النبيذ المسكر بعد هذا؟

- والشدة التي جاءت في صفة النبيذ الذي شربه عمر يُقصد بها أنه حامض حتى صار قريباً من الخل.

فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه ١٢ /٢١٥ عن عتبة بن فرقد قال: قدمت على عمر فأتي بنبيذ قد كاد يصير خلاً، فقال لي: اشرب، قال: فما كدت أسيغه، ثم أخذه عمر فقال: إنا نشرب هذا النبيذ الشديد ليقطع لحوم الإبل في بطوننا أن تؤذينا.

قال ابن حزم في المحلى ٧ /٤٨٧: (ما بلغ مقاربة الخل فليس مسكرا) .

-وقد استدل الحنفية بما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٤ /٢١٨ عن همام بن الحارث عن عمر أنه كان في سفر فأتي بنبيذ فشرب منه فقطب، ثم قال: إن نبيذ الطائف له عرام، فذكر شدة لا أحفظها، ثم دعا بماء فصبَّ عليه، ثم شرب.

وهذا الأثر حجة على الطحاوي وسائر الحنفية، لأنه يقال: ما معنى كسر النبيذ بالماء عندكم؟ هل هو يغير حكم النبيذ لو كان مسكرا؟

فسيقولون: لا، لأن النبيذ المسكر حلال.

فصار كسر النبيذ بالماء عبثاً على قولهم . 

أما عندنا فيصحّ معنى كسر النبيذ بالماء، لأنَّ النبيذ ذاك على قولنا لم يكن مسكرا، وليس في الأثر ما يفيد إسكاره، ولكن عمر خشي أن يعرم فيشتد، اعتباراً بقرينه من نبيذ الطائف، فتعجَّل كسره بالماء.

- ومن العجيب أن الدكتور عداباً يستدل على قوله بما رواه الدارقطني يرقم (٤٦٨٥) عن سعيد بن ذي لعوة أن أعرابياً شرب من أداوة عمر نبيذاً فسكر، فضربه عمر الحد!

وهذا الأثر أشبه بنوادر أبي نواس وجحا، ولعل واضعه أراد أن يضحك سامعيه إذ زعم أن عمر ضرب رجلاً الحد مع أنه شرب من نبيذ عمر نفسه! 

وقد قال عنه الدارقطني نفسه بعد أن رواه : لا يثبت.

وسعيد هذا قال فيه الذهبي في الميزان ٢/١٢٧: (ضعفه يحيى وأبو حاتم وجماعة، وفيه جهالة، وقال ابن حبان: دجال يزعم أنه رأى عمر بن الخطاب يشرب المسكر). 

فلا أدري كيف استجاز الدكتور عداب الاحتجاج بهذا الأثر وهذا حاله! وعهدي به يدَّعي الاحتياط في أمثال هذه القضايا!

وفي الختام، أتمنى من الدكتور عداب بن محمود الحمش أن يراجع مواقفه من الصحابة الكرام، وأن يتهم نفسه، قبل أن يتهم علماء الأمة، فإنه قد اشتطَّ وجفا وجانب الاعتدال، والله الموفق والمستعان.

ينظر مقالة الكاتب 

هل عداب الحمش من العلماء المظلومين الذين ذنبهم حبُّ آل البيت؟ 

-- وينظر أيضا: 

الدفاع عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه 

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا