السبت 14 ربيع الأول 1442 - 31 أكتوبر 2020

من أساليب التربية النبوية: التلميح دون التصريح

الثلاثاء 11 جمادى الآخرة 1431 - 25 مايو 2010 1264

الدكتور عثمان قدري مكانسي

 

قد يتصرف أحد المسلمين ـ وهو يبغي الخير لنفسه ـ تصرفاً لا يرضى عنه النبي        صلى الله عليه وسلم ـ ، والرسول معلم مربٍ يأخذ بأيدي أصحابه إلى الطريق الصحيح والسبيل القويم ، فهل ينبهه مباشرة ؟ ..
     قد يفعل ذلك بعيداً عن أعين الناس إن كان الأمر خاصاً ، أو دفعاً للإحراج ، فالنصيحة في السر أبلغ . وقد ينبه إلى الأمر بطريق غير مباشر :
     1ـ إذا كان الأمر مُهِمّاً ينبغي أن يعلمه الجميع .
     2ـ ويُستحسَنُ أن يُترَك مَنْ فعل الخطأ بعيداً عن عيون الآخرين ، فيظل الاحترام سائداً بين جميع المسلمين .
    - فقد جاء ثلاثة ـ من الصحابة ـ إلى بيوت أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسألون عن عبادته ، فلما أخبروا ، كأنهم تقالّوها(1) ، وقالوا : أين نحن من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر !.
     قال أحدهم : أما أنا فأصلي الليل أبداً .
     وقال الآخر : وأنا أصوم فلا أفطر .
     وقال الآخر : وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً .
     فجاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليهم فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ .
     أما والله إني لأخشاكم لله ، وأتقاكم له ، ولكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني(2) .
     هنا نجده ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجمعهم . . . وينبههم إلى وجوب اتباع سنته مباشرة . ولكنه يرى ما فعلوه أمراً مهماً يجب أن يبلغَ الناسَ ، فيعلموا أن الدين يسرٌ وليس بعسر ، فيذكر الحادثة دون أسماء أصحابها ، فيقول :
     ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ؟ . . ( ويذكر ما قالوه ) ، ثم يقول : ولكني أصلي وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني(3) .
     فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حفظ ماء وجوه أصحابه الثلاثة ، ونبه الآخرين إلى وجوب اتباع سنته ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
    - وأرسل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحد اصحابه يجمع الزكاة من بعض القبائل ، فعاد الرجل بالزكاة فوضعها أمام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وترك أشياء معه ، وقال : إنها أهديت إليه . فأخذها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ منه ، وجمع أصحابه ونبههم إلى ضرورة البعد عن الرشا واستغلال المنصب للوصول إلى منافع  ماكان يصل إليها لولا عمله هذا .
     فعن أبي حميد الساعدي أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :
(( ما بال العامل نبعثه فيقول : هذا لك ، وهذا لي ؟ فهلا جلس في بيت أبيه وأمه ، فينظرَ أيهدى له أم لا ؟ والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته ، إن كان بعيراً له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيعر ، ، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه ، ألا هل بلغت ؟ ثلاثاً (4) .
     فأنت ترى استخدام تعبير ( ما بال العامل ) ، وفي الحديث السابق ( ما بال أقوام ) . . .
     فليست العبرة بمعرفة الأشخاص ، إنما بمعرفة الحادثة ، والتنبه لها ، والحذر من الوقوع فيها .
ورحم الله الإمام الشافعي العالم الإمامَ والتربويّ الفذ ينبه إلى النصيحة بطريقة لبقة لا تجرح المشار إليه فيقول :

تغـَمـّدني النـّصـيحـة بانفـراد         وجنّبني النصيحة في الجماعة 
فإن النصح بين الناس ضرب      من التوبيخ لا أرضى استماعه

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا