الاثنين 12 ربيع الأول 1440 - 19 نوفمبر 2018

أساس الحريَّة الأخلاقية بين التفكير الفلسفي والتفكير الإسلامي (2)

السبت 9 ربيع الأول 1440 - 17 نوفمبر 2018 42 الأستاذ مقداد يالجن
أساس الحريَّة الأخلاقية بين التفكير الفلسفي والتفكير الإسلامي (2)

 

رأي الإسلام في الحرية الأخلاقية (*)

وإذا بحثنا عن رأي الاسلام في هذا الموضوع وجدنا فيه نصوصاً مختلفة المفاهيم يمكن أن نؤيد بها كل اتجاه وكل مذهب من المذاهب السابقة لو أردنا أن نكون مذهبيين:

فنجد هناك مثلاً نصوصاً تؤيد (بظاهرها المدعي) الاتجاه الأول القائل بالجبر مثل النصوص الآتية: [قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] {آل عمران:26} ، [إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ] {الأعراف:155} ، [وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ] {الإنسان:30} ، [وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ] {الرعد:11} [وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا] {الإسراء:16} ، [وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ] {البقرة:253} ، [فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا] {الأنعام:125} ، [ي وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إليه تُحْشَرُونَ] {الأنفال:24} .

ونجد كذلك نصوصاً تؤيد(بظاهرها أيضاً) الاتجاه الثاني القائل بحرية الإرادة مثل النصوص الآتية : [وَقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ] {الكهف:29} ، [سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ] {الأنعام:148} ، [وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ] {آل عمران:145} .

وأخيراً نجد نصوصاً تؤيد الاتجاه الثالث وهو التوسط بين الاتجاهين السابقين.

منها هذه النصوص [نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا * إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا] {الإنسان:28-31} ، [وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ] {الأعراف:156} .

وهناك نصوص أخرى كثيرة من هذا القبيل وسنذكر مزيداً منها عندما نعالج هذه الموضوعات المعالجة التفصيلية..

والآن إذا تأملنا في هذه النصوص المتعلقة بالاتجاهات الثلاثة السابقة يبدو لنا لأول وهلة كأن بينها تعارضاً وقد يصبح هذا التعارض والغموض حقيقة إذا نظرنا إلى كل طائفة من هذه النصوص القرآنية باستقلال وانفراد، أما حينما ننظر إلى هذه الطوائف الثلاثة من الآيات بنظرة كليَّة شاملة فسيزول هذا التعارض وينجلي هذا الغموض، وينفسح مجال كل فكرة وتتحد حدودها ومن ثم نستطيع أن نفسر كل آية دون أن يتعارض معناها مع معاني النصوص الأخرى.

ويمكن تحديد الموقف الفلسفي للإسلام في هذا القضية عن طريق تحديد النقاط الآتية:

أولاً: نحن نعلم أن الله تعالى خلق السماء وخلق الأرض وخلق الإنسان وخلق قوانين السماء وقوانين الأرض وقوانين الطبيعة الإنسانيَّة ووضع نظام الأخلاق وفقاً لهذه القوانين الطبيعيَّة ووفقاً لهدف هذا الخلق بوجه عام وخلق الإنسان بوجه خاص.

إذن لهذا الخلق غاية لابدَّ من أنّ تتحقق بتمام الغايَّة والإنتهاء إلى ذلك المصير [أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ] {المؤمنون:115} ، [وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ] {الأنعام:73} . فبناء على غاية في الخلق خَلَق الخلق وقدره تقديراً ينتهي إلى غايته [إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ] {القمر:49} ، [وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا] {الفرقان:2} [الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى] {الأعلى:2-3} .

إذن بناء على غايته سبحانه في الخلق خلق الخلق وعلم أن ماخلق ينتهي إلى ماقدَّر وبناء على علمه تعالى لهذا وذاك قدَّر ما سيكون عليه الخلق وقضى، ثم كتب ماقدر وقضى.

من هنا نفهم وجود جبريَّة في العالم تتمثل أولاً في مصير الإنسان فإنه لابدَّ من أن يموت مثلاً ولابدَّ من أن يحيا مرة أخرى، وتتمثل أيضاً في أنَّه مقيَّد بإطار معيَّن من أطر جبريَّة الكون من حيث أنَّه مقيَّد بالقوانين الطبيعيَّة عموماً وبقوانين الطبيعة البشرية خصوصاً.

ومن ثَمَّ جاءت النصوص التي تثبت المشيئة المطلقة لله سبحانه وتعالى [وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ] {الإنسان:30} لأنَّ مشيئته الكلية قد سبقت الوجود أولاً، ولابدَّ من أن تتحقق ثانياً. واذا عبَّر عمَّا سيكون عليه الأمر مستقبلاً عبَّر عن علمه تعالى بما سيكون عليه لأنَّه يعلم حاضر الشيء ومستقبله. ولا يمكن أن يتغيَّر علمه ولا يمكن أن يغيِّر أيضاً ما كتب بناء على هذا العلم ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم (جف القلم على علم الله تعالى) (1)

لأن العلم هو معرفة الأسباب وما تؤدي إليه واذا كان الله سبحانه خلق الأسباب فيعلم مقدماً نتائج الأسباب، ويعتبر ابن رشد تلك الأسباب وما تؤدي إليه هي القضاء والقدر لأن الأسباب لاتتخلَّف عن نتائجها ويسمى العلم بتلك الأسباب العلم بالغيب، فيقول: (ولما كانت الأسباب تجري على نظام محدود وترتيب منضود لا تخل في ذلك بحسبما ماقدرها بارئها عليه، وكانت إرادتنا وأفعالنا لا تتم ولا توجد بالجملة إلا بموافقة الأسباب التي من خارج، فواجب أن تكون أفعالنا تجري على نظام محدود أعني أنها توجد في أو قات محدودة ومقدار محدود.

وإنما كان ذلك واجباً لأنَّ أفعالنا تكون مسببة عن تلك الأسباب التي من الخارج وكل مسبب يكون عن أسباب محدودة مقدرة، فهوضرورة، محدودة مقدرة. وليس يلغي هذا الارتباط بين أفعالنا والأسباب التي من الخارج فقط بل وبينها وبين الأسباب التي خلقها الله تعالى في داخل أبداننا. والنظام المحدود في الأسباب الداخلية والخارجة أعني التي لاتخل هوالقضاء والقدر الذي كتبه الله تعالى على عباده وهواللوح المحفوظ، وعلم الله تعالى بهذه الأسباب وبما يلزم عنها هو العلة في وجود هذه الأسباب، ولذلك كانت هذه الأسباب لايحيط بمعرفتها إلا الله وحده ولذلك كان هو العالم بالغيب وحده على الحقيقة كما قال تعالى: [قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلَّا اللهُ] {النمل:65} وإنما كانت معرفة الأسباب هي العلم بالغيب لأنَّ الغيب، هومعرفة وجود الموجود في المستقبل أو لا وجوده ) (2).

إلا أنَّ هذه الكتابة بناء على العلم لا تدل على حتميَّة السلوك المعيَّن للفرد لأنَّ التقدير بناء على العلم لا بناء على الجبر. فإنَّ الإنسان البصير قد يرى أعمى يسير نحو هاوية فيستطيع أن يعرف مصير هذا الأعمى فلو أنه كتب عليه هذا المصير وقضى بأنه سيقع، ووقع ما كتب فلا يكون بذلك قد أجبره على الوقوع. إذن سلوك الإنسان بالنسبة إليه سلوك حر مبني على اختياره وهو بالنسبة إلى الله تعالى حتمي وقضاء وقدر لأنه علم وقدر وقضى.

ثانياً: تتحدد حريَّة الإنسان بموقفه من قوانين الطبيعة وقوانين الأخلاق فهو مأمور بتطبيق قوانين الأخلاق أدبياً وخاضع لتطبيق قوانين الطبيعة واقعياً. ولكنه يملك القدرة والاستعداد للخروج على القوانين وذلك بناء على إحساسة بحرية الاختيار في داخل نفسه وشعور بالقدرة على تنفيذ ما اختاره وهذا الإحساس بالحريَّة والقدرة ليس مجرد وهم بل حقيقة يصدِّقها الواقع وهو خروجه على هذا وذاك في بعض الأحيان فلو كان مجبوراً بالطبيعة كالحيوان لما خرج عليهما ولو كان مجبوراً بقانون الله الأخلاقي كالملائكة لما خرج عليه أيضاً.

وبناء على هذه الحريَّة أصبح مسئولاً أمام الله تعالى ومطالباً بالسير على مناهج الله سبحانه وطريقه الذي رسمه له فلو كان مجبوراً على السير في طريق معيَّن، وليست له القدرة على الخروج عليه لكان عبثاً من الله أن ينزل الوحي ويطالبه بالسير على هداه، وتعالي الله عن ذلك العبث علواً كبيراً. ولهذا فإنَّ كل الآيات التي ذكرناها والتي كانت تثبت الحريَّة أو إرادة الاختيار للإنسان تعبِّر عن حريَّة الإنسان في إرادته وتصرفه في إطار معيَّن، وقد أعطيت للإنسان إرادة الاختيار والقدرة على تنفيذ ما اختاره، لاختباره وامتحانه: هل يسير على طريقه ومنهاجه الذي رسمه له أو يخرج عليه فيه ولهذا قال تعالى: [الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا] {الملك:2} وقال أيضاً: [وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ] {محمد:31} .

ثالثاً: أنَّ هناك أعمالاً تدخل فيها إرادة الإنسان وقدرته مع إرادة الله تعالى وقدرته فتدخل إرادة الإنسان يبدأ من نيِّته لعمل ما ايجابياً أو سلبياً، وتدخل إرادة الله يبدأ بتوجيهه وتوفيقه إلى حيث تتجه نيته [وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا] {العنكبوت:69} ، [فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ] {الصَّف:5} ، [فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا] {البقرة:10} . [وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ] {التوبة:46-47} ، [إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ] {الرعد:11} ، [أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغَانَهُمْ] {محمد:29} .

كما يتدخل الله تعالى في عمل الإنسان بناء على أخلاقه من صلاح وفساد [سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ] {الأعراف:146} ، [إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ] {غافر:28} ، [[فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5) وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى(6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8) وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى(9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)] {الليل}. وأخيراً يتدخل الله تعالى في عمل العبد بناء على علمه به وما يكون عليه مستقبله [وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ] {الأنفال:23} ، [فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ] {الفتح:18} 

والآن على ضوء هذه الفكرة نستطيع أن ندرك حقيقة مغزى الآيات التي تجمع بين الجبرية والحريَّة أو بين المشيئة الإلهية وحريّة الاختيار للإنسان.

رابعاً: هناك إرادة إلهية جبرية أو قهرية وإرادة إلهية أخرى إختيارية، فهو يستعمل أحياناً الأولى، وأحياناً أخرى الثانية بحسب ما يقتضي عدله وحكمته تعالى، فبالأولى يجبر الناس على عمل معيَّن قهراً كما قهر قوماً على أخذ ما أتى به رسولهم [وَإِذْ نَتَقْنَا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] {الأعراف:171} ، [وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ] {الرعد:11} .

ولقد سبق أن بيَّنا أن الله تعالى لايريد سوءاً بقوم إلا إذا ساءت نياتهم سواء أظهروها أو أخفوها ومنه قوله تعالى [وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ] {البقرة:253} حقاً إنَّ الله سبحانه لو أراد ألا تقع فتنة من البداية لما وقعت، ولما خلق في الإنسان دوافع أو استعداداً للفتنة ولخلقهم الملائكة يؤمنون بالله ويفعلون مايؤمرون [وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ] {يونس:99} ، ولو شاء تعالى أن يقهر كل الناس على الايمان لفعل [إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ] {الشعراء:4} .

ولكنَّ الله سبحانه لم يرد أن يقهر الناس على كل ما يريد أن يفعلوه وإن أراد منهم أن يفعلوه، لكن هذه إرادة الاختيار لاإرادة القهر والجبر، ولهذا قال تعالى [وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتَى بَلْ للهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا] {الرعد:31} .

وهكذا فإنَّ الله تعالى لم يرد أن تكون إرادة الجبر قاعدة عامَّة في تنفيذ كل شيء وتوجيه الناس إلى أعمالهم. سواءً كان الجبر الداخلي أو الجير الخارجي بل أراد سبحانه أن تكون إرادة الاختيار هي الأساس في شئون حياة الإنسان إذ أنَّه نصب له دلائل الخير والشر، وبيَّن له طريق الهدى والضلال وعاقبتهما في الدنيا والآخرة، وخلق فيه قوة البصيرة والادراك والتميّيز، ليستطيع بها التفرقة بين ما يضره وما ينفعه إن عاجلاً أو آجلاً، ولهذا اقتضت ارادته تعالى ألا يقهر الناس بعد ذلك على أحد الطريقين بل اقتضت حكمته أن يبيِّن للناس أنَّه تعالى سيحاسبهم ثواباً أو عقاباً على اختيارهم لأحد الطريقين وهذا الثواب أو العقاب قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة ولكن الحساب العادل والجزاء الوافي سيكون في الاخرة [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ] {يونس:23} .

ولا يلزم من إرادة الاختيار عند الإنسان عجزه سبحانه وتعالى عن تنفيذ مراده بل إنَّ هذا يعتبر تنفيذاً لمراده لأنه أراد هذا فكان ما أراده. 

ولا يلزم أيضاً أنَّه بذلك أراد الشر لأنه ترك حريَّة للإنسان أن يفعل الخير والشر مع خلق القدرة فيه لهذا وذاك، واذا كان هذا يعتبر إرادة الشر من جهة فإنَّ إرادة الشر هنا ليست من الله تعالى لنفسه ولا للإنسان بل من الإنسان للإنسان [إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] {يونس:44} . فإنَّ الله تعالى قد خلق العالم بما يناسب الإنسان وخلق فيه كل ما يحتاج إليه بحكم خلقه وطبيعته وهنا يقول ابن عربي:

(واعلم أن الإنسان فيه مناسب من كل شيء في العالم فيضاف كل مناسب إلى مناسبه بأظهر وجوهه) (3). وعلى الإنسان إذن أن يتصرف بما يناسبه ويوافقه ولا يخالف نظام الطبيعة الذي خلق مناسباً له حتى لايصيبه الشر، ولكن نتيجة جهله حيناً وتصرفاته الخاطئة واصطدامه بالقوانين الطبيعيَّة والأخلاقية يصيبه الشر، فالشر إذن منه وإليه.

وأخيراً لايلزم من علمه تعالى أنَّ الإنسان سيرتكب الشر، إنَّه بذلك أراد الشر بل إن علمه هذا لا يعتبر إرادة ؛ فإنني عندما أضع أسئلة للإمتحان مثلاً أعلم أن هناك من الممتحنين من پرسب في الإمتحان، ولكنني بذلك لم أرد رسوب أي إنسان ولا يرجع سبب سقوطه إليَّ بل يرجع إلى نفسه.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى الله تعالى فإنه عندما أعطى للإنسان حريَّة الاختيار لم يرد من أي إنسان أن يفعل الشر بل أراد أن يتبع الخير [يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ] {البقرة:185} ، [تِلْكَ آَيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالحَقِّ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ] {آل عمران:108} ، [وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا] {الفرقان:62} ، [مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] {المائدة:6} .

ثم إنَّ الله تعالى بإرادة الاختبار هذه قد أراد للإنسان حريَّة وبهذه الحريَّة أراد له الكرامة، لكن هل نستطيع أن نقرر من هذا أن الإنسان مطلق الحريَّة ؟

الحقيقة عندما تلفت نظرنا إلى تقريراتنا السابقة نجد هناك حريَّة وهناك جبريَّة ولكل من الجبريَّة والحريَّة درجات ولكل منهما بناء على ذلك مجالات ولنذكر أولاً درجاتهما ومجالاتهما لأنَّ كلا منهما مرتبط بالآخر ثم نقرر التقرير النهائي.

الحلقة السابقة هـــنا

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم 

المصدر: مجلة الهادي، سنة 1352 – العدد 8

=====

(*) هذا هو القسم الثاني من بحث (الحريَّة الأخلاقية بين التفكير الفلسفي، والتفكير الإسلامي).

(1) التاج ج 5 - كتاب الزهد والرقائق ص ???. ٤٣٦٨

(2) مناهج الأدلة في عقائد الملة لابن رشد: تحقيق الدكتور محمود قاسم ص: ??? ط2.

(3) ذخائر الأخلاق: ابن عربي ص: ?95

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا