السبت 13 جمادى الأولى 1440 - 19 يناير 2019

حدث في السابع والعشرين من ربيع الأول معركة نفوسة

السبت 30 ربيع الأول 1440 - 8 ديسمبر 2018 93 محمد زاهد أبو غدة
حدث في السابع والعشرين من ربيع الأول معركة نفوسة

في السابع والعشرين من ربيع الأول من عام 155 وقعت معركة نفوسة، في منطقة جبال نفوسة في شمالي غربي ليبيا اليوم، بين جيش العباسيين بقيادة يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة التميمي الأزدي وبين جيش الخوارج الإباضية من البربر بقيادة أبي حاتم الإباضي يعقوب بن حبيب الكندي، وانجلت المعركة عن هزيمة الإباضية وانتهاء دولتهم التي دامت قرابة أربع سنوات.

وقد جاءت الدولة الإباضية بعد تغلب البربر على أفريقية في سلسلة من الأحداث التي بدأت في سنة 126 حين ثار عبد الرحمن بن حبيب على الوالي الأموي حنظلة بن صفوان الكلبي واستقل بملك أفريقية سنة 127، فأقره عليها مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، ثم لما جاءت دولة بني العباس أقره عليها السفاح ثم المنصور، ثم اغتيل عبد الرحمن بالقيروان في سنة 137، اغتاله أخوه إلياس فيما نسميه اليوم محاولة انقلابية فاشلة قام بها أخواه إلياس وعبد الوارث.

وخلفه عبدَ الرحمن ابنُه حبيب سنة 138، وهرب عمه عبد الوارث إلى قبيلة بربرية تدعى ورفجومة، ونزل على رئيسها عاصم بن جميل الورفجومي، فكتب إليه حبيب يأمره أن يوجه بهم إليه، فلم يفعل، فنهد إليه حبيب واقتتلوا فانهزم حبيب، وقوي أمر ورفجومة، وكاتبهم بعض وجوه القيروان خوفاً منهم على أنفسهم، فزحف عاصم بن جميل إلى القيروان، وهزموا أهلها الذين خرجوا إليهم، ودخلوا القيروان فاستحلوا المحارم وارتكبوا العظائم، وقتلوا من بها من قريش وساموهم سوء العذاب، وربطوا دوابهم في المسجد الجامع، وندم الذين أعانوهم أشد ندامة.

ولحق حبيب بأخوال أبيه في جبل أوراس، فسار عاصم في طلبه إلى أوراس، والتقوا واقتتلوا، فهُزِم عاصم وقتل هو وأكثر أصحابه، وعاد حبيب إلى القيروان واشتبك مع واليها الورفجومي الذي هزمه، وقُتِل حبيب في سنة 140، وتم الأمر لورفجومة في القيروان.

ودخل رجل من الإباضية القيروان فرأى ناساً من الورفجوميين قد أخذوا امرأة وأرادوها على نفسها، والناس ينظرون، فترك حاجته التي أتى فيها، وخرج إلى رئيس الإباضية أبي الخطاب عبد الأعلى بن السّمح المعافري، وكان بطلاً شجاعاً، فأعلمه بالذي رأى، فخرج وهو يقول: لبيك اللهم لبيك. فاجتمع إليه أصحابه من كل مكان، وتوجهوا نحو طرابلس ثم القيروان وهزموا ورفجومة في أول سنة 141، وصارت طرابلس وما يليها وإفريقية كلها في يد الإباضية.

والإباضية، فرقة من الخوارج تنسب إلى عبد الرحمن بن إباض، الذي خرج في أيام مروان بن محمد، يقولون إن مخالفيهم من أهل القبلة كفارٌ غير مشركين، ومناكحتهم جائزة، ومواريثهم حلال، ولا يجوز قتلهم إلا بعد إقامة الحجة ونصب القتال، وإباضيو ليبيا اليوم ينفون أن يكونوا من الخوارج.

وكانت جماعة من عرب أفريقية قد خرجت إلى أبي جعفر المنصور لما استولى البربر على القيروان يستنصرون به ويصفون له ما نالهم منهم، فولى محمد بن الأشعث على مصر سنة 141 وأمره بإعادة إفريقية إلى حوزة العباسيين، فوجه جيشاً في سنة 142 بقيادة أبي الأحوص، عمر بن الأحوص العِجلي، اشتبك مع جيش الإباضية ولكنهم هزموه، فكتب أبو جعفر إلى ابن الأشعث أن يسير بنفسه، فخرج إلى أفريقية في 40.000 مقاتل، فالتقوا بأبي الخطاب، وكان قد جمع أصحابه في كل ناحية، ومضوا في عدد عظيم، وكادت دائرة القتال تدور على ابن الأشعث، ولكن قبيلتنا زناتة وهوارة اللتين كانتا مع أبي الخطاب اختلفتا، وفارقه بعضهم بسبب ذلك، فوهنت أمور أبي الخطاب، وفاجأه ابن الأشعث في سِرت على حين غرة في سنة 144، فقتله ومن بقي معه من أصحابه، ووجه برأسه إلى بغداد، ودخل ابن الأشعث القيروان سنة 145 وبنى سورها، وقاتل البربر حتى أذعنوا بالطاعة، فهدأت الأمور قليلاً وعادت الناس إلى زراعتها وأعمالها.

ولم تستتب الأمور في أفريقية، فقد ثار الجيش على ابن الأشعث وأخرجوه بلا قتال من القيروان سنة 148، وولوا عليهم عيسى بن موسى الخراساني، فولى أبو جعفر المنصور عليها الأغلب بن سالم التميمي، ثم قُتل سنة 150 في تمرد قام به الحسن بن حرب الكندي.

ولما بلغ المنصور قتل الأغلب، بعث مكانه في سنة 151 عمر بن حفص بن قبيصة ابن أبي صُفرة التميمي، ومكث في ولايته 3 سنوات والأمور مستقيمة له، ثم أراد إخضاع البربر وسار إلى أراضيهم في شرقي الجزائر، فانتقضت بربر أفريقية من ورائه، وكاد أن يهزمه مَن أمامه، فاستعمل السياسة والاستمالة حتى فرقهم واستطاع هزيمة من بقي منهم، ورجع إلى القيروان، وقد علم أن البربر بقيادة أبي حاتم يعقوب بن حبيب سيهاجمونه، فحصَّنها وشحنها بالأرزاق، وجاءه أبو حاتم في ألوف مؤلفة فحاصر القيروان، وكان عمر يخرج إليهم في كل يوم فيحاربهم، وطال الحصار وضاق أمر المحاصَرين، واضطرب على عمر بن حفص أمره، وساء خلقه، ولما وصلت أنباء ذلك إلى المنصور ولى على أفريقية يزيد بن حاتم، وأرسله في 60.000 مقاتل، وبلغ عمر خبر المدد الذي أرسله أبو جعفر المنصور لنصرة القيروان، فقال: لا خير في الحياة بعد أن يقال: يزيد أخرجه من الحصار! إنما هي رقدة وأُبعث إلى الحساب! وخرج، فجعل يطعن ويضرب حتى قتل في أواخر سنة 154، وصالح أهل القيروان أبا حاتم على ألا يخلعون السلطان العباسي، فغضب وأحرق أبواب البلد وأجلى أغلب أهلها إلى الزاب وهي اليوم منطقة قسنطينة في الجزائر.

وبلغ أبا حاتم خبر قدوم يزيد بن حاتم فتوجه للقائه نحو طرابلس، فثار في القيروان عمر بن عثمان وقتل الإباضية، فأرسل أبو حاتم قوة لإخضاعها فهزمها عمر بن عثمان، وبقي أبو حاتم بطرابلس في انتظار الجيش القادم بقيادة يزيد بن حاتم، الذي التقى مع جيش القيروان في سرت، وتوجه منها إلى طرابلس.

وأدرك أبو حاتم أن لا طاقة له بهذا الجيش فخرج جنوباً إلى جبال نفوسة، فأرسل وراءه يزيد مقدمة جيشه بقيادة سالم بن سوادة التّميمي، فالتقى مع أبي حاتم، واقتتلوا قتالاً شديداً. فانهزم سالم وأصحابه، ورجعوا إلى عسكر يزيد.

ولم ينخدع أبو حاتم بهذا الانتصار المؤقت، ولجأ إلى الدفاع والاستنزاف، فطلب أوعر المنازل وأمنعها، فعسكر فيها، وخندق على عسكره، فما كان من يزيد إلا أن اقتحم الخندق في هجوم عنيف انجلى غباره عن مقتل أبي حاتم وأهل البصائر من أصحابه، وانهزم الباقون، وكان ذلك في السابع والعشرين من ربيع الأول من عام 155.

وأقام يزيد بمكانه ذلك نحواً من شهر، وبعث خيله إلى كل ناحية في طلب الخوارج الإباضية، فقتلهم قتلاً ذريعاً، وقيل كان عدة من قتل منهم ثلاثين ألفاً، ثم رحل حتى نزل قابس، ثم منها إلى القيروان، وثار عليه في سنة 156 بعض الهوارة بناحية طرابلس فقضى على تمردهم، وكانت تلك خاتمة وقائع بين العرب وبين البربر قيل إنها بلغت 375 موقعة.

استقامت الأمور ليزيد بن حاتم، وعاد الاستقرار إلى تلك الربوع، فأدار البلاد إدارة حكيمة، فنادى بالأمان للناس جميعاً، واهتم كثيراً بالقيروان وتطويرها، فجدد جامعها الأعظم الذي بناه عقبة بن نافع سنة 53، ورتب أسواقها، وجمع كل صناعة مع مثيلاتها في مكان واحد، فجعلها حاضرة مزدهرة تمد من حولها بصناعاتها وتجاراتها.

ويزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب ابن أبي صفرة الأزدي، أمير شجاع، من أسرة عريقة في الشجاعة وشؤون الحرب، جده القائد المقاتل الفاتح المهلب بن أبي صفرة، المولود سنة 7 والمتوفى سنة 83، وكان من قواد أبي جعفر المنصور الثقات، شارك سنة 132 في جيش قحطبة بن شبيب في استيلاء العباسيين على خراسان، وأرسله المنصور سنة 137 لمقاتلة ملبد بن حرملة الشيباني لما خرج في الجزيرة الفراتية، ثم ولاه آخر سنة 144 على مصر، صلاتها وخراجها، وما مضت سنة على ولايته حتى ظهرت في أواخر سنة 145 بمصر الدعوة لبني الحسن بن علي رضي الله عنهما، وتكلم بها الناس. وبايع كثير منهم لعلي بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو أول علوي قدم مصر، وقام بأمر دعوته خالد بن سعيد بن ربيعة بن حبيش الصدفي، وكان جده من خاصة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، واتفقوا على الخروج في يوم محدد من المسجد الجامع، ونقل رجل منهم أخبار المؤامرة إلى يزيد في ليلة خروجهم، فلم يتوفر للمتآمرين عنصر المفاجأة، وانطلقوا في منتصف الليل إلى المسجد الجامع ثم انتهبوا بيت المال فتضاربوا عليه بسيوفهم، واستطاع يزيد إحباط التمرد برياطة جأشه وحضور ذهنه، فقد سأل إن كان عدد من وجوه القوم مشتركين في التمرد؟ فلما أخبر أنهم في بيوتهم أو على بابه ينتظرون أمره، قال: الأمر يسير. ووزع أعوانه على مفارق مصر فتسلل المتآمرون مخذولين خائفين، وأمر يزيد بن حاتم في اليوم التالي أن يطلق سراح كل من اعتقل في الليلة الماضية، فهدأت الخواطر واطمأن الناس.

وكان إبراهيم بن عبد الله بن حسن قد خرج في البصرة على أبي جعفر المنصور، وحقق انتصارات في بداية أمره، ثم هُزِم وأتي برأسه للمنصور فأمر بأن بطاف به في الشام ومصر، كبتاً لشيعة العلويين، فوصل إلى مصر بعد شهر من التمرد، ونُصِب في المسجد الجامع بمصر، فانكسرت شوكة العلويين فيها، وكان يزيد قد منع أهل مصر من الحج سنة 145، فلم يحج منهم أحد ولا من أهل الشام، لِما كان بالحجاز من الاضطراب بثورة محمد بن عبد الله بن الحسن، وخشية من تجنيدهم هناك، فلما أخمدت الثورة سمح بالحج ثم حج يزيد بن حاتم سنة 147.

وفي سنة 147 خرج بعض المتمردين في بلاد النوبة، فأرسل يزيد قوة من الفرسان قمعت التمرد، وأرسل يزيد برؤوس زعمائها إلى المنصور مع حفيده المهلب بن داود بن يزيد بن حاتم، فضم الخليفة أبو جعفر المنصور في سنة 149 ليزيد بَرقة زيادة على عمل مصر، وهو أول من ضُمَّت له برقة على مصر.

وفي سنة 150 خرج القبط على يزيد بن حاتم بسخا، ونابذوا العمال وأخرجوهم، وتوسع التمرد فأرسل يزيد جيشاً كثيفاً عليه كبار قواده، فقاتله القبط وكسروه، فعزله أبو جعفر المنصور عن إمرة مصر في أوائل سنة 152، فكانت ولايته على مصر سبع سنين، وولى بعده عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج وكان صاحب شرطته.

ولما بلغت المنصور أخبار هزيمة عمر بن حفص ومقتله وانتصار الخوارج الإباضية اهتم لها كثيراً، ولم يجد خيراً من يزيد بن حاتم ليرسله إلى أفريقية، فولاه أفريقية سنة 154، وأرسله على رأس جيش جرار أنفق عليه 60 مليون درهم، مع شُحه بالمال.

وكان المنصور في دمشق فخرج إلى ظاهرها يودع الأمير الجديد، وأثار هذا حسد بعض الأمراء، الذين طعنوا في آل المهلب، فأجابهم المنصور مبيناً فضلهم وسابقتهم منذ أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن تأسست الدولة العباسية، والقصة تبين مكانة يزيد بن حاتم من المنصور.

قال يزيد بن حاتم: ولاني المنصور المغرب وهو بدمشق، وخرج معي يشيعني، فتغير لذلك أقوام منهم شبيب بن شيبة، وشبة بن عقال التميميان، ورفعا إلى المنصور كتاباً، لم يألوا فيه الحمل علينا والذكر لمساوئنا، وتخويف المنصور منا، فأقرأني المنصور كتابهما، ثم قال لي: إني لم أدفعه إليك، لتحتج وقد كفيتك الحِجاج، إني لما دفعا إلي هذا الكتاب أعلمتهما أنك غائب عن الحجة، وأني أقوم بها عنك، خبرتهما ببدء أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعائه الناس إلى الله، وإلى دينه، وامتناعهم منه غيرك وغير قومك، فلما قبض الله رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج الأمر عن أهله بغيرك وغير قومك، فلما أراد الله أن يظهر حقهم أجراه على يديك، وأيدي قومك، وكان لك ولأهل بيتك حظ غير مجهول، حتى بلغ الله في ذلك ما بلغ، وقلت لهما: أردتما أن تجعلا لأنفسكما في هذا الأمر حظاً كحظ يزيد، وحقاً كحقه؟! وقلت لهما: لولا أني لم أتقدم إليكما لأحسنت أدبكما، ولئن بلغني أنه جرى لهذا ذكر على ألسنتكما بعد يومي هذا لأوقعكن بكما. ثم دفع إلي الكتاب فشكرته على ذلك ودعوت له.

فلما صرت بإفريقية وجه إليَّ المنصور شبيب بن شيبة في بعض ما كان يتوجه في مثله الخطباء، فلم أُعرِّفه شيئاً من ذلك، ولم أؤاخذه، وبلغت به بعض ما أمَّل عندي، فلما أراد الانصراف ذكر أنه لم يكن قط إلا على مودتي وأهل بيتي فقلت له: ولا يوم دفعتَ الكتاب إلى أمير المؤمنين! ودعوتُ بالكتاب، فأقر، وسأل الإقالة، وحسن الصفح، فقلت له: لو لا أنك ذكرت ما ذكرت، ولولا أني كرهت أنك تستغبيني، وتظن أني جاهل بك لم أوقفك على هذا. وسأل شبيب دفع الكتاب إليه، فلم آمن أن يرجع به إلى المنصور، فأمرت بتخريقه.

كان يزيد شديد الشبه بجده المهلب في الدهاء والشجاعة، وكان غاية في الجود، وهو القائل:

لا يألف الدرهم المضروب=خرقتنا ... إلا لماماً قليلاً ثم ينطلق

يمر مرا عليها وهي تلفظه =إني امرؤ لم يحالف خرقتي الورِق

وليزيد بن حاتم أخبار تدل على كرمه وبُعد همته، فمنها أن بعض وكلائه أتاه يوماً فقال: أعز الله الأمير! أُعطيتُ في الفول الذي زرعناه بفحص القيروان كذا وكذا! وذكر مالا جليلاً. فسكت وأمر قهرمانه وطباخه أن يخرجا إلى ذلك الموضع، وأمر فراشيه أن يضربوا قبة، فضربوا مضارب كثيرة. وخرج مع أصحابه فتنزه فيه وأطعم، فلما أراد الانصراف دعا بالوكيل وأمر بتأديبه وقال له: يا ابن اللّخناء، أردتَ أن أعيّر بالبصرة فيقال: يزيد بن حاتم باقلاني! أمثلي يبيع الفول، لا أُمَّ لك؟! ثم أمر بإباحته للناس فخرجوا إليه من بين آكل وشارب ومتنزه حتى أتوا على جميعه.

وكان لا يرضى ذلك لأبنائه لتبقى همتهم متعلقة بمعالي الأمور، خرج يوماً متنزهاً إلى منية الخيل، فنظر في طريقه إلى غنم كثيرة، فقال: لمن هذه؟ قالوا: لابنك إسحاق. فدعا به فقال له: ألك هذه الغنم؟ قال: نعم. قال: لم أردتَها؟ قال: آكل من خرافها وأشرب من ألبانها وأنتفع بأصوافها. قال: فإذا كنت أنت تفعل هذا، فما بينك وبين الغنامين والجزارين فرق! وأمر أن تُذبح وتباح للناس، فانتهبوها وذبحوها وأكلوا لحومها، وجعلوا جلودها على كَدية، فهي تعرف بكدية الجلود.

ورحل الشاعر ربيعة بن ثابت الرَّقي، المتوفى سنة 198، إلى أرمينية يريد الرفد من أميرها يزيد بن أُسيد السُّلمي، فأقام عنده حولاً فوهب له 500 درهم، ما كانت لتفي برحلته، ثم قصد يزيد بن حاتم أيام إمرته على مصر، فشُغِل عنه يزيد وبقي ببابه شهراً حتى ضجر ونفد ماله، فخرج وهو يقول:

أراني ولا كُفران لله راجعاً ... بخُفَّي حُنين من نوال ابن حاتم

فلما فرغ يزيد من شغله سأل عنه فأُخبر عنه أنه خرج وهو يقول هذا البيت، فأرسل من يجدُّ في طلبه فأتى به فقال: كيف قلت؟ فأنشد البيت فقال: شُغِلنا عنك وعجِلتَ علينا. ثم أمر بخفيه فخلعتا من رجليه، وهو خائف، فأمر بملئها مالا، وقال: ارجع بهما بدلا من خفي حنين. فلما عزل يزيد عن إمرة مصر قال ربيعة الرقي قصيدة مشهورة قال فيها:

بكى أهل مصر بالدموع السواجم... غداة غدا عنها الأغرُّ ابنُ حاتم

حلفت يمينا غير ذي مثنوية ... يمينَ أمرئ آلى وليس بآثم

لشتان ما بين اليزيدين في الندى: ... يزيدِ سُليم، والأغر ابن حاتم

يزيدُ سُليمٍ سالَمَ المالَ، والفتى ... أخو الأزدِ للأموال غير مُسالِمِ

فَهَمُّ الفتى الأزديّ إتلافُ ماله ... وهَمُّ الفتى القيسيِّ جمع الدراهمِ

ومن شعراء ذلك الزمان الشاعر ابن المولى المدني، محمد بن عبد الله بن مسلم، مولى بني عمرو بن عوف من الأنصار، المتوفى سنة 170، وفد على يزيد ين حاتم فمدحه بقصيدة قال فيها:

يا واحد العرب الذي ... أضحى وليس له نظير

لو كان مثلك آخرٌ ... ما كان في الدنيا فقير

فدعا يزيد بخازنه وقال: كم في بيت مالي؟ فقال له: من الورِق والعين بقي عشرون ألف دينار. فقال: ادفعها إليه. ثم قال: يا أخي، المعذرة إلى الله و إليك، والله لو أن في ملكي أكثر لما احتجبتها عنك. فمدحه بقصيدة أخرى أحسن فيها كل الإحسان قال فيها:

وإذا تُباع كريمةٌ أو تُشترى ... فسواك بائعها وأنت المشتري

وإذا تخيل من سحاب لامع ... سبقت مخيلتَه يدُ المستطمر

وإذا صنعتَ صنيعة أتممتَها ... بيدين ليس نداهما بمكدر

وإذا الفوارس عددت أبطالها ... عدوك في أبطالهم بالخنصر

وكان يزيد بن حاتم يراقب الله في الرعية، وبخاصة من لا ناصر له ولا معين من بين العباد، وكان يقول: ما هبت شيئاً قط هيبتي من رجل ظلمته وأنا أعلم أن لا ناصر له إلا الله، فيقول: حسبك الله، الله بيني وبينك. وكان يقرِّب العلماء والصلحاء، وكان وكيله على ضياعه في العراق الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي، العالم النحوي الجليل، وكان متعبداً زاهداً، وكان يزيد يجري عليه في كل شهر مئتي درهم، وكان من ندمائه معمر بن سنان أتى به يزيد معه إلى أفريقية، وكان زميله في طريقه إذا ركب في عماريته، لأُنسه به واستماعه من حديثه، وكان أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها ووقائعها وأشعارها، وعنه أخذ أهل أفريقية حرب غطفان وغيرها من وقائع العرب. وكتب إلى يزيد بن حاتم رجلٌ من العلماء يستوصله، فبعث إليه ثلاثين ألف درهم، وكتب إليه: أما بعد فقد بعثت إليك ثلاثين ألفاً لا أكثرِّها امتناناً، ولا أُقلِّها تحقيراً، ولا أستثنيك عليها ثناءً، ولا أقطع لك بها رجاءً. والسلام.

واشترى يزيد بن حاتم أدرعا فبالغ في تفحصها لعل فيها خللاً، وكانت جياداً، فقال أحد خواصه: أصلح الله الأميرَ، فعلامَ نلوم السُّوقة؟ فقال: ويحَك!! إني لست أشتري أدراعاً إنما أشتري أعماراً!

توفي يزيد بن حاتم في رمضان من سنة 170، وخرج إليه رجل من الشعراء يمدحه، فلما بلغ مصر وجده قد مات، فقال فيه:

لئن مصر فاتتني بما كنت أرتجي ... وأخلفني منها الذي كنت آمل

فما كل ما يخشى الفتى بمصيبهِ ... ولا كل ما يرجو الفتى هو نائل

وما كان بيني لو لقيتك سالماً ... وبين الغنى إلا ليال قلائل

ولما بلغ هارون الرشيد موت يزيد بن حاتم، عيَّن محله أخاه روح بن حاتم، وكان من كبار القادة، صاحب رأي وحزم وشجاعة وجود وصرامة، وهو أسنّ من أخيه يزيد وأنبه منه ذكراً بالمشرق، وقال له: أعرِفُ أن لأخيك حاتم صنائع بالمغرب، ولا آمنُ عليهم متى ولّيت غيرك، ولكن اخرج من فورك إلى إفريقية، وحطّ صنائعه. فخرج من فوره وشيّعه الرشيد وودعه وانصرف، ثم لحقه وقال له: عليك بالزاب، املأه خيلاً ورجلاً.

ومن عجيب الأخبار وطريف الآثار أن المنصور وجّه يزيد بن حاتم إلى إفريقية وروحاً أخاه إلى السّند، فقيل له: يا أمير المؤمنين، لقد باعدت بين قبريهما! فقضى الله أن ماتا جميعاً بالقيروان، ودفن روح إلى جانب أخيه يزيد، وكانت وفاته سنة 174.

وليزيد بن حاتم المهلبي أبناء كانوا كلهم قادة على خطى أبيهم وعشيرتهم، وأهمهم ابنه داود، الذي استخلفه في حياته، وهي عادة سار عليها لقرون الولاة والقضاة، فلما توفي يزيد تولاها داود فأحسن تدبيرها، وبقي في إمارتها 9 أشهر إلى أن وصل عمه روح بن حاتم سنة 172، فسار داود إلى المشرق فأكرمه الرشيد وولاه مصر في أواخر 173 فقدمها في أوائل 174 وكان أمرها مضطربا، فهدأت في أيامه، واستمر سنة ونصف شهر، وعزل سنة 175 ثم ولاه الرشيد السند سنة 184 فاتسقت له أمورها وتوفي فيها.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا