الأربعاء 24 شوال 1440 - 26 يونيو 2019

الهجرة وحاضر المسلمين (6- 15)

الثلاثاء 3 ربيع الثاني 1440 - 11 ديسمبر 2018 196 محمود محمد حامد
الهجرة وحاضر المسلمين (6- 15)

نزعات التذوق في الممارسة العملية

ثم إنَّ العلم النظري، والمعارف عامَّة أو خاصَّة ـ مهما تنوعت أو ترامت أو كانت شمولية ـ مما يكابدها أربابها، ويتحذَّقون مهاراتِها، هي جميعاً في جانب، وإن نزعات التذوق في الممارسة العملية، والمماحكة اليومية في ديار الهجرة ـ مهما أرَمَّتْ على شاطئ التسهُّل أو التعقُّد ـ هي في جانب آخر، كشأن كل التذوُّقات العملية والسلوكية.

شتان شتان:

فاستنشاق العبير من الورود والأزهار، وسماع صرير الرياح عبر الفجاج، ورَنِيم تساقط المياه من أعالي الجبال، وتصفيقها في هُوِىِّ الوديان، ورؤية تفتحُّ البراعم تعانق جمال الكون، ومشاهدة تَمنُّع الجبال شامخة لا تهِدُّها الأعاصير، كلُّ ذلك غيْرُ الوصف الذي يتجرد له القلم بالبيان، وشتان شتان!..

قل انظروا ماذا في السموات والأرض:

والله تعالى قد خلق هذا الكون البديع، ودعا الناس أن يلاحظوا ما فيه، ويعتبروا حقيقاً بما انبسط في الخمائل، واستقر في منفسِح السهول، وتهدْهَدَ إلى القيعان، وخَفِيَ مما دقَّ، من كل آيةٍ جلل؛ فقال تعالى:[قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ] {يونس:101}.

وقال أيضاً : [وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ] {الأنعام:59} .

وقال تعالى أيضاً:[فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ(96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(97) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ(98) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(99) وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ(100) ]. {الأنعام}. 

إن كان قد أعرق في حقيقة ما هو فيه:

فالحقيق بالنظر في دار الهجرة ساربٌ في هذا القبيل، ينبئك عن أسرار ومُتع جسام تُمتع القلب وتنشط الروح، إن كان قد أعرق ماتِحُها في حقيقة ما هو فيه.

تغذوه بكل جديد:

فلا غرو أن المهاجر في سبيل الله تعالى، ما انفَكَّ عَثِير خبيئاته، كالذي يمتح من لجج البحار على تراميها، وتنوع كنوزها، وبُعد قيعانها، واختلاف تياراتها، واشتداد أمواجها السطحية والباطنية، التي تغذوه بكل جديد، وقد تمنحه كل فريد؛ وما أَسَّنَ الماء إلا رُكودُه، وما جمَّد السعي إلا لُبودُه.

ما يزال مُطَّرداً أثيراً:

وهكذا كان في الحركة والسَّبر، والتَلَوُّم والنَّبْر، كلُّ منزل عتيد، ومُتْرَع رفيد، كما قال الشاعر:

لو كان في شرف المأوى بلوغُ منى=لم تَبْلغ الشمس يوماً دارةَ الحملِ

فإذا كان الشاعر بهذا قد عبَّر عن شأن المفارق وطنه عامة، فإن لشأن المهاجر في سبيل الله عزَّ وجل ـ كما ذكرنا ـ تنهُّداً آخر، تعتلج به نفسه، في أعالي الآفاق الرحيبة، محتذية من عطاء الحنّان المنّان، يتوقَّد إيمانه تحت النجوم، فيفهم للحياة طعماً فذّاً، ما يزال مُطَّرِداً أثيراً، ما دام مثابراً في ديار الهجرة.

الحلقة الخامسة هنا

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات