السبت 13 جمادى الأولى 1440 - 19 يناير 2019

القول الـمُعتَد في بحث قتل الـمُرتَد 

الأربعاء 3 جمادى الأولى 1440 - 9 يناير 2019 98 بلال فيصل البحر
القول الـمُعتَد في بحث قتل الـمُرتَد 

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.. وبعد:

فقد جمعنا مجلس سمر عامر بمباحثة بعض الفضلاء، وجرى فيه ذكر رأي الحداثيين في منع حد الردة، وردِّ حديث البخاري: (من بدل دينه فاقتلوه) ومعارضته بخبر: (التارك لدينه المفارق للجماعة).!

فخطر لي بالتأمل منع دعوى المعارضة، فإنَّ من بدل دينه فقد تركه وفارق الجماعة سواء ترك الإسلام أو غيره، وهذا بالنظر إلى مطلق الترك في الزمان والمكان لا مجرداً عنهما، أعني من ترك الإسلام في مجتمع مسلم فقد فارق جماعته، ومن ترك اليهودية في مجتمع يـهودي فقد فارق جماعة اليهود وهكذا.

فبقي الحديث يدل بمفهومه على امتناع قتل من ترك دينه وبدله بحيث لا يحصل معه مفارقة الجماعة التي هو بينها، وهذا لا يتصور إلا في ردة مسلم في مجتمع يغلب على أهله الكفر، فهذا لا يقتل بمفهوم الحديث، ومن هنا لا تقام الحدود في دار الحرب والكفر، وهو خارج عن محل البحث. 

وذلك أن قوله: (المفارق للجماعة) لا يخلو أن يكون حالاً من حديث: (التارك لدينه) على مذهب من يجوز مجيء الحال معرفا بأل إذا تضمن معنى الشرط وهو قول الكوفيين، مثل قوله:

فأرسلها العراك ولم يذدها .... ولم يشفق على نغص الدخالِ

فالمعنى: يقتل التارك لدينه حال كونه مفارقا للجماعة أو بشرط مفارقته الجماعة، ومعلوم أن من بدل دينه فقد فارق جماعة المسلمين بحيث تميز عنهم بدين غير دينهم، فإن المفارقة كما تحصل بالأبدان تحصل بالأقوال كخيار المجلس عند أبي حنيفة ومالك، ولولا فعل ابن عمر لكان يكون قولهما أرجح عند من يرجح خلافه.

وحمل الحديث على مفارقته إيَّاهم بالأبدان بالخروج عليهم بالسيف ومحاربتهم، تحكُّم لا دليل عليه، وهو باطل ولا يساعد عليه لفظ الحديث، فإنه إنما شرط مطلق المفارقة وهي المخالفة، وهي حاصلة بمجرد الردة كما هي حاصلة بالخروج والبغي عليهم، وقد تقرر في الميزان أن المهملة الموجبة تصدق بأحد أجزائها، فسواء حصلت المفارقة بالأبدان أو بالأديان أو بـهما معا فالحد ثابت والحديث واقع.

وإن قيل: إن (المفارق) صلة على معنى أن (أل) بمعنى الذي، فالمعنى قتل التارك الذي من شأنه مفارقة الجماعة، ويحتمل أنه صفة كاشفة أو خبر، وعلى أيّ تقدير فالمرتد مفارق للجماعة، أي: مباين لها في اعتقاده، ومنه سميت طوائف أهل البدع بالفرق كما في حديث: (تفترق أمتي نيفا وسبعين فرقة) أي: بالأقوال والاعتقاد، ومنه قوله تعالى: (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب) وقولهم: (مَفَارِقُ الحديث) أي: وجوهه ومعانيه، وقول الشاعر:

وإذا الضلالةُ واليقينُ تفرَّقا ... لم تشْتَبِهْ سُبُلُ الضلالةِ والهدى

وتطلق المفارقة على الأبدان كالمفارق للناس بجرمه ونفسه باعتزالهم والنأي عنهم بشخصه، كما قال:

وكل أخ مفارقه أخوه .... لعمر أبيك إلا الفرقدانِ

وقال متمم:

فلما تفرقنا كأني ومالكا .... لطول اجتماعٍ لم نبِتْ ليلةً معا

فالمفارقة مطلقة وتكون بالقول كالفعل، والأصل بقاء المطلق على إطلاقه حتى يرد ما يقيده، وحيث لا قيد فالحديث شامل للمرتد كما هو شامل للمحارب والخارج على الجماعة بالسيف، يقويه امتناع الملازمة بين الترك والمفارقة، فإذا جاز قتل المفارق غير التارك لدينه كالمحارب والخارج بالسيف، جاز بطريق الأولى قتل المفارق التارك لدينه، وقتل التارك غير المفارق، فكيف والمفارقة تحصل كما مر بالاعتقاد والقول.

والحاصل أن الحديث حصر الأقسام في ثلاثة: ترك مجرد، ومفارقة مجردة، وترك مقترن بمفارقة، وكلها تستوجب القتل بالنص، فإنه إذا جاز قتل المفارق المجرد عن ترك الدين كالمحارب والخارج بالسيف، جاز قتل التارك لدينه المجرد عن مفارقة بالأولى، لاستوائهما في كونـهما مقصدين للشارع في المحافظة أعني النفس والدين. 

بل المفارقة بالأقوال والاعتقادات أولى عند التأمل، لأنـها أصل المفارقة بالأبدان إذ لا يفترق الناس فرقا يعتزل بعضهم بعضا بالأبدان إلا بعد تفرق أقوالهم واعتقاداتـهم وأخلاقهم كما هو ظاهر، كما قال الشاعر:

ما زالَ عنهُ حُمْقُهُ ومُوقُه ... واللؤْمُ حتى انْتُهكتْ فَروقُه

ومنه حديث: (محمد فرق بين الحق والباطل) ولذا يسمى عليه الصلاة والسلام في الكتب السالفة (فارق ليطا) أي: يفرق بين الحق والباطل بالقول.

والحكمة تقتضي قتل المرتد وإلا صار الدين ملعبة يدخل فيه من شاء متى شاء، ويخرج منه من شاء متى شاء، فيفضي إلى تعطل الحدود، فمن ارتكب حداً من حدود الله وانتهك محرما من محارمه التي يستوجب بـها الحد، فإنه يرتد فلا يقام عليه حد، ثم يعود للإسلام، بل له على قولهم الفاسد بإبطال حد الردة أن يرتد قبل ارتكاب الحد، ثم يرتكبه فلا يمكن حدُّه بمقتضى قول هؤلاء الحداثيين الذين لا سلف لهم في هذا القول، حتى إذا فرغ من شهوته عاد للإسلام، وأي فساد أعظم من هذا.!؟

وقد حكي عن عطاء أنه كان له صديق من أهل الذمة، فقال له يوما: والله ما بي كراهة للإسلام غير أني أحب الخمر، والإسلام يحرمها.! 

فقال عطاء: أسلم واشرب الخمر، لأن شربـها أخف من الكفر.

فقال الرجل: أيجوز هذا.؟ 

قال عطاء: بلى.

فلما أسلم جاءه عطاء وقال له: اترك شرب الخمر وإلا وجب عليك حدّها.

فقال الرجل: إذن أرتد إلى ديني.؟ 

فقال عطاء: إذا ارتددت نحدُّك حدَّ الردة، فتاب الرجل وحسن إسلامه.

ولا معارضة بين هذا وقوله تعالى: (لا إكراه في الدين) لأن الآية محمولة على ابتداء الدخول في الإسلام، وحد الردة إنما هو الخروج منه بعد الدخول فيه طواعية، فافترقا.

وأيضا فإن حمل قوله: (التارك لدينه المفارق للجماعة) على من ارتدَّ فخرج على المسلمين بالسيف، يفضي إلى العبث في نصِّ الشارع، لأنه تكرار وهو مخلٌّ بالبلاغة، وإن قيل: إنه تأكيد، قيل: التأسيس أولى كما تقرر في الأصول والبيان، فيترجح حمل (التارك لدينه) على المرتد، و(المفارق للجماعة) على الخارج الباغي، وإلا كان من تحصيل الحاصل، وهو فاسد. 

وفي مصنف ابن أبي شيبة عن عثمان أنه قال لأهل الدار: (بم تستحلون دمي؟ فوالله ما حل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، مرتد عن الإسلام أو ثيبٌ زان أو قاتل نفس) فتأمل كيف فهم عثمان التفريق بين التارك والمفارق. 

وله عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم، إلا رجلٌ قتل فقُتل، أو رجلٌ زنى بعدما أُحصن، أو رجلٌ ارتد بعد إسلامه) ، وفي رواية (المسند): أن عائشة قالت للأشتر: أنتَ الذي أردتَ قتل ابن أُختي؟ قال: قد حرصتُ على قتله وحرص على قتلي، قالت: أو ما علمتَ ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم رجل، إلا رجل ارتد، أو ترك الإسلام، أو زنى بعدما أُحصن، أو قتل نفسا بغير نفس).

وفي (الصحيح) أن معاذ بن جبل أتى أبا موسى وعنده رجل يهودي، فقال: ما هذا؟ فقال: هذا يهودي أسلم ثم ارتدّ وقد استتابهُ أبو موسى شهرين، قال: فقال معاذ: (لا أجلس حتى تُضرب عنقُهُ، قضاء الله وقضاء رسوله)

وفي رواية لأحمد: (قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه) ولأبي داود في هذه القصة: فأُتي أبو موسى برجل قد ارتدّ عن الإسلام، فدعاهُ عشرين ليلة أو قريبا منها، فجاء معاذٌ فدعاه فأبى، فضرب عنقه.

فهذا يهدم دعوى من زعم من الحداثيين أنه لم يثبت في الإسلام قتل مرتد، على أن في الباب من الآثار غير هذا أعرضنا عنها لضعفها وإن كان مجموعها ينتهض أصلا، وعند أهل السير والمغازي أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل أم قِرْفة يوم قريظة، وقتل أم مروان عند الدارقطني والبيهقي بسند ضعيف، وخبر عمر في تعنيف من قتل المرتد قبل استتابته ثلاثا عند مالك وغيره.

وحسّن الحافظُ ابن حجر حديثَ معاذ مرفوعا أنه قال له عليه الصلاة والسلام لما أرسله إلى اليمن: (أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن عادت وإلا فاضرب عُنُقها).

وعند ابن أبي شيبة عن أبي عمرو الشيباني عن علي عليه السلام: أنه أُتي بمستورد العجلي وقد ارتد، فعرض عليه الإسلام، فأبى فقتله وجعل ميراثه بين ورثته من المسلمين. 

والقياس على قتل الزنديق يقتضيه، ولست أعلم في قتل المرتد خلافا إلا عن إبراهيم النخعي فإنه قال: (يستتاب المرتد كلما ارتد) كما عند ابن أبي شيبة وظاهره منع قتله لكنه منقطع الإسناد فلا يصح، وحكاه الحافظ أبو محمد بن حزم في (إجماعاته) عن عمر بلا إسناد وعن سفيان، وعلى تقدير صحته فهو خلاف مندرس لم ينتحل القول به مجتهد معتبر فلا يعول عليه. 

والظاهر أنه أخذه من خلاف عمر لأبي بكر ومناظرته له في قتال المرتدين أول الأمر، لأنه إن خالف في قتال جماعتهم فأن يخالف في قتال الواحد منهم أولى، وقد صح بيقين رجوع عمر عنه وانعقاد الإجماع، ولهذا قال ابن القطان في كتابه الكبير في الإجماع: (واتفقوا على قتل أهل الردة بعد اختلاف عظيم كان بينهم) ولذا حكى الموفق قتل المرتد عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ وأبي موسى وغيرهم من الصحابة، واتفاق الخلفاء الراشدين حجة ليست مما تدفع بالهوينا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر باتباعهم والتمسك بـهديهم وأن يعض عليه بالنواجذ.

فلم يبق إلا ما حكوه عن سفيان وعلى التنزل بثبوته عنه فقد مرَّ أنه قول قد درس فلم يلتزمه مجتهد معتبر، وبه يصح الإجماع الذي أطلقه الموفق والنووي وغيرهما في قتله، فمن رام نقض هذا الإجماع فليخرمه بنقل صحيح خال عما يساويه أو يعارضه فيُقدّم عليه، ودونه خرط القتاد، وهجران لذيذ الرقاد.

ولا عبرة بخلاف العصريين والحداثيين لأنه حادث بعد صحة انعقاد الإجماع أو على الأقل عدم الخلاف، وقد تقرر في الأصول أن الخلاف الحادث بعد إجماع السلف خطأ قطعا كما قاله أبو العباس بن تيمية، وقال الحافظ أبو الحسن بن القطان في (الإقناع): (أجمعوا أنه لا يجوز لأحد أن يخرج على أقاويل السلف فيما أجمعوا عليه، وعما اختلفوا فيه أو تأويله، فإن الحق لا يجوز أن يخرج عن أقاويلهم).

واعلم أن الناس في هذا طرفان ووسط، فالطرفان من لا يقتل المرتد أبداً كما يحاول الحداثيون تقريره عبثاً، وطرف يقتله أبداً حتى لو تاب وهو محكي عن الحسن البصري كما في (الإقناع) لابن القطان، والوسط ما انعقد عليه إجماع الكافة في عامة الأعصار والأمصار أنه يقتل إن لم يتب، والترجيح بالوسط معتبر عند تكافؤ طرفي الدليلين كما قررناه في الأصول، وهو ميل العلامة الطاهر ابن عاشور وأخذه من ظاهر قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) فكيف والتكافؤ معدوم لمن تصفح الأدلة بإنصاف في المسألة. 

ومن توهم الحصر في خبر (التارك لدينه) فقد غلط غلطا بيّنا، فإن غايته كمال الحصر على معنى إن كان ثمَّ من يستحق القتلَ فهؤلاء الثلاثة أولى به، ويقويه أنه نكرة في سياق النهي واستثناء من النهي وعمومهما صلاحي بدلي لا شمولي، ولهذا خصَّ من الخبر الزنديق والجاسوس والساحر ونحوهم، فإنـهم يقتلون حداً أو كفراً أو كليهما، فيلتحق بـهم المرتد بقياس الأولى، فكيف وقد ظهر أن (التارك لدينه) نص في المرتد فيوافق خبر البخاري، وأن (المفارق للجماعة) هو الباغي الخارج، والله أعلم.

ولا بد من تقييد قتل المرتد بأنه يناظر ويراجع ويحبس ثلاثين يوما يستتاب في كل يوم مائة مرة كما قال ابن حزم وابن القطان، وتقدم أن أبا موسى استتابه شهرين وقيل عشرين يوما، وعند الجمهور ثلاثة أيام، وهذا لأن استبقاءه مؤمنا مقصود للشارع موافق لأصوله العامة، بخلاف إعدامه فإنه مخالف لأصل عصمة الدم وغير مقصود للشارع أصالة، وإنما شرعه للحفاظ على ما به انتظام العالم وصلاح معايش الناس مؤمنهم وكافرهم. 

فلم يقصد الشارع إتلاف النفوس أصالة وإنما شرعه للدفع وسداً للذريعة فهو خلاف أصل مقصوده، فمهما أمكن درء قتله فهو أولى، ولهذا شرع درء الحدود بالشبهات ونحوه، وقيد الشارع قتل المرتد بشروط كالعقل وزوال المانع والشبهة وأن يباشر ذلك من له الحق كالإمام أو نائبه، وأوكل إلى الإمام الاجتهاد في مدة حبسه حتى يراجع الإسلام.

وفي (الموطأ) أن عمر سأل ابن عبد القارئ عما فعله أبو موسى بمرتد؟ فقال: قرّبناه وضربنا عنقه، فقال عمر: (فهلا حبستموه ثلاثا وأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب أو يراجع أمر الله؟ اللهم إني لم أحضر ولم آمر ولم أرض إذ بلغني) والفقهاء يقولون: مهما أمكن إصلاحه بالتوبة واستبقائه لم يجر إتلافه وإعدامه قبل استصلاحه كالثوب النجس.

ولو قُدّر أن من له الولاية اجتهد بإقرار أهل العلم فرأى المصلحة في استبقاء المرتد وحبسه أبداً حتى يتوب عملا بالقول الشاذ المروي عن سفيان، وهو ما يقال له في عصرنا (الحبس المؤبد) فلا مانع منه مؤقتا، إذا غلب على ظنه رجاء توبته وزوال خطر ردته، لأن المقصود من قتله حسم مادة الردة كي لا يتذرع بـها لانتهاك حدود الشرع ومحارمه، ولا يقتدي به غيره، فإذا زال الخطر منه وأقره أهل العلم كدور الإفتاء ومجامع الفقه وغلب على الظن تحقق المصلحة من حبسه بتوبته، جاز مؤقتا وإلا فلا، وهو ضابط العمل بالأقوال الشاذة المروية في كتب الخلاف والوفاق، والله أعلم. 

والحمد لله أولا وآخراً باطنا وظاهراً وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا