الاثنين 12 ربيع الأول 1440 - 19 نوفمبر 2018

جهود الإمام عبد القادر الجيلاني وتلامذتهِ في الإصلاح السُّني وبناء المدارس(4)

الثلاثاء 13 صفر 1440 - 23 أكتوبر 2018 42 أيمن يزبك
جهود الإمام عبد القادر الجيلاني وتلامذتهِ في الإصلاح السُّني وبناء المدارس(4)

المبحث الرابع

الطريقة القادرية وتصحيح المفاهيم

1-      نشأة الطريقة:

يُعتبر الشيخ عبد القادر الجيلاني من أول وأشهر من نظّم الصوفيَّة في جماعاتٍ مُمنهجَة تسير وفق طريقة منضبطة، تضبط سلوك المريد مع شيخه وسلوك الشيخ مع تلميذه وسلوك الاثنين مع الناس والبيئة المحيطة بهم، ويتجلى ذلك في وصيته لابنه عبد الرزاق حيث قال: (أوصيك بتقوى الله، وطاعته ولزوم الشرع وحفظ حدوده، وأعلم يا ولدي - وفقنا الله وإياك والمسلميـن - أن طريقتنا هذه مبنيّةٌ على الكتاب والسنة وسلامة الصدر وسخاء اليد وبذل الندى وكف الجفا وحمل الأذى والصفح عن عثرات الإخوان).

وقد أصّل الجيلاني لطريقته تأصيلًا يقوم على الكتاب والسنة ولا يحيد فيه عن فهم سلف الأمة، حيث يقول في وصيته: (أدخل الظلمة بالمصباح وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإن خطر خاطر أو جدّ الهامٌ فاعرضه على الكتاب والسنة؛ فإن وجدت فيهما تحريم ذلك مثل أن تلهم الزنا والرياء ومخالطة أهل الفسق والفجور وغير ذلك من المعاصي فادفعه عنك وأهجره ولا تقبله ولا تعمل به واقطع بأنه من الشيطان اللعين) (1).

2-      حثه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

كان الشيخ الجيلاني كثيرًا ما يحثّ أتباع طريقته على وجوب الأمر بالمعروف، واجتناب ما نهى اللهُ عنه والاستسلام والتسليم لهُ بقضائه فلا مرد لقضائه، ولكنه سبحانه يلطف بالناس بقدر دعائهم وتضرعهم لهُ عز وجل، فكان يقول لتلاميذه: (لابد لكل مؤمن في سائر أحواله من ثلاثة أشياء: أمر يمتثله ونهي يجتنبه وقدر يرضى به، فأقل حالة المؤمن لا يخلو فيها من أحد هذه الأشياء الثلاثة، فينبغي أن يُلزم همَّها قلبَه ويحدِّث بها نفسه ويؤاخذ الجوارح بها في سائر أحواله) (2).

3-      إقبال الناس على طريقته:

اتّبع الشيخ الجيلاني أسلوب الوعظ والإرشاد والنصح والغيرة على عباد الله وحمل همهم وهم آخرتهم، لذلك ازداد التفاف الناس حوله، وكان يقول لهم: (ألا إني راع لكم ساق لكم ناطور لكم، ما ترقيت ها هنا وأرى لكم وجودًا في الضر والنفع بعد ما قطعت الكل بسيف التوحيد... حمدكم وذمكم وإقبالكم وإدباركم عندي سواء، كمْ مَن يذمني كثيرًا ثم ينقلب ذمه حمدًا، كلاهما من الله لا منه، إقبالي عليكم لله أخذي منكم لله لو أمكنني دخلت مع كل منكم القبر وجاوبت عنه منكرًا ونكيرًا رحمة وشفقة عليكم).

بهذه المعاني ربّى الجيلاني أتباعه، وغرس في نفوسهم مفهوم الإخاء والبذل والعطاء، والتناصح والشفقة وحسن التعامل وطيب الكلام، وتجريد النفس عن الهوى، وانقيادها لخالقها وباريها بصدق وإخلاص، وقد وصل صدى وعظ الإمام إلى قلوب جماعة الأحداث وقطاع الطرق، فأسلم من لم يكن مسلمًا وتاب على يده من نسي دينه حتى قال الجيلاني: (وتاب على يدي من العيّارين والمسالحة أكثر من مائة ألف، وهذا خير كثير) (3) ، ولذلك انتشرت طريقة الشيخ، وحيث ما توزع أتباعه ووصلوا وجدت طريقته بمعانيها وأسسها البسيطة والخالية من أي فكر فلسفي معقد الكثير من الأتباع المخلصين... وقد كان الشيخ كثيرًا ما ينهى أتباعه عن الفلسفة ويحذرهم من خطر دخولها على النفس والعقل.

الحلقة الثالثة هنا

المصدر: مجلة مقاربات التي يصدرها المجلس الإسلامي السوري

=======

(1) - الجيلاني: المصدر السابق، ص640.

(2) - الجيلاني: المصدر السابق، ص6.

(3) - قلائد الجواهر، ص19.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا