الأربعاء 5 ربيع الثاني 1440 - 12 ديسمبر 2018

الطريق إلى مكة

الخميس 28 ربيع الأول 1440 - 6 ديسمبر 2018 98 محمود صقر
الطريق إلى مكة


ربما أدرك بعض أبناء جيلنا قصص الأجداد حول أهوال طريق الحج الذي كان يستغرق شهورًا سيرًا على الأقدام، وركوبا للجمال، وعبورًا بالمراكب للبحار .
ونستعرض في هذا المقال تاريخ وصول الحجاج من مصر والمغرب العربي إلى بيت الله الحرام..
يشرح "ابن جبير" الأندلسي بالتفصيل هذه الرحلة عام 579 هـ التي استغرقت من القاهرة إلى جدة نحو شهرين ونصف، قضاها في أسوأ حال بين مشقَّات وأهوال .
وبعده في عام 725 سافر "ابن بطوطة" المغربي إلى "عيذاب" على ساحل البحر الأحمر في صعيد مصر، قاصدًا الوصول إلى جدة، لكنه لم يجد مركبا تحمله إلى هناك، فعاد منها إلى مصر، ثم بلاد الشام، ثم إلى بغداد، وسافر منها مع المحمل العراقي في العام التالى .!
كانت مصر هي محطة عبور أهل المغرب العربي إلى الأراضي المقدسة، وكان طريق الحجّ يبدأ من تجمع الحجَّاج القادمين من غرب العالم الإسلامي وجزر البحر الأبيض المتوسط وبعض الترك والقوقاز القادمين من الشمال، في القاهرة قبل شهر رمضان، ثم يسيرون منها إلى "قوص" ومسافتها 640 كيلومترا، كانوا يقطعونها برًا أو في النِّيل في نحو عشرين يوما، ثم من "قوص" تسافر القوافل في الصحراء الشرقية مدة خمسة عشر يوما، يقطعون فيها نحو 160 كيلومترا إلى "عيذاب" أو "القصير" على البحر الأحمر، وكان للمدينتين أهمية كبيرة قبل حفر قناة السويس، وأخذت "السويس" فيما بعد حفر القناة دور هاتين المدينتين .
وكان الحجَّاج يقيمون في "عيذاب" أو "القصير" مدة شهر في انتظار الفلايك (مراكب صغيرة) التي تحملهم إلى "جدة" التي يصلونها بعد أسبوعين .
وبعد حفر قناة السويس حلّت مدينة "السويس" محل القصير، وتمَّ عمل خطّ سكة حديد لربط القاهرة بالسويس في عهد الخديوي "سعيد" في النصف الثاني من القرن التاسع عشر .
ومن "السويس" إلى "جدة" بالمراكب الشراعية في نحو عشرين يوما، أو برًا عن طريق العقبة إلى "مكة" حيث تصلها القوافل في نحو خمسين يوما .
ومع إنشاء خط سكة حديد الحجاز نهاية القرن التاسع عشر أصبح بمقدور بعض الحجَّاج الوصول للمدينة بالقطار أولا ومنها إلى مكة، أو يفعل ذلك في طريق العودة؛ حيث يُختَصر الزمن من السويس إلى مكة في نحو أسبوع .
ورغم هذه المشاقّ؛ كان هناك وجه آخر للعديد من الفوائد؛ فقد كانت رحلة الحج هي الباعث الأساس لأدب الرحلات الذي تعرَّفنا من خلاله على وصف البلاد وأحوال العباد من خلال الرحالة أمثال ابن جبير وابن بطوطة، وحديثاً مع بداية القرن العشرين الرحلة الحجازية لوصف رحلة الخديو "عباس حلمي" للأراضي الحجازية، وهو مرجع مهم لما تبقّى حتى هذا التاريخ من آثار مكة التي انطمست بفعل التوسعات التجارية .
وكان لها فائدة عظيمة أخرى في التبادل العلمي والثقافي بين البلاد الإسلامية؛ فالأراضي المصرية تزخر بعلماء قدموا لها من المغرب العربي واستوطنوها في طريقهم إلى الحج، وما زالت قبورهم في أراضيها مثل "أبو الحسن الشاذلي" و"أبو العباس المرسي".
وما زالت تجمُّعات المغاربة واليمنين وغيرهم تحمل أسماءهم في أسواق مكة وشوارعها

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا