السبت 13 جمادى الأولى 1440 - 19 يناير 2019

الفوز الكبير بين الوهم والحقيقة

الثلاثاء 24 ربيع الثاني 1440 - 1 يناير 2019 65 رابطة خطباء الشام
الفوز الكبير بين الوهم والحقيقة

 

عناصر المادة

1- مفاهيم مغلوطة 2- والآخرة خير وأبقى 3- خُطواتٌ بثبات وإصرار على مضمار الفوز الكبير

1- مفاهيم مغلوطة

نحن في زمنٍ اختلطَتْ فيها الموازينُ، وتغيَّرَتْ فيها المفاهيمُ، فصارَتِ الدنيا هي مقياسَ الفوزِ والسعادةِ، وأصبحتِ الدنيا هي معيارَ العزِّ والسيادة، مع أنّ حقيقةَ الدنيا كما قال الله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [ الحديد:20].

هذه حقيقتها: سريعة الفناء، قريبة الانقضاء، تَعِدُ بالبقاء ثم تُخلِفُ عند الوفاء، فهي ليست مقياسَ العطاءِ ولا معيارَ الهناءِ.

أحلامُ نومٍ أو كظلٍّ زائلٍ إنّ اللبيبَ بمثلها لا يُخدَعُ

لكن وللأسف ظنَّ بل واعتقد كثيرٌ من الخلق أنّ العطاء هو عطاء المال والجاه في هذه الحياة، فسعى إلى الدنيا بكل قوةٍ وإرادةٍ، وآثر الفانية على الباقية، وقدّمَ العاجلةَ على الآخرة: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ} [القيامة: 20-21].

ونسي الإنسانُ أو تناسى أنّ الدنيا دارُ ممرٍّ، وليس لحيٍّ مقرٌ، ونسي أنها قاعةٌ للامتحانات وليست منصةً للتكريمات، وبعد كلِّ امتحانٍ هناك ناجحٌ وراسبٌ، فائزٌ وخاسرٌ، فليست الدنيا نهايةَ المضمارِ، بل حقيقةُ الفوزِ والانتصار إنما يكون في الآخرة كما قال الله تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 131-132].

أما والله لــــو عَلـــِمَ الأنــامُ لما خُلِقوا لما هَجَعُوا وناموا

ممــاتٌ ثم حشـــرٌ ثم نشــرُ وتوبيـــخٌ وأهـــوالٌ عظــامُ

ليومِ الحشرِ قد عملتْ أناسٌ فصلّوا من مخافته وصاموا

2- والآخرة خير وأبقى

على هذا تربى جيلُ الأوائل وأهلُ الفضائل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فآثروا الآخرة على الدنيا فلم يقيموا للدنيا وزناً، ولم يجعلوها ميزاناً، بل اتخذوا الدنيا ميدانَ سباقٍ للآخرة، ومحطةَ وقودٍ للوصول إلى الجنة، فصاموا النهارَ وقاموا الليل، وأنفقوا الأنفاسَ والنفائسَ في سبيل ربهم، وقدموا أرواحهم من أجل راحتهم، واشتروا بأموالهم وأنفسهم جناتِ خالقهم، وصدق قولُ الله فيهم: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23].

وهاكم مثالاً عنهم: إنه أبو عقيل الأنصاري وإيثارُهُ الآخرةَ على الدنيا، لما كان يوم اليمامة، واصطفَّ الناس، وبدأ القتال، أُصيبَ أبو عقيل إصابةً شديدةً، وانهزم المسلمون في أول المعركة، فسمع منادياً يصيح: يا للأنصار، اللهَ اللهَ والكرَّةَ على عدوكم، فنهض أبو عقيل يريد القتال، فقيل له: اجلسْ فإنك لا تستطيع القتال، فقال أبو عقيل: "لقد نادى منادي الجهاد، لا والله الذي لا إله إلا هو لأُجيبَنَّ المنادي ولو حبواً".

إنّ الطيورَ وإنْ قَصَصْتَ جناحها تسمو بفطرتها إلى الطيرانِ

تحزّمَ أبو عقيل وأخذ السيفَ باليمنى، ثم جعل ينادي: "يا للأنصار! كرّةً كيوم حنين، كرّةً كيوم حنين، يا خيلَ اللهِ اثبُتي، وبالجنة أبشري".

يقول ابن عمر: "نظرتُ إليه وهو صريعٌ في آخر رَمَقٍ، وقلت: أبا عقيل، فقال بلسانٍ مُلتاثٍ: لبيك! لمن العاقبة؟ قلت: أبشر قد قُتِل عدوُّ الله، فرفع أصبعَهُ إلى السماء، يقول: الحمد لله ثم لقي الله".

لم يدَّخِرْ نفساً ولا مالاً وقد باعهما لله والله اشترى

نعم أيها الأخوة المؤمنون: عَلِمَ أنّ الدنيا بأسرها قليلةٌ، وبقاءَها من أولها إلى آخرها قليلٌ، ونصيبَهُ من هذا القليل قليلٌ، فبذَلَ أعزَّ ما يبذِلُهُ: نفسَه وحالُه: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84].

بهذه الموازين الحقيقية والمعايير الصادقة انطلق الصحبُ الكرامُ لنشر السِّلمِ والإسلام، والعدل والإحسان بين الأنام، ففازوا بدنيا وآخرة، ونالوا محبةَ الخلقِ ومحبةَ الخالق، فإذا هم قلوبٌ تتصل بالله، تتذكَّرُ اللهَ وتخشاه، وتُؤثِرُ اللهَ والدارَ الآخرةَ على كلِّ مغرياتِ الحياةِ، امتلأتْ نفوسهم بهممٍ وإيمانٍ، وخلَتْ قلوبُهم من الكِبْرِ والطغيان.

قـومٌ كــرامُ السجايا أينما ذُكـروا يبقى المكان على آثارهم عطـرا

ملأٌ لقد ملأ الإلهُ صدورَهُم نــوراً فكانـتْ بالضيــــــاء مـزخــرفـــــة

أخـلاقُهــم عمــا يَشـينُ نقيـــةٌ ونفوسُــهم عمــا يَعيـبُ مُكَفكَفة

ما استَعْبَدَتْهُم شهوةٌ تدعو إلى الصفــراء والبيضاء لا والزخرفــــة

ليســـوا بأســــرى الأرغفــــــةِ ليســـــوا بأســــرى الأرصـــــدة

قــــومٌ إذا جَــــــــدَّ الـــــوغــى كانــــــوا ليـــــوثَ الملحمــــــــة

فصار بحقٍ أهلَ لقول الله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص:83].

علموا أنّ الفوزَ الحقيقيَّ هو الفوزُ برضى الله، فعملوا له ليلاً ونهاراً، بينما كثيرٌ من الخلق اليومَ خُدِعَ بالفوز الوهمي، فأقيمتْ مسابقاتٌ للفوز ببطولاتٍ زائفةٍ وتحدياتٍ تافهةٍ، كما قال الشاعر:

ما أمةٌ غَفَلَتْ عن نهجِهِ ومَضَتْ إلا تَهيمُ بلا هديٍ ولا عِلْمِ

فاشتغل الناسُ بالوهم عن الحقيقة! فمنهم من فاز في الدنيا بمُتًعٍ زائلةٍ زائفةٍ، وخسر الجنةَ والآخرةَ، ومنهم مَن خسر الدنيا والآخرة معاً كفقراء اليهود لا هم كسبوا الدنيا ولا هم نجو من عذاب الآخرة، كما قال الله فيهم: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11].

{لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ} [آل عمران: 196].

{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران:178].

أيها المؤمنون: بعد أنْ علمنا الفرقَ الشاسعَ والبونَ الواسعَ بين الفوز الوهمي والفوز الحقيقي، تعالَوا ننطلقُ معكم لنحققَّ الفوزَ الأكبرَ والنعيمَ الأجدرَ.

قد أعدّوك لأمرٍ لو تَنَبَّهتَ له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

فليس الدنيا لك هدفاً ولا هي لك غاية، هي فقط مزرعةٌ للآخرة وميدانُ سباقٍ في الصالحات للوصول إلى أعلى الجنات، كما قال ربُّ البريات: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران:185].

أدعياءُ الفوزِ والنجاح أعدادٌ كثيرةٌ وافرةٌ، ولكنّ الواصلين إليه ثُلّةٌ نادرةٌ، على حد قول الشاعر 

كلٌّ يدّعي وصلاً بليلى وليلى لا تُقِرُّ لهم بذاك

في الحقيقة لنْ نصل إلى الفوز الحقيقي بلا مقابلٍ، فلا نتائجَ بلا عملٍ، ولا محصولَ لا زراعةَ ولا قِمَّةَ بلا تضحيةَ، ومن أراد المعاليَ سهِرَ الليالي.

كذا المعالي إذا ما رُمْتَ تُدرِكُها فاعبُرْ إليها على جسرٍ من التعبِ

فمن أراد الفوز الكبير والأجر الكثير والعطاء الوفير فهذا يحتاج منا لوضع منهاجٍ وبرنامجٍ للعمل للوصول إلى القمة، ضمن خطوات توصِلُكَ إلى الفوز والجنة.

لولا المشقةُ ساد الناسُ كلُّهُمُ الجودُ يُفْقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ

3- خُطواتٌ بثبات وإصرار على مضمار الفوز الكبير

الخطوة الأولى: الثبات على الإيمان في وجه الطغيان: ما قصة أصحاب الأخدود عنكم ببعيدة، بل إني أراكم يا أهل الشام في المحرر مَن يقتفي أثرهم ويمشي على خطاهم نحو الفوز الكبير، لقد حرقوهم وقتلوهم ومع ذلك لم يثنهم ذلك عن إيمانهم، ثبتوا حتى قال الرضيع لأمه أمام خندق النيران بكل ثقة وإيمان: "يا أماه! اصبري، فإنك على الحق" وأنتم يا أهلنا في سوريا لقد نقَمَ عليكم العالم بأسره، وعاداكم العالم بأجمعه، وجاؤوا إليكم بقَضِّهم وقضيضهم، وحشدوا لهم حَدَّهم وحديدهم، وما نقموا منكم إلا أنْ آمنتم بالله العزيز الحميد، فلا تخشونهم ولا يخيفنَّكم جمعُهم واجتماعُهم، فبإيمانكم تصنعون المعجزاتِ، وبثباتكم تُحقِّقون المستحيلات، كما قال الله في وعدٍ لأمثالكم: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص:5-6]

فحافظوا على إيمانكم وثباتكم، وأبشروا بقول ربكم: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} [البروج:11]. 

وللفائدة التدبرية لم يرد في القرآن إلا مرةً واحدةً الفوزُ الكبيرُ، وذلك للدلالة على تفرُّدِ أهلِهِ به، وقلَّةِ الواصلين إليه، فهنيئاً لكم يا أهل الثابتون على إيمانكم بالفوز الكبير.

فتشبّهوا إنْ لم تكونوا مثلهم أُسداً تَخْلُفُ بعدها أشبالا

الخطوة الثانية: اتباع رسول الله النبيِّ العدنان: إنّ اقتفاءَ أثرِ رسولِ اللهِ في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ، وشاردةٍ وواردةٍ هو عينُ الفلاحِ والنجاحِ، وسِرُّ الوصولِ إلى مضمار السباق ونيل الجائزة الكبرى في الحياة وبعد الممات، إنّ المُضيَّ على نهجه في كلِّ شيءٍ هو فوزٌ كبيرٌ، {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 71].

وهنا لا بد من تنبيه دقيق لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ليست محبةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ادعاءً، بل هي اتباعٌ واقتداءٌ، بهذا تصل يا أيها المحب المقتدي إلى صحبة الرسول النبي في جنة الباري يوم القيامة.

إني أرى حـــبَّ النبيِّ عبادةً ينجو بها يومَ الحسابِ المسلمُ

لكنْ إذا سَلَكَ المحبُّ طريقه متأســياً ولهــديـــه يَتَــرَسَّـــمُ

الخطوة الثالثة: للوصول إلى نهاية مضمار الفوز الكبير: اقتفاء أثر الصحابة الكرام، ومحبتهم والسير على سبيلهم، كما قال الله في مدحهم: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100].

وإنّ كلَّ مَن تنَكَّبَ عن هديهم، وعاداهم وأظهَرَ بُغضَهم، فهو من الخاسرين والهالكين في الدنيا ويوم الدين؛ فمن أحبهم وتولاهم، ودعا لهم، ورعى حقوقهم، وعَرَفَ فضلَهم فهذا من الفائزين، ومَنْ أبغَضَهم وسبَّهم، ونَسَبَهم إلى ما تَنْسِبُهم إليه الروافضُ والخوارج فقد هلك في الهالكين. 

وايم الله إنه لخسران مبين مانراه من مسالك الردى من تنقُّصِ أصحاب النبي المصطفى، خاتم النبيين وإمامهم! 

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ). [ 1 ]

ما هم بأمـةِ أحمـــدَ لا والذي فَطَــرَ الســــماءَ

ما هم بأمةِ خيرِ خلــــ ـقِ اللهِ بَـــدءاً وانتهــاء

إنْ يزرعوا فحصـــادُهم يا حسرتاه كان الهواء

إنْ يَقتلـــــوا فقتيلهـم كان المـــودة والإخاء

ياأهل الإيمان والثبات: أنتم اليوم ترغبون بالفوز الكبير وترجون الأجر الوفير، أنتم من أرد الله لكم المسرات، وأنتم من شاء الله لكم الفوز بالجنات، فأرضُ الشام أرضُ جهادٍ ورباطٍ، وأهلُها هم البقيةُ الباقيةُ من الطائفة المنصورة، كما قال خير البرية: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ). [ 2 ]

وفي حديث آخر هم ببيت المقدس وقيل هم أهل الشام.

فهنيئاً لكم ما أنتم عليه من الطاعات، والجهاد والتضحيات، فلا تبخسوا أنفسكم فأنتم اليوم عز المسلمين وشامة المؤمنين، ولذلك اثبتوا عباد الله فإن وعد الله لكم بالنصر والتمكين قادم لا محالة {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [ النور: 55]. 

واصبروا حتى يحقق الله لكم إحدى الحسنين، بل حسنُ ظنٍ بالله تعالى أن يحقق لكم الحسنيين معاً.

وإن الله لن يتركَكُم، وسيغيِّرُ اللهُ حالَكم يا أهلَ العزِّ والتضحية، يا أهلَ النخوةِ والكرامةِ، وسينقُلُكم اللهُ للفوز بسيادة الدنيا كما فعل بأسلافكم من قبلكم، ولسوف نسمَعُ تكبيرَ المكبرينَ، وتهليلَ المهليينَ في كلِّ بقاعِ الشامِ، ونقرأُ آياتِ اللهِ على كلِّ منائرِ ومنابرِ الشام: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 45]. 

على ترانيم تكبيراتنا سَقَطَتْ راياتُ كسـرى وذاق المــوتَ سـاسانُ

عافــوا المذلَّةَ في الدنيـا فعنـدهـم عِـزُّ الحياةِ وعِـزُّ المــوتِ سِــيانُ

لا يصبـــرون على ضيــمٍ يحــاولـــه باغٍ من الإنس أو طاغٍ من الجان

1 - أخرجه البخاري: 4647، ومسلم: 2541

2 - أخرجه البخاري: 4612، ومسلم: 1920

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا