الاثنين 12 ربيع الأول 1440 - 19 نوفمبر 2018

فقه السيرة النبوية (31)

الخميس 15 صفر 1440 - 25 أكتوبر 2018 55 عمر جبه جي
فقه السيرة النبوية (31)

الحلقة الحادية والثلاثون : بناء الأسس الاستقلالية للشخصية الإسلامية

ستة عشر شهراً مضت من الهجرة النبوية، عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها حواراته مع أهل الكتاب وكانت الصلاة خلالها باتجاه بيت المقدس، ولم يدخل في الإسلام إلا نفرٌ قليلٌ، وبدأت العداوة تتزايد ظهوراً من أحبار اليهود وعامتهم في مواجهة الإسلام، وفي نفس الوقت اتسعت المباني السكنية في المدينة وازداد عدد المهاجرين إليها وكثر المسلمون فيها من أبناء الأوس والخزرج وبدأت تظهر على ساحة المدينة النبوية معالم الشخصية الاستقلالية للإسلام والمسلمين، وقد تمثلت الأسس الاستقلالية بالمظاهر التالية

أولاً: الصلاة بأوقاتها الخمسة في اليوم والليلة ووظائفها الاجتماعية والأخلاقية والنفسية والعبادية وخطبة الجمعة كل أسبوع وإلقاء بيان عام عن أحوال الأمة.

ثانياً: المسجد النبوي والوظائف التي يؤديها

باعتباره دار عبادة، ودار شورى الأمة، ومعهد تربية وإعداد علمي وفكري وثقافي، ودار استقبال الوفود، ومجلس حوار ديني مع أهل الكتاب وغيرهم، ومركز تدريب اجتماعي ورياضي، ومركز إعلام وتوجيه عام، إلى آخر ما هنالك من مهمات وأدوار عامة للأفراد والأسر والدولة. فتميز بذلك عن دور العبادة لغيرهم.

ثالثاً : تحويل القبلة إلى بيت الله الحرام

لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً، وكان يحب أن يصرف إلى الكعبة فقال: ياجبريل وَدِدْتُ أنَّ الله صرفَ وجهي عن قبلة يهود، فقال جبريل: إنما أنا عبدٌ فادعُ ربَّكَ وَسَلْهُ، وجعل إذا صلى إلى بيت المقدس يرفع رأسه إلى السماء، فنزلت عليه 

قَدْ نَرَى? تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ? فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ? فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ? وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ? وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ? وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) [سورة البقرة] 

فوجَّه إلى الكعبة وذلك يوم الاثنين للنصف من رجب 2 هـ، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قِبَلَ بيت المقدس وأهل الكتاب، فلمّا وِلَّى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك وكان يصلي إلى بيت المقدس استمالة لقلوبهم ربما يرغبون في دينه، ثم أنه صلى الله عليه وسلم كره مواقفهم في أمر القبلة لما قالوا: لولا أنَّ ديننا حق لما صلى إلى قبلتنا ولما استنَّ بسنتنا ، ولقد قال رب العزة تبارك وتعالى في سورة البقرة واصفاً هذه الحقائق بقوله:

 سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ? قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ? يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى? صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (142) وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ? وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى? عَقِبَيْهِ ? وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ? وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ? إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (143)[سورة البقرة].

وبهذا نتبين حقيقة الانتقال إلى مرحلة جديدة في بناء الشخصية الاستقلالية للمسلمين وقد أقيمت الحجة على أهل الكتاب، وبهذا أيضاً جعل الله هذه الأمة أمة وسطاً لتشهد على الناس وتقدم لهم دين الله الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهيد عليهم جميعاً.

رابعاً: الأذان = النداء إلى إقامة الصلاة

اتسعت أحياء المدينة وكثر سكانها بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها وتتابع المهاجرين، حتى صار الناس بحاجة إلى النداء يصلهم في منازلهم لحضور الصلاة وكان بلال بن رباح يصعد على أحد البيوت بجوار المسجد وينادي (الصلاة جامعة) فيجتمع الناس، فلما صرفت القبلة إلى الكعبة أمر بالأذان وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهَمَّهُ أمر الأذان وأنهم ذكرو أشياء يجمعون الناس للصلاة، قال بعضهم البوق وقال بعضهم الناقوس، فبينما هم على ذلك إذ نام عبد الله بن زيد الخزرجي، فأري في النوم أنَّ رجلاً مرَّ وعليه ثوبان أخضران وفي يده ناقوس، قال: فقلت أتبيعُ هذا الناقوس؟ فقال: وماذا تريد به؟ فقلت: أريد أن أبتاعه لكي أضرب به للصلاة لجماعة الناس، قال: فأنا أحدثك بخير لكم من ذلك، تقول:

(الله أكبر... الله أكبر... الله أكبر... الله أكبر... أشهد أن لا إله إلا

الله ... أشهد أن لا إله إلا الله... أشهد أن محمداً رسول الله...أشهد أن

محمداً رسول الله حَيَّ على الصلاة... حيَّ على الصلاة.

لقد تضمن الأذان نداءاً واضحاً صريحاً للتعريف بالإسلام، وتميز بذلك عن جميع وسائل الأمم والأديان، فكان ظاهرة أخرى متميزة لاستقلالية الإسلام، ولعل من المدهش حقاً أن يكون أمر الأذان وحوارات رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه بهذا الشكل، ليتنزل الوحي بثبوت رؤيا عبد الله بن زيد الخزرجي، كما يدهش حقاً ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن الوسائل التي عرضها الصحابة في أمر الأذان: (فقيل له انصب راية عند حضور الصلاة فإذا رآها الناس أعلمَ بعضهم بعضاً فلم يعجبه ذلك، فذكر له بوق يهود، فكرهه وقال: هو من أمر اليهود فذكر له الناقوس الذي يدعون به النصارى لصلاتهم،، فقال: هو من أمر النصارى فقالوا: لو رفعنا ناراً فإذا رآها الناس أقبلوا إلى الصلاة فقال: ذلك للمجوس) .

وبذلك تميز أذان الصلاة للمسلمين عن جميع الناس، ليعطيهم هذا الاستقلال في شخصيتهم الإعلامية.

خامساً : فريضة صوم رمضان والزكاة

وفي شعبان من السنة الثانية للهجرة نزل قوله تعالى

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ? فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى? سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ? وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ? فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ? وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ? إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى? وَالْفُرْقَانِ ? فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ? وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى? سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ? يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى? مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185).سورة البقرة

(نزل فرض شهر رمضان بعدما صرفت القبلة إلى الكعبة بشهر في شعبان على رأس ثمانية عشر شهراً من مهاجرة رسول الله ) ، (وقبل الفطر بيومين أمر بزكاة الفطر وبعد الفطر في شوال فرضت الزكاة) .

عن قيس بن سعد بن عبادة قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة ثم نزلت فريضة الزكاة، فلم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله) .

وحيثما ذكرت الصلاة في القرآن الكريم اقترنت بها الزكاة، وهما من أركان الإسلام، ومن الملاحظ أن في فريضتي الصوم والزكاة يضع الإسلام الفردَ والمجتمعَ في ميدان تهذيب النفس وتزكيتها وتنظيم العلائق الاجتماعية الروحية والمادية بين الناس من حيث النظام والدقة والتعاون والمؤاخاة، وعطف الأغنياء على الفقراء، وتوحيد مواقفهم وتقريب المستوى المادي والاجتماعي فيما بينهم، وهو عمل متمم لعقد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.

إن الصوم والزكاة ظاهرتان متممتان للظواهر الاستقلالية للمجتمع الإسلامي الجديد وهما في ذات الوقت مسرح عمل إسلامي تجتمع فيه القيم الروحية والمادية، وتتحقق فيه القدرة على مواجهة المصاعب الاقتصادية الفردية والجماعية، فإلى جانب الصبر الذي يتعلمه المسلم بالصوم يتعلم معاناة الفقراء والمساكين، كما يتعلم تشريع تنظيم العلاقات المادية للفرد والمجتمع، والاستعداد لمواجهة الطوارئ من نقص في الموارد الاقتصادية أو مواجهة لظروف الحرب والعدوان، وهي وسيلة لإقامة التضامن الاجتماعي، يتحد فيه الأغنياء والفقراء وتزول من بينهم الفوارق الطبقية، وتحل الرأفة والرحمة فيما بينهم محل الحسد والبغضاء والكراهية والاعتداء.

ملاحظة: إن مجموع هذه الظواهر الاستقلالية في الشخصية الإسلامية في المدينة تتوافق جوهرياً وعملياً مع الأسس والقواعد التي أقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي التي لابد منها لمواجهة التحديات القادمة، ومتابعة الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، وبذلك فقد بدأت مرحلة جديدة في المدينة النبويّة يسعى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إثبات الكيان الإسلامي وإلغاء العدوانية والغزو القبلي. 

معالجة الأزمة الاقتصادية

أدت هجرة المسلمين إلى المدينة إلى زيادة الأعباء الاقتصادية، الملقاة على عاتق الدولة الناشئة، وشرع القائد الأعلى صلى الله عليه وسلم لحل هذه الأزمة بطرق عديدة، وأساليب متنوعة، فكان نظام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وبناء الصفة التابعة للمسجد النبوي لاستيعاب أكبر عدد ممكن من فقراء المهاجرين، واهتم صلى الله عليه وسلم بدراسة الأوضاع الاقتصادية في المدينة، فرأى أن القوة الاقتصادية بيد اليهود، وأنهم يملكون السوق التجارية في المدينة وأموالها، ويتحكمون في الأسعار والسلع ويحتكرونها، ويستغلون حاجة الناس، فكان لا بد من بناء سوق للمسلمين لينافسوا اليهود على مصادر الثروة والاقتصاد في المدينة، وتظهر فيها آداب الإسلام وأخلاقه الرفيعة في عالم التجارة، فحدد صلى الله عليه وسلم مكانا للسوق في غرب المسجد النبوي وخطه برجله، وقال: «هذا سوقكم فلا ينتقصن ولا يضربن عليه خراج». 

إن المنهج الرباني عالج المشكلة الاقتصادية عن طريق القصص القرآني، لكي يتعظ الناس، ويعتبرون بمن مضى من الأقوام، ولم يترك الجانب التشريعي التعبدي، الذي له أثر في البناء التنظيمي التربوي، فقد كان المولى عز وجل يرعى هذه الأمة، وينقل خطاها لكي تكون مؤهلة لحمل الأمانة وتبليغ الرسالة ولا فرق في وسط هذه الدولة بين الأمور الصغيرة والأمور الكبيرة؛ لأنها كلها تعمل لرفع بنائها، ووقوفها شامخة أمام الأعاصير التي تحتمل مواجهتها ومن هذه الشعائر التعبدية التي فرضت في السنتين الأوليين من الهجرة، الزكاة، وزكاة الفطر، والصيام ونلاحظ سنة التدرج في بناء المجتمع المسلم ومراعاته لواقع الناس، والانتقال بهم نحو الأفضل دون اعتساف أو تعجيل، بل كل شيء في وقته.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا