السبت 13 جمادى الأولى 1440 - 19 يناير 2019

حدث في الخامس والعشرين من ربيع الآخر موقعة الجمل 

السبت 28 ربيع الثاني 1440 - 5 يناير 2019 52 محمد زاهد أبو غدة
حدث في الخامس والعشرين من ربيع الآخر موقعة الجمل 

في الخامس والعشرين من ربيع الآخر من عام 36 حدثت موقعة الجمل، بين علي رضي الله عنه وبين جيش يرأسه طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام ويضم عائشة أم المؤمنين، وهو أول قتال كبير يقع بين المسلمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومأساة كبيرة في فتن متتالية عصفت بالمسلمين ومزقت صفوفهم حتى هذا اليوم.

ولا بد من أن نشير إلى أن بعض المراجع تذكر أن معركة الجمل كانت في جمادى الآخرة، ولكن الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري يقول في تاريخه إنها كانت لخمس ليال بقين من ربيع الآخر، وكذلك يقول ابن الجوزي في المنتظم وابن الأثير في الكامل في التاريخ وابن كثير في البداية والنهاية، والله أعلم

بايع المسلمون علياً رضي الله عنه بعد مقتل عثمان في آخر عام 35، في فترة شديدة الحرج، إذ سادها الهرج والمرج، وعلا فيها صوت الشباب المتحمس المتطرف على صوت العقل والتفاهم والحوار، وكان عليٌّ رضي الله عنه أعرف الناس بهذا الوضع الصعب، فالإمارة فيه مغرم مثقِل وهَمٌ دائم، ولذلك أعرض عن الإمارة لعلمه أن الإجماع عليه فيها متعذر، فقلوب من كان حول عثمان ملأى بأوهام الشيطان وأنصاف الحقائق، وهم في تركيزهم على مطلب حق هو إحقاق العدالة والأخذ بدم عثمان، غافلين أو متغافلين عن أن الفتنة العاصفة ستجعل إنجاز ذلك متعذراً على الخليفة من ناحية وأن ذلك سيقود إلى فتنة أشد وتشرذم أكثر.

قال المؤرخون: لما قُتِل عثمان بقيت المدينة خمسة أيام وأهلها يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه، فغشي الناس علياً، فقالوا: هلم نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام! فقال علي: دعوني والتمسوا غيري، فإنَّا مستقبلون أمراً له وجوهٌ وله ألوانٌ، لا تقوم به القلوب، ولا تثبت عليه العقول، فأن أكون وزيراً خيراً من أن أكون أميراً. فقالوا: نُشهِدُك الله! ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى الفتنة؟ قال: قد أجبتكم، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم إلا أني من أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه.

وفي رأيي المتواضع، يغفل كثير من المحللين عن أهمية السن عند اختيار الخليفة في طور الخلافة الراشدة، فالمجتمع العربي كان كما هو اليوم يقدم الكبير ويتوجس خيفة من الشباب، وينبغي أن نلاحظ أن الأربعة المرشحين للخلافة كانوا في أعمار متقاربة فقد كان سن الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله 64 عاماً، وسن علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص 59 عاماً، رضي الله عنهم أجمعين.

وكان طلحة أول من بايع علياً وبايعه الزبير، ولم يبايعه سعد بن أبي وقاص ولا عبد الله بن عمر، ولعل ذلك لأنهما رأيا ألا إجماع على بيعته، ولم يبايعه كذلك عبد الله بن سلام، وأسامة بن زيد، وقدامة بن مظعون، والمغيرة بن شعبة.

وبايع علياً أغلب الأنصار إلا نفراً يسيراً، منهم حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وأبو سعيد الخدري، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، وكان مَن لم يبايعه قد اشترطوا عليه إعلان التزامه العلني بالقصاص من قتلة عثمان قبل أن يبايعوه، وقد أشرنا من قبل أن علياً رضي الله عنه مع حرصه على القصاص، إلا أنه كان أحرص على مصلحة المسلمين وإخماد الفتنة، ومن شأن هذا الشرط أن يزيدها اشتعالا.

وأخذ النعمان بن بشير قميص عثمان الذي قتل فيه وأصابع امرأته نائلة التي قطعت عند مقتله، وسار بهم إلى الشام، وكان واليها معاوية بن أبي سفيان منذ أيام عمر رضي الله عنه، فنصبوا القميص في جامع دمشق.

وقال طلحة والزبير وعدد من الصحابة: يا علي، إنا قد اشترطنا إقامة الحدود، وإن هؤلاء القوم قد اشتركوا في قتل هذا الرجل. فقال: يا إخوتاه، إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم؟ ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانُكم، وثابت إليهم أعرابُكم، وهم خلالكم يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعاً لقدرة على شيء مما تريدون؟ قالوا: لا. قال: إن الناس من هذا الأمر - إن حُرِّكَ - على أمور: فرقة ترى ما ترون، وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقةٌ لا ترى هذا ولا هذا حتى يهدأ الناس، وتقع القلوب مواقعها، وتؤخذ الحقوق. فاهدؤوا عني، وانظروا ماذا يأتيكم، ثم عودوا .

وجاء المغيرة بن شعبة، المولود سنة 20 قبل الهجرة، والمتوفى سنة 50، وكان أحد دهاة العرب وقادتهم، فقدم النصح لعلي رضي الله عنه أن يثبت حكمه ويرسخ دعائمه بتعيين كبار الصحابة من مناوئيه في مناصب تليق بهم كولاة على البلدان التي تشايعهم، ثم يباشر ما يريد من إصلاح أو قصاص، وقال له: إنَّ لك حق الطاعة والنصيحة، وأنت بقية الناس، وإنَّ الرأي اليوم يُحرز به ما في غدٍ، وإنَّ الضَياع اليوم يضيع به ما في غدٍ، إن أردت أن يستقيم لك الأمر، فاستعمل طلحة على الكوفة، والزبير على البصرة، وابعث إلى معاوية بعهده على الشام، حتى تأتيك بيعته وتلزمه طاعتُك، ولك حجةٌ في إثباته، فإن عمر بن الخطاب كان قد ولاه الشام، فإذا استقرت لك الخلافة وسكن الناس فاعزل من شئت يا أمير المؤمنين. فأبى علي ذلك، وقال: لا أداهن في ديني ولا أعطي الدنية في أمري.

ونصحه بمثل هذه النصيحة كذلك عبد الله بن عباس بعدما سمع نوايا علي، فقال له: إن معاوية وأصحابه أهل دنيا، فمتى تثبتهم لا يبالوا من ولي هذا الأمر، ومتى تعزلهم يقولوا: أخذ هذا الأمر بغير شورى، وهو قتل صاحبنا. ويؤلبوا عليك، فينتقض عليك أهل الشام وأهل العراق.

قال علي: والله لا أعطيه إلا السيف! ثم تمثل:

وما ميتةٌ إن متها غير عاجز ... بعارٍ إذا ما غالت النفس غولها

فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، أنت رجل شجاع، لست صاحب رأيٍ في الحرب، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الحرب خدعة.

وأمر علي رضي الله عنه ابن عباس أن يسير إلى الشام والياً عليها، فرفض خشية من تمرد محتوم لمعاوية، وعيَّن علي عماله على الأمصار فبعث عثمان بن حنيف على البصرة، وعمارة بن شهاب على الكوفة، وعبيد الله بن عباس على اليمن، وقيس بن سعد بن عبادة على مصر، وسهل بن حنيف على الشام.

وردَّ أهل الشام سهلاً من تبوك، وردَّ عمارةَ طليحةُ بن خويلد، وقال له: ارجع فإن القوم لا يريدون بأميرهم بدلاً، فإن أبيت ضُربِت عنقك. ودخل قيس بن سعد مصر، فافترق أهل مصر فِرقاً: فرقةٌ دخلت في الجماعة فكانوا معه، وفرقةٌ اعتزلت وقالوا: إن قتل قَتَلة عثمان فنحن معكم، وفرقةٌ قالت: نحن مع علي ما لم يُقِدْ من إخواننا. وهم في ذلك مع الجماعة، فكتب قيس إلى علي بذلك.

وكان عثمان قد ولَّى على البصرة في سنة 29 عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة الأموي، المولود سنة 4 والمتوفى سنة 59، وكان شجاعا سخيا وصولا لقومه، رحيما، قال عنه الإمام علي: ابن عامر سيد فتيان قريش. وكانت الخشية منه شديدة لهذه الخصال، ولكنه سلّم الأمر لعثمان بن حنيف دون معارضة أو قتال، وافترق أهل البصرة ثلاث فرق: فرقة دخلت مع علي في الجماعة، وفرقةٌ اتبعت معاوية، وقالت فرقة: ننظر ما يقول أهل المدينة فنصنع ما صنعوا. وعثمان بن حنيف صحابي شهد أحداً وما بعدها، وولاه عمر السواد قبل أن يوليه عليٌّ البصرة، وتوفي سنة 41.

وأما عبيد الله بن عباس فانطلق إلى اليمن، فخرج منها واليها يعلى بن منية بعد أن جمع المال ولحق بمكة، وأنفق المال في حرب الجمل.

وكتب علي إلى معاوية وإلى أبي موسى الأشعري، فأجابه أبو موسى بطاعة أهل الكوفة، وبيَّن الكاره منهم للذي كان، والراضي، ومَن بين ذلك، حتى كان علي كأنه يشاهدهم.

وتأخر معاوية في رد الجواب على علي مدة 3 أشهر، ثم أرسل له رسالة شفوية مع رجل من بني عبس، قال لعلي: تركت قوماً لا يرضون إلا بالقِوَد. قال: ممن؟ قال: من خيط رقبتك! وتركتُ ستين ألف شيخ يبكي تحت قميص عثمان، وهو منصوبٌ لهم، قد ألبسوه منبر دمشق! فقال علي رضي الله عنه: أمني يطلبون دم عثمان؟ ألست موتوراً بِتِرَة عثمان؟ اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان!

وأظهر عليٌّ العزم على قتال معاوية، وكتب إلى عماله أن ينتدبوا الناس إلى الشام، واستأذنه طلحة والزبير في العمرة، فأذن لهما.

وكانت عائشة رضي الله عنها كانت قد خرجت إلى الحج وعثمان محصورٌ، فلما أتاها الخبر بقتله وخلافة علي، قالت: قٌتِلَ - والله - عثمان مظلوماً! والله لأطلبن بدمه! واجتمع الناس إليها بمكة، فقالت: أيها الناس، إن الغوغاء من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول ظلماً بالأمس، ونقموا عليه استعمالَ من حدثت سنه، وقد استعمل أمثالَهم مَنْ قبلَه، ومواضعَ من الحمى حماها لهم، وهي أمور قد سُبِقَ بها لا يصلح غيرها، فتابعهم، ونزع لهم عنها استصلاحاً لهم، فلما لم يجدوا حجةً ولا عذراً بادروا بالعدوان، فسفكوا الدم الحرام، واستحلوا البلد الحرام، والله لإصبعٌ من عثمان خيرٌ من طباق الأرض أمثالهم! ووالله لو أن الذي اعتدوا به عليه كان ذنباً لخلص منه كما يخلص الذهب من خبثه.

فكان أول مجيب لها عبد الله بن عمرو بن الحضرمي، وكان عامل عثمان على مكة، وتبعه بنو أمية على ذلك، وانضم إليها سعيد بن العاص، المولود سنة 3 والمتوفى سنة 59، وكان عامل عثمان على الكوفة، وأحد من قاتلوا دونه، وانضم إليها كذلك الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي، المتوفى سنة 61، وهو أخو عثمان لأمه، وعامله على الكوفة، وقدم عبد الله بن عامر من البصرة بمال كثير، وجاء يعلى بن بن منية من اليمن ومعه ستمئة بعير وستمئة ألف درهم، فأصبح تمويل الحملة العسكرية وركوبها متوفراً.

وقدم طلحة والزبير من المدينة، فلقيا عائشة: فقالت: ما وراءكما؟ فقالا: إنا هربنا من المدينة من غوغاء وأعراب، وفارقنا قوماً حيارى لا يعرفون حقاً ولا ينكرون باطلا ولا يمنعون أنفسهم. وتشاور كبار الجماعة فاستقام لهم الرأي أن يقصدوا البصرة فقالوا: يا أم المؤمنين، اشخُصي معنا إلى البصرة فإنا نأتي بلدا مضيعا، وسيحتجون علينا فيه ببيعة عليٍّ فتنهضينهم كما أنهضتِ أهل مكة، فإن أصلح الله الأمر كان الذي أردنا، وإلا دفعنا عن هذا الأمر بجهدنا، حتى يقضي الله ما أراد. فأجابتهم إلى ذلك.

ودعوا عبد الله بن عمر ليسير معهم، فأبى، وقال : أنا رجل من أهل المدينة، أفعل ما يفعلون. فتركوه، وكانت حفصة بنت عمر عازمة على المسير معها، فمنعها أخوها عبد الله.

وخرجت عائشة من مكة في ثلاثة آلاف رجل، ومعها أبان والوليد ابنا عثمان، ولما خرجت عائشة من مكة أذَّن مروان بن الحكم، ثم جاء إلى طلحة والزبير فقال: على أيكم أسلم بالإمرة وأؤذن بالصلاة؟ فقال عبد الله بن الزبير: على أبي عبد الله. يعني أباه. وقال محمد بن طلحة: على أبي محمد. يعني أباه، فأرسلت عائشة إلى مروان فقالت: أتريد أن تفرق أمرنا، ليصل بالناس ابن أختي تعني عبد الله بن الزبير.

وخلا سعيد بن العاص بطلحة والزبير، فقال: اصدُقاني، إن ظفرتما، لمن تجعلان الأمر؟ قالا: نجعله لأحدنا أينا اختاره الناس. قال: بل تجعلونه لولد عثمان، فإنكم خرجتم تطلبون بدمه. فقالا: ندع شيوخ المهاجرين ونجعلها لأبنائهم؟! قال: فلا أراني أسعى إلا لإخراجها من بني مناف! فرجع، ورجع عبد الله بن خالد بن أَسيد الأموي والمغيرة بن شعبة.

ومر الجيش على ماء يدعى الحوأب فنبحتهم كلابه فقالت عائشة: أي ماءٍ هذا؟ فقال الدليل: هذا ماء الحوأب. فصرخت عائشة بأعلى صوتها، واسترجعت وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنسائه: ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب! ردوني! أنا والله صاحبة ماء الحوأب! فقال لها عبد الله بن الزبير: إنه كذب، وليس هو ماء الحوأب. ولم يزل بها وهي تمتنع حتى قال لها: النجاء النجاء! قد أدرككم علي بن أبي طالب. فارتحلوا نحو البصرة.

وأرسل أميرُ البصرة عثمانُ بن حنيف الصحابيَّ الفقيهَ عمرانَ بن حصين والتابعيَّ الجليل أبا الأسود الدؤلي ليسألا عائشة عن غرضها من مسيرها، فقالت لهما: والله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم، إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزَّاع القبائل غزوا حرم الرسول عليه الصلاة والسلام وأحدثوا فيه الأحداث، وآووا فيه المحْدِثين، فاستوجبوا لعنة الله ولعنة الرسول، مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا تِرةٍ ولا عذر، فاستحلوا الدم الحرام فسفكوه، وانتهبوا المال الحرام، وأحلوا البلد الحرام والشهر الحرام، وأقاموا في دار قوم كارهين لمقامهم، ضارين مضرين غير نافعين ولا منتفعين، لا يقدرون على امتناع ولا يأمنون، فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء، وما فيه الناس وراءنا، وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذه القصة. وقرأت: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أو مَعْرُوفٍ أو إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾، ثم قالت: نهض في الإصلاح فيمن أمر الله وأمر رسوله الصغيرُ والكبير والذكر والأنثى، فهذا شأننا إلى معروفٍ نأمركم به ونحضكم عليه، ومنكرٍ ننهاكم عنه ونحثكم على تغييره.

فخرجا من عندها، فأتيا طلحة فقالا له: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان. فقالا: ألم تبايع علياً؟ قال: بلى، والسيف على عنقي، وما أستقيل علياً البيعة إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان. ثم أتيا الزبير فقالا له وقال مثل ذلك.

ومضيا حتى أتيا عثمان بن حنيف، فأخبراه بما رأيا فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، دارت رحى الإسلام ورب الكعبة! ونادى في الناس، وأمرهم بلبس السلاح.

وأقبلت عائشة فيمن معها حتى انتهوا إلى المربد، فدخلوا من أعلاه، ووقفوا حتى خرج عثمان بن حنيف، فيمن معه، وخرج إلى عائشة من أهل البصرة من أراد أن يكون معها، فاجتمع القوم كلهم بالمربد.

وجرت بين القوم خُطبٌ حاول كل طرف أن يستميل أصحاب الطرف الآخر إليه، ولكن ما لبث القتال أن نشب، ودام يومين وكثر القتل والجراح في الفريقين، ومنادي عائشة يناشدهم ويدعوهم إلى الكف، فيأبون، حتى إذا مسهم الشر وعضتهم الحرب نادوا أصحاب عائشة إلى الصلح، فأجابوهم، وتداعوا وكتبوا بينهم كتاباً على أن يبعثوا رسولاً إلى المدينة يسأل أهلها، فإن كان طلحة والزبير أُكرِها على مبايعة علي، خرج ابن حنيفٍ عن البصرة وأخلاها لهم، وإن كانا لم يكرها على البيعة خرج طلحة والزبير.

وعاد الرسول برأي من ارتأى أنهما أُكرها على البيعة، وكتب عليٌّ إلى عثمان بن حنيف أنهما لم يكرها على البيعة، فامتنع عن الخروج، واحتج بكتاب عليٍّ، فجمع طلحة والزبير الرجال في ليلة مظلمة ذات رياح ومطر، وقصدوا المسجد واقتتلوا، وقبض بعضهم على عثمان بن حنيف ونتفوا شعر رأسه ولحيته وحاجبيه، فاستعظم ذلك طلحة والزبير، وأرسلت عائشة أن خلوا سبيله، وبايع أهل البصرة طلحة والزبير.

وكان علي رضي الله عنه قد تجهز لقصد الشام لقتال معاوية، فبينما هو على ذلك أتاه الخبر عن طلحة والزبير وعائشة من مكة بما عزموا عليه، فسره أنهم قصدوا البصرة، وقال: إن الكوفة فيها رجال من العرب وبيوتاتهم. فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: إن الذي سرك من ذلك ليسوءني، إن الكوفة فسطاط فيه من أعلام العرب ولا يزال فيها من يسمو إلى أمرٍ لا يناله، فإذا كان كذلك شغب على الذي قد نال ما يريد، حتى يكسر حدته. فقال علي: إن الأمر ليشبه ما تقول.

وندب عليٌّ أهل المدينة للمسير معه، فتثاقلوا، وخرج من المدينة خلسة عبد الله بن عمر، فظنوا أنه خرج إلى الشام، فقلق عليّ وأراد أن يرسل من يطلبه، فأخبرت أمُ كلثوم ابنة علي وزوجةُ أبيه عمر أنه أخبرها أنه خرج معتمراً مقيماً على طاعة عليّ ما خلا النهوض، فطابت نفس الإمام علي، وخرج ومعه من نشط من الكوفيين والبصرين متخففين في تسعمئة، وسار حتى أقام في الربذة، وخطب الناس فقال: إن الله تبارك وتعالى أعزنا بالإسلام ورفعنا به، وجعلنا إخواناً بعد ذلة وقلة وتباغض وتباعد، فجرى الناس على ذلك ما شاء الله، الإسلامُ دينهم، والحق فيهم، والكتاب إمامهم، حتى أصيب هذا الرجل بأيدي هؤلاء القوم الذين نزغهم الشيطان، لينزغ بين هذه الأمة. وأتاه جماعة من طييء، وهو بالربذة، ثم أتته بفَيد قبائل أسد وطييء وبكر بن وائل، فعرضوا عليه أنفسهم فقال: في المهاجرين كفاية.

وأرسل عليٌّ رضي الله عنه محمدَ بن أبي بكر الصديق ومحمد بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم إلى أهل الكوفة، وكتب إليهم: إني قد اخترتكم على الأمصار، وفزعت إليكم لما حدث، فكونوا لدين الله أعواناً وأنصاراً، وانهضوا إلينا، فالإصلاح نريد، لتعود هذه الأمة إخواناً . فمضيا فأتيا أبا موسى الأشعري بكتاب علي، وقاما في الناس بأمره، فلم يجابا بشيء، وقال أبو موسى للناس: كان الرأي بالأمس ليس اليوم، إن الذي تهاونتم به فيما مضى هو الذي جر عليكم ما ترون، إنما هما أمران القعود سبيل الآخرة، والخروج سبيل الدنيا، فاختاروا.

وغضب محمد، فأغلظ لأبي موسى، فقال لهما: إن لم يكن بدٌ من قتال؛ لا نقاتل أحداً حتى نفرغ من قتلة عثمان حيث كانوا . فأرسل عليٌّ الأشتر النخعي وعبد الله بن عباس، فلم يفلحا في زحزحة أبي موسى، وقال: هذه فتنةٌ صماء، النائم فيها خيرٌ من اليقظان، واليقظان خير من القاعد، والقاعد خير من القائم، والقائم خير من الراكب، والراكب خير من الساعي، فأغمِدوا السيوف، وأنصلوا الأسنة، واقطعوا الأوتار، وآووا المظلوم والمضطهد، حتى يلتئم هذا الأمر وتنجلي هذه الفتنة.

فأرسل علي ابنه الحسن وعمار بن ياسر، فاصطدم عمار بن ياسر مع الداعين إلى الحياد وعلى رأسهم أبي موسى الأشعري، ولكن وجوه القوم رأوا أنه لا بد إمارة تنظم الناس، وتزع الظالم، وتعز المظلوم، وعليٌّ رضي الله عنه هو المأمون على الأمة، وتكلم الحسن رضي الله عنه، فقال: أيها الناس أجيبوا دعوة أميركم، وسيروا إلى إخوانكم، فإنه سيوجد لهذا الأمر من ينفر إليه، ووالله لأن يليه أولو النهى أمثلُ في العاجل والآجل، وخيرٌ في العاقبة، وإن أمير المؤمنين يقول: قد خرجت مخرجي هذا ظالماً أو مظلوماً، وإني أذكر الله رجلاً رعى حق الله إلا نَفَرَ، فإن كنت مظلوماً أعانني، وإن كنت ظالماً أخذ مني، والله إن طلحة والزبير لأول من بايعني، فهل استأثرت بمال أو بدلت حكماً؟ وتكلم عدي بن حاتم الطائي وبعض الصحابة، وحثوا الناس على اللحاق بعلي وإعانته، فنفر مع الحسن تسعة آلاف جاءوا إلى علي رضي الله عنه بذي قار.

وأرسل الإمام عليٌّ الصحابي القعقاعَ بن عمرو إلى أهل البصرة وقال له: الق هذين الرجلين، يعني طلحة والزبير، وادعهما إلى الألفة والجماعة، وعظِّم فيهما الفرقة. فبدأ بعائشة فسلم عليها وقال: أي أمه، ما أشخصك وما أقدمك على هذا البلد؟ قال: أي بني، الإصلاح بين الناس. قال: فابعثي إلى طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما، فبعثت إليهما، فجاءا، فقال لهما: إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها؟ فقالت الإصلاح، فما تقولان أنتما؟ أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان. قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ قالا: قَتَلة عثمان، فإنَّ هذا إن تُرِكَ كان تركاً للقرآن! فأقام عليهما القعقاع الحجة بما فعلاه هما فقال: طلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف فارس، فإن تركتموهم كنتم تاركين لما تقولون، وإن قاتلتموهم والذين اعتزلوكم فأُديلوا عليكم فالذي حذرتم وقويتم به هذا الأمر أعظم مما أراكم تكرهون! قالت عائشة: فما تقول أنت؟ قال: إن هذا الأمر دواؤه التسكين، فإذا سكن اختلجوا، فإن أنتم بايعتمونا فعلى خير وتباشير رحمة ودرك بثأر، وإن أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واعتسافه كانت علامة شر وذهاب هذا الثأر، فإن هذا الأمر الذي حدث أمرٌ ليس يقدر، وليس كقتل الرجل الرجل ولا النفر الرجل ولا القبيلة الرجل، قالوا: قد أصبت وأحسنت، فارجع، فإن قدم عليٌ وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر.

فرجع إلى علي، فأخبره، فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح، كره ذلك من كرهه، ورضيه من رضيه، وشاع ذلك في العشائر، وقام علي رضي الله عنه خطيباً فاستعرض ما جرى ثم قال: ألا وإني راحل غداً، فارتحِلوا، ولا يرتحل معنا أحدٌ أعان على عثمان بشيءٍ من أمور الناس، وليغن السفهاء عني أنفسهم.

واجتمع من كان في عسكر علي ممن سار إلى عثمان أو رضي بسير من سار إليه، وتشاوروا حول هذا التطور الذي لم يرضهم، وهدد مصائرهم، فاتفقوا على رأي القائل أنه إذا التقى الناس غداً فأنشِبوا القتال، ولا تفرغوهم للنظر.

وسار علي رضي الله عنه يريد البصرة، فالتقى مع طلحة والزبير وعائشة عند موضع قصر عبيد الله بن زياد، وتحاشوا أن يكون أحدهم البادئ بالقتال، وأقاموا ثلاثة أيام لم يكن بينهم قتال، إنما يرسل علي إليهم يكلمهم ويدعوهم، وجاءه الأحنف بن قيس فاستأذنه في أن يكون مع قومه على الحياد فأذن له. والأحنف بن قيس التميمي كان أحد العظماء الدهاة الشجعان، ولد سنة 3 قبل الهجرة وتوفي سنة 72، وكان سيد تميم إذا غضب غضب له مئة ألف لا يدرون فيم غضب.

وخطب عليٌّ رضي الله عنه في جماعته، وأوضح لهم أن إقدامه على أهل البصرة هدفه الإصلاح وإطفاء النار، وقال: أيها الناس املكوا أنفسكم، وكفوا عن هؤلاء القوم أيديكم وألسنتكم، وإياكم أن تسبقونا، فإن المخصوم غدا من خصِمَ اليوم.

ولما تراءى الجمعان خرج الزبير على فرس وعليه سلاح، فقيل لعلي: هذا الزبير فقال: أما إنه أحرى الرجلين إن ذُكِّر بالله أن يذكر. وخرج طلحة، فخرج إليهما علي، فدنا منهما حتى، اختلفت أعناق دوابهم، فقال: لعمري لقد أعددتما سلاحا وخيلا ورجالا، إن كنتما أعددتما عذرا عند الله فاتقيا الله، ولا تكونا كالتي نقضت غزلها من بعد قوةٍ أنكاثاً، ألم أكن أخاكما في دينكما تحرِّمان دمي وأحرِّم دماءكما؟ فهل من حدثٍ أحل آدمي؟ فقال طلحة: اللَبث على دم عثمان. فقال علي رضي الله عنه: يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق! يا طلحة، تطلب بدم عثمان فلعن الله قَتَلة عثمان! يا طلحة، أتيت بعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم تقاتل بها وخبأت عرسك في البيت! أما بايعتني؟ قال: بايعتك والسيف على عنقي!

ثم قال علي للزبير: ما أخرجك؟ قال: أنت، ولا أراك لهذا الأمر أهلاً ولا أولى به منا. فذكَّره علي رضي الله عنه بأشياء، ثم قال: أتذكر يوم مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني غنم، فنظر إلي، فضحك وضحكت إليه، فقلت: لا يدع ابن أبي طالب زهوه! فقال لك رسول الله عليه الصلاة والسلام: إنك لتقاتله وأنت ظالم له! فقال: اللهم نعم، ولقد كنت أُنسيتها ولو ذكرت ما سرت مسيري هذا، والله لا أقاتلك أبدا! فرجع الزبير إلى عائشة فقال لها: يا أماه، ما شهدت موطناً إلا ولي فيه رأيٌ وبصيرة غير موطني هذا! قالت: وما تريد أن تصنع؟ قال: أدعهم وأذهب. ثم قال لابنه عبد الله: عليك بحربك وأما أنا فأرجع إلى بيتي. فقال له: ما يردك؟ قال: ما لو علمته لكسرك. فقال له ابنه: بل رأيت عيون بني هاشم تحت المغافر فراعتك، وعلمت أن سيوفهم حدادٌ تحملها فتيةٌ أنجاد. فغضب الزبير ثم قال: أمثلي يفزع بهذا؟ وأحفظه ذلك، وقال: إني حلفت إلا أقاتله، قال: فكفِّر عن يمينك وقاتله. فأعتق غلامه مكحولاً.

ورغم أن الطرفين وصلا إلى حافة الصلح والسلم بمساعي القعقاع، إلا أن الشك وعدم الثقة لم ينقشع كسحابة صيف بل بقي جاثماً في النفوس ومسيطراً على التفكير، كذلك لم يكن الخلاف بين الأطراف قبلياً بقدر ما هو حول المبادئ والأشخاص، إلا أن الاعتبارات والولاءات القبلية كانت حاضرة بقوة في جنود كل طرف عند اتخاذ المواقف من الأحداث والأشخاص، وفي طريقة تعبئة القوات في المصاف، وساهم هذا في إنجاح خطة المتآمربن الذين هاجموا الطرفين فاستطاعوا إنشاب الحرب، بينهم بعد أن كانوا على صعيد عامة الجيشين قد استأنسوا إلى بعضهم واختلطوا مع نظرائهم من قبائلهم.

ولما نشب القتال أقبل كعب بن سور فقال لعائشة: يا أم المؤمنين، أدركي الناس، فقد أبى القوم إلا القتال، لعل الله يصلح بك. فركبت وألبسوا هودجها الأدراع، وقالت عائشة لكعب بن سور وهو آخذ بخطام الجمل: خل عن الجمل وتقدم بالمصحف فادعهم إليه. وناولته مصحفاً من هودجها فاستقبل القومَ بالمصحف، فرشقه السبئية رشقاً واحداً، فقتلوه ورموا أم المؤمنين في هودجها، فجعلت تنادي: البقية البقية يا بني! الله الله! اذكروا الله والحساب! فيأبون إلا إقداما، فقالت: أيها الناس العنوا قتلة عثمان وأشياعهم. وأقبلت تدعو، فضج الناس بالدعاء، فسمع علي فقال: ما هذه الضجة؟ قالوا: عائشة تدعو على قتلة عثمان وأشياعهم. فقال: اللهم العن قتلة عثمان!

واشتدت الحرب، وكانت كل قبيلة تقاتل أبناء قبيلتها في الطرف الآخر، ثم أوحى الشيطان إلى بعض المقاتلين أن يقصدوا الأطراف: الأيدي والأرجل، فما رؤيت وقعة كانت أعظم منها قبلها ولا بعدها ولا أكثر ذراعا مقطوعة ورجلا مقطوعة!

ودافعت الأزد عن عائشة دفاعاً مستبسلاً، وأحدق أهل النجدات والشجاعة بالجمل، فكان لا يأخذ الخطام أحدٌ إلا قتل، حتى قتل على خطام الجمل عدد كبير من الرجال، وطال القتال دون حسم، فنادى علي: اعقروا الجمل فإنه إن عقر تفرقوا. فضربه رجل، فسقط، وإنه كالقنفذ لما فيه من السهام، وفر من وراء ذلك من الناس، فأمر علي منادياً فقال: ألا لا تتبعوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح ولا تدخلوا الدُور.

وأمر علي نفراً أن يحملوا هودج عائشة من بين القتلى، وأمر أخاها محمد بن أبي بكر أن يضرب عليها قبة، وأتاها علي فقال: كيف أنت يا أمه؟ قالت: بخير. قال: يغفر الله لك. قالت: ولك. ثم أتى وجوه الناس إلى عائشة، وفيها القعقاع بن عمرو، فسلم عليها، فقالت: والله لوددت أنى مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة!

ولما كان الليل أدخل محمد بن أبي بكر عائشة البصرة، فأنزلها في دار عبد الله بن خلف الخزاعي - وهي أعظم دارٍ في البصرة - على صفية بنت الحارث، وهي أم طلحة الطلحات بن عبد الله بن خلف.

وأقام علي بظاهر البصرة ثلاثاً، وأذن للناس في دفن موتاهم، فخرجوا إليهم فدفنوهم، وكان عدد القتلى عشرة آلاف، نصفهم من كل طرف، وطاف علي في القتلى، وأثنى على كثير منهم ممن كانوا في جيش طلحة والزبير، وصلى عليٌّ على القتلى من بين الفريقين، وأمر فدفنت الأطراف في قبر عظيم، وجمع ما كان في العسكر من شيء وبعث به إلى مسجد البصرة، وقال: من عرف شيئاً فليأخذه إلا سلاحاً كان في الخزائن عليه سمة السلطان.

ثم دخل علي البصرة وبايعه أهلها، حتى الجرحى والمستأمنة، واستعمل عليها عبد الله بن عباس، ثم راح علي رضي الله عنه إلى عائشة في دار عبد الله بن خلف الخزاعي، فوجد النساء يبكين على عبد الله وأخيه عثمان، وكان عبد الله قتل مع عائشة، وعثمان قتل مع علي، وكانت صفية زوجة عبد الله مختمرة تبكي، فلما رأته قالت له: يا علي، يا قاتل الأحبة، يا مفرق الجمع، أيتم الله منك بنيك كما أيتمت ولد عبد الله منه. فلم يرد عليها شيئاً، ولما خرج من عند عائشة قال له رجل من الأزد: والله لا تغلبنا هذه المرأة! فغضب وقال: مه لا تهتكن ستراً، ولا تدخلن دارا، ولا تهيجن امرأةً بأذى، وإن شتمن أعراضكم، وسفهن أمراءكم وصلحاءكم، فإن النساء ضعيفات، ولقد كنا نؤمر بالكف عنهن وهن مشركات، فكيف إذا كن مسلمات؟

ولحقه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، قام رجلان على الباب فتناولا من هو أمض شتيمة لك من صفية. فقال: ويحك لعلها عائشة! قال: نعم، قال أحدهما: جزيت عنا أمنا عقوقا. وقال الآخر: يا أُمّتا توبي فقد خطيت. فبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب، فأقبل على من كان عليه، فأحالوا على رجلين من أزد الكوفة، فضربهما مئة سوط.

ثم جهز علي رضي الله عنه عائشة بكل ما ينبغي لها من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك، وبعث معها كل من نجا ممن خرج معها إلا من أحب المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء البصرة المعروفات، وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر رضي الله عنهم. فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه أتاها علي فوقف لها، وحضر الناس، فخرجت وودعوها وودعتهم وقالت: يا بني، لا يعتب بعضنا على بعض، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه على معتبتي لمن الأخيار. فقال علي رضي الله عنه: صدقت والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك، وإنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة.

ولما فرغ علي من بيعة أهل البصرة نظر في بيت المال، فرأى فيه ستمئة ألف وزيادة، فقسمها على من شهد معه، فأصاب كل رجل منهم خمسمئة درهم، فخاض في ذلك السبئية، وطعنوا على علي من وراء وراء، وطعنوا فيه أيضاً حين نهاهم عن أخذ أموال المنهزمين، فقالوا: يُـحِلُّ لنا دماءهم ويحرِّم علينا أموالهم! وأراد علي رضي الله عنه المقام بالبصرة لإصلاح حالها، فأعجلته السبئية عن المقام، فإنهم ارتحلوا بغير إذنه، فارتحل في آثارهم، ليقطع عليهم أمراً إن أرادوه.

وقتل في هذه المعركة المأساوية كثير من وجوه الصحابة أولهم طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، المعروف بطلحة الخير، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، شهد أُحداً وما بعدها، وأبلى يوم أحدٍ بلاءً حسنا، ووقى رسول الله عليه الصلاة والسلام بنفسه، اتقى عنه النبل بيده حتى شلت إصبعه وضرب في رأسه، وحملَ رسولَ الله عليه الصلاة والسلام على ظهره حتى صعد الصخرة، فقال عليه السلام لأبي بكر رضي الله عنه: اليوم أوجب طلحة يا أبا بكر.

أصابه سهم في ركبته، فجعل الدم يسيل، فإذا أمسكوه استمسك وإذا تركوه سال، فقال: دعوه فإنما هو سهم أرسله الله. فمات. وقتل كذلك ابنه محمد المعروف بالسَّجاد لكثرة تعبده.

وقتل كذلك الزبير بن العوام رضي الله عنه، والده أخو خديجة رضي الله عنها، وأمه صفية بنت عبد المطلب، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وقال عنه رسول الله: لكل نبي حواري، وحواريي الزبير.

قتله عمرو بن جرموز غيلة لما مر به بعد انصرافه ومفارقته الحرب، وقال له رجل من قومه: فضحتَ والله اليمن أولها وآخرها بقتلك الزبير رأس المهاجرين وفارس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه وابن عمته! والله لو قتلته في حرب لعز ذلك علينا ولمسَّنا عارك! فكيف في جوارك وحرمك؟! وأتى ابن جرموزٍ علياً، فقال لحاجبه: استأذن لقاتل الزبير. فقال علي رضي الله عنه: ائذن له وبشره بالنار، قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بشر قاتل ابن صفية بالنار!

وقُتِل كذلك الصحابيُّ الحارث بن حسان الذُهلي الذي كان من فاتحي خراسان، وحكيم بن جبلة العبدي، وكان من أشجع الناس، قُطِعت رجله فأخذها وضرب بها الذي قطعها فقتله بها، وقُتِل زيد بن صوحان أحد فاتحي نهاوند، وكلاهما من بني عبد القيس من ربيعة، وقُتِل عبد الله بن حكيم بن حزام بن خويلد، وكان من شجعان الصحابة، وعبد الله بن خلف بن أسعد وكان كاتباً على ديوان البصرة لعمر، ثم لعثمان، وقُتِل مجاشع بن مسعود السلمي، أحد فاتحي كابل، ومِـخنف بن سليم الأزدي أمير الأزد، وهلال بن وكيع التميمي، أحد رؤساء بني تميم.

ولا غرابة إزاء كل هذا أن يقول المؤرخون أن الإمام علي أنشد بعد الفراغ من القتال:

إليك أشكو عُجَري وبُجَري ... ومعشراً أعشوا عليّ بصري

قتلت منهم مُضري بمُضري ... شفيت نفسي وقتلت معشري!

وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا