الأحد 12 جمادى الآخرة 1440 - 17 فبراير 2019

حقوق الإنسان بين الشريعة والقانون (6) الحريات العامة وموقف الإسلام منها

الأحد 5 جمادى الآخرة 1440 - 10 فبراير 2019 71 محمد فاروق الإمام
حقوق الإنسان بين الشريعة والقانون (6) الحريات العامة وموقف الإسلام منها

تقول المادة الثانية من حقوق الإنسان في ميثاق الأمم المتحدة بحماية الحقوق العامة، وهذه الحقوق هي:

أ- الحق في الحرية.

ب- الحق في المساواة، وعدم التمييز بين الأفراد بسبب العنصر أو الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين أو الرأي أو الثروة أو المولد أو الأصل الوطني والاجتماعي.

ج- حق التنقل والإقامة.

د- الحق في الجنسية وتغييرها.

ه- حق التحرر من الاستعباد والرق، ومنع الاتجار بالإنسان.

وبقراءة متمعنة لفقرات المادة الثانية نجد أنها تؤكد ما أقره الإسلام للإنسان في دولة الإسلام من حريات. فقد انطلق الإسلام من مبدأ أساسي، وهو أن الأصل الإباحة وكل ما ليس محظوراً فهو مباح. غير أن بعض الحقوق والحريات الأساسية كانت موضع حماية خاصة، وأول هذه الحقوق حق الحياة. فلقد جعل الإسلام حماية روح الإنسان - أي إنسان - تعادل روح النوع الإنساني بأسره، وإن قتل أي إنسان، يعتبر قتلاً للإنسانية جمعاء. فقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً). وقال: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً).

وهكذا نجد أن الحياة مصانة عند الإنسان بأوامر الله سبحانه وتعالى، ولا يجوز المساس بها إلا في حالة ارتكاب جريمة من الجرائم الشنيعة التي يكون عقابها القتل والتي أشار إليها الكتاب أو السنة، وحضَّ على عدم ارتكابها.. وفي مقدمتها قتل النفس.

كذلك دافع الإسلام عن حق الأمن، أي حق الفرد في أن يعيش في أمان دون خوف من أن يقبض عليه ويسجن، نتيجة لوشاية أو فرية، فالاعتقال والحبس لا يتم إلا بقرار قضائي. فقد أوجب الإسلام على الدولة حماية الفرد من الاعتداء والأذى، وقيامها بتوقيع القصاص العادل بحق كل من يعتدي أو يتجاوز على حقوق الآخرين، امتثالاً لقول الله تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون).

لقد شملت حماية الإسلام للإنسان صون كرامته وشرفه وماله وحرمة بيته. ولم يقتصر واجب الدولة الإسلامية في كفالتها لحق الأمن لمواطنيها المسلمين فقط، بل يمتد لكل المواطنين على أرضها دون تمييز، بحيث توفر للجميع - على قدم المساواة - الأمن والأمان. فهذا أحد الرهبان النصارى في مصر يشكو إلى الوالي (أحمد بن طولون) أحد قواده، لأنه ظلمه وأخذ منه مبلغاً من المال بغير حق، فما كان من ابن طولون إلا أن أحضر هذا القائد وأنّبه وعزّره وأخذ منه المال، ورده إلى النصراني، وقال له: لو ادعيت عليه أضعاف هذا المبلغ لألزمته به.

وهذا السلطان (محمد بن عبد الله) أحد حكام المغرب يوجه كتاباً لولاته يوصيهم فيه باليهود الذين لجأوا إلى حمايتهم فراراً من محاكم التفتيش التي أقامها حكام إسبانيا بعد إخراج العرب منها. ومما جاء في كتابه: (نأمر من يقف على كتابنا هذا.. أن يعاملوا اليهود الذين بسائر آيالتنا - أي ولايتنا - بما أوجبه الله تعالى من نصب ميزان الحق والتسوية بينهم وبين غيرهم في الأحكام حتى لا يلحق أحداً منهم مثقال ذرة من الظلم، ولا يضام ولا ينالهم مكروه ولا اهتضام ولا يعتدوا).

وجاءت الفقرة (ب) من المادة الثالثة من حقوق الإنسان في ميثاق الأمم المتحدة تقر حق الإنسان في التملك. لتؤكد ما جاء في كتاب الله: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم). كما أمر الله سبحانه وتعالى بالوفاء بالعهود فقال: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم).

وجاءت الفقرة (أ) من نفس المادة تشير إلى: حق العمل، والعيش الكريم. لتؤكد على ما كفله الإسلام من حق لكل فرد في المجتمع بأن يكون له عمل. وألزم القائمين بالأمر على إيجاد هذا العمل وتأمينه لكل فرد مقابل الأجر المناسب، والمساواة بينه وبين غيره ممن يعمل في ذات العمل.

وإذا كفل الإسلام حق العمل لكل فرد يريده، فهو واجب كذلك على كل قادر عليه، يساهم في تقدم ورخاء المجتمع، ويحث الإسلام على العمل، ويحبذ أن يقتات الناس من عمل أيديهم، وهذا ما أكد عليه القرآن الكريم بقوله: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله).

ويقول عليه الصلاة والسلام: ((ما أكل أحد طعاماً قط، خير من أن يأكل من عمل يده، وأن النبي داود كان يأكل من عمل يده)). وقال أيضا: ((لأن يأخذ أحدكم حبله، ثم يأتي الجبل، فيأتي بحزمة حطب على ظهره، فيبيعها خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)).

وجاءت الفقرة (ج) من المادة الثانية من حقوق الإنسان في ميثاق الأمم المتحدة حول حق الإنسان في التنقل والإقامة. والفقرة (هـ) من نفس المادة تشير إلى: حق الحماية من التدخل في حياة الأفراد الخاصة والعائلية، أو التدخل في اتصالاتهم ومراسلاتهم.

لقد جاءت هاتين الفقرتين لتؤكدان ما أقره الإسلام للإنسان في دولة الإسلام من حق التنقل والإقامة، وكفل له حرية المسكن، ومنع من الاعتداء على حرمته أو دخوله دون إذن أهله، وذلك بأمر من الله سبحانه وتعالى بقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها، فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم، وإن قيل ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم، والله بما تعملون عليم). وقال: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا). وقال: (ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه).

وهكذا نجد أن ما أتت عليه هذه الفقرات من ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان هي أدنى بدرجات مما جاء في ديننا الإسلامي الحنيف وما قرره. فقد أمر الله سبحانه وتعالى بالاستئذان قبل دخول المساكن، وحرم على المسلم التلصص واستراق السمع، وحذره من الغيبة والنميمة والافتراء والبهتان.

وقد جاء في الأثر أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب علم أن أحدهم يشرب الخمر في بيته مع أصحاب له، فانطلق عمر ودخل المنزل فاعترضه صاحب البيت قائلا: إن هذا لا يحل لك. ألم تسمع قول الله تعالى: (ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً). فخرج عمر وتركه.

وجاء في المادة الثامنة من حقوق الإنسان في ميثاق الأمم المتحدة:

أ_ حق المشاركة في إدارة شؤون البلاد، والنشاط السياسي السلمي.

ب- حق المشاركة في الاجتماعات السلمية والأحزاب المشروعة.

ج- حق المشاركة في انتخابات دورية نزيهة.

وقد كفل الإسلام للفرد في دولة الإسلام المشاركة في إدارة شؤون البلاد، وأتاح له العمل في النشاط السياسي ضمن ضوابط سلمية مشروعة، وأجاز له المشاركة في تأسيس الأحزاب وحضور الاجتماعات. فقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ إعلان دولته الإسلامية في المدينة المنورة التعددية الحبية ووضع القوانين والشروط لها، وحدد العلاقات فيما بينها وبين المجتمع وبين من هم خارج حدود الدولة الإسلامية. كما كفل الإسلام للفرد المشاركة في الرأي والمشورة. فقد قال تعالى: (وشاورهم في الأمر). وقال: (وأمرهم شورى بينهم).

والشورى أساس مهم وخاصية فريدة في الحكم الإسلامي لأنها - كما قلنا - أمر رباني للأمة جعلها سمة أصيلة ومتميزة في دولة الإسلام وحياة أفرادها. وكان أول من عمل بها وطبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان القدوة لكل من عاصره أو جاء من بعده. فقد استشار أصحابه في مواقف عديدة مثل: الاستشارة في بدر حول المكان الذي سيتخذ موقعاً لمقابلة قريش، وفي غزوة أحد حول الخروج إلى لقاء قريش خارج المدينة، وفي الخندق عندما أشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة. وكان ذلك منه تدريباً للأمة وولاة الأمور والقادة على نمط تدريب الجميع على تطبيق الشورى عملياً في حياته من أجل القضاء على التفرد في القرارات وإبعاد أجواء الشمولية أو الإقصاء أو الاستبداد والتسلط. 

إن ما استعرضناه من حقائق قرآنية وأحاديث نبوية وحوادث وقعت فعلاً مع أمراء دولة الإسلام ورعاياها مما تشير وتؤكد إلى أن حقوق الإنسان كانت مصانة ومحمية في دولة الإسلام بأوامر ربانية وسنة محمدية، وأن كل ما أتينا على ذكره ما هو إلا غيض من فيض. ولو قارنا بين ما جاء في القرآن والسنة وما جاء في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي والعهدين الدوليين والاتفاقيات الدولية حول حقوق الإنسان لما وزنت قول الله سبحانه تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم مالا تعلمون). 

يتبع

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا