الأربعاء 18 محرم 1441 - 18 سبتمبر 2019

صاحب الذكرى صلى الله عليه وسلم ما كان يكمم الأفواه

الثلاثاء 28 ربيع الثاني 1431 - 13 أبريل 2010 929

الشيخ أحمد النعسان

 

مقدمة الخطبة:
الحمد لله رب العالمين, وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين, أما بعد فيا عباد الله:
لقد ذكرت لكم في الأسبوع الماضي بأن حضرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قد رفعه الله تعالى على الناس كلهم, بل رفعه على خاصة الخاصة من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام, وكان رفعه عليهم درجات كما قال تعالى: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ}.
ولكن النبي صلى الله عليه وسلم عرف بأن هذا الرفع هو في الحقيقة ابتلاء واختبار, لأن الله تبارك وتعالى يقول: {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ}. وهذا ما أكَّده سيدنا سليمان عليه السلام عندما رأى عرش بلقيس بين يديه, فقال: {هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ}.
لذلك كانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مليئة بتواضعه الشريف لخلق الله جميعاً, مهما كان العبد في الدركات, وحضرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدرجات, فما عرف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبر ولا الاستكبار ولا الاستعلاء على أحد من خلق الله تعالى, وكان الرجل يدخل إلى مجلس سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: (أيُّكم محمد)؟
كمُّ الأفواه شأن الرجل الفاشل:
أيها الإخوة الأحبة: إني من خلال هذا الحديث اليوم, لأخاطب قادة الأمة على كل المستويات: إذا أردنا الفلاح والنجاح فلا تستغلوا يا قادة الأمة رفع الله لكم على الآخرين بكَمِّ الأفواه, لأن كَمَّ الأفواه شأن الرجل الفاشل في قيادته, شأنُ الرجل الذي لا يستطيع أن يقارع الحجة بالحجة, شأنُ أهل الباطل.
يا قادة الأمة من حكام وعلماء, يا أيها المسؤولون, وكلُّ واحد فينا مسؤول لقوله صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) رواه البخاري ومسلم. يا أيها الزوج يا أيها المدير يا من رفعك الله تعالى على الآخرين درجة لا تقل: ما أريكم إلا ما أرى, لأن هذا شأن الرجل الفاشل, شأن الفراعنة الذين يقولون كما قال أستاذهم لسيدنا موسى عليه السلام: {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِين}.
يا قادة الأمة من حكام وعلماء ومسؤولين, إن كمَّ الأفواه يجعل مجالاً لشياطين الإنس والجن أن يلعبوا بين التابع والمتبوع, وبين الحاكم والمحكوم, وبين الزوج وزوجته, وبين التلميذ وأستاذه, إنَّ كمَّ الأفواه يجعل التابع منافقاً للمتبوع, وإذا كان التابع منافقاً للمتبوع فإن المجتمع يكون فاشلاً ولو كانت الأبدان مجتمعة, قال تعالى:{تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى}.
كثرت فيهم المقالة:
أيها الإخوة الكرام: لنسمع شيئاً من سيرة هذا الحبيب صلى الله عليه وسلم الذي رفعه الله درجات, لنسمع سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي ما كمَّ الأفواه, لنسمع سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي لم يرض لأصحابه النفاق له ـ حاشاه من ذلك ـ.
ليسمع كلُّ حاكم وكلُّ مسؤول وكلُّ زوج وكلُّ عالم إذا أراد أن يكون ناجحاً في قيادته, ليسمع إلى هذا الحديث الذي يرويه الإمام أحمد عن سيدنا أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ, وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ, حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمْ الْقَالَةُ, حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ).
أمر طبيعي أن تحدِّثك نفسك أحياناً بسوء ظنٍ وباعتراضٍ على متبوعك, لأننا ما خرجنا عن طبيعتنا البشرية, ولكلِّ واحد منا شيطان يوسوس له, ولم يسلم أحد من وسوسته إلا من رحم الله, فالأنصار رضي الله عنهم وجدوا في أنفسهم شيئاً على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأين أنت من ذلك يا سعد؟
أيها الإخوة الكرام: إنَّ الصحب الكرام يعلمون عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الخطأ, ويعلمون أنه مؤيَّد بالوحي من عند الله عز وجل, ويعلمون بأنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى, ولكن ما وجدوا تبريراً وتأويلاً لهذا الفعل, فوجدوا في أنفسهم شيئاً, ومهمة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تزكية النفوس كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ}. فالمزكِّي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم, والمزكَّى هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا بدَّ للمزكى أن يكون صادقاً مع المزكِّي, وإلا ما استفاد من صحبته, وفتح مجالاً للشيطان أن يلعب به, وما دام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على حقٍّ ومنه ينبع الحق فلا شكَّ في وجود مبرر لما فعله صلى الله عليه وسلم.
دخل سيدنا سعد بن عبادة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ, قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ, وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ الأَنْصَارِ شَيْءٌ).
سمع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالة سعد رضي الله عنه, فنظر إليه وسأله السؤال المحرج, فقال له: (فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ)؟ فجاء الجواب من سيدنا سعد رضي الله عنه بكلِّ صراحة ووضوح وصدق فقال: (يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنَا إِلا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي).
هكذا نريد أن يكون المجتمع, التابع صادق مع المتبوع, والمتبوعُ متواضع فاتحٌ صدره للتابع, ليقطع الطريق على شياطين الإنس والجن من التدخل بينهما.
ما قالة بلغتني عنكم؟
أيها الإخوة الأحبة: انظروا إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يعالج المواقف, ما عالجها بقوله: ما أريكم إلا ما أرى, حاشاه من ذلك, فالرفيع وعظيم القدر يعالج الأمور بحكمة ورويَّة, فقال النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا سعد بن عبادة رضي الله عنه: (فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ).
قَالَ: فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ, قَالَ: فَجَاءَ رِجَالٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا, وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ, فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ: قَدْ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الأَنْصَارِ.
قَالَ: فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ: (يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ, وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ؟ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلالاً فَهَدَاكُمْ اللَّهُ, وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ, وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ)؟
قَالُوا: بَلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ.
ذكَّرهم أولاً بفضل الله عز وجل عليهم حيث كان هو السبب, ثم نظر إليهم صلى الله عليه وسلم فقال: (أَلا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ)؟
أيها الإخوة: أيُّ متبوع يلقِّن تابعه بالرد عليه؟ إنه المتبوع الذي لا يريد الدنيا, هو الذي يريد وجه الله تعالى, هو الذي علم بأن الرفع على الآخرين ابتلاء واختبار له, لقد لقَّنَهم النبي صلى الله عليه وسلم الرد, وهو ردٌّ حقيقي لا من نسج الخيال, هو ردٌّ قد يجول في خاطر الأنصار.
قَالُوا: وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ.
قَالَ: (أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ: أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ, وَمَخْذُولاً فَنَصَرْنَاكَ, وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ, وَعَائِلاً فَأَغْنَيْنَاكَ).
عظمة ما بعدها عظمة من المخلوقين, اعتراف بالفضل واعتراف بالمعروف, ما نسي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موقف الأنصار عندما جاءهم مهاجراً, كيف ينسى هذا الفضل منهم, والله تعالى يقول: {وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}؟
يا قادة الأمة لا تنسوا فضل الأمة عليكم, يا أيها المرفوع على غيره لا تنس فضل الذي رفعك الله عليه, يا علماء الأمة لا تنسوا فضل الأمة عليكم, يا أيها الأزواج لا تنسوا فضل الزوجات عليكم.
مقارنة لطيفة:
أيها الإخوة الأحبة: انظروا ختام هذا الموقف بين المتبوع والتابع, بين المحبوب والمحب, بين المرفوع والمرفوع عليهم, نظر إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وأوضح لهم المبرر لما فعله, فقال: (أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنْ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلامِكُمْ)؟ كلمة حق وكلمة صدق, ولفتة نظر كريمة من سيد العالم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
وأعقب ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بمقارنة لطيفة ـ بأبي وأمي أنت يا سيدي يا رسول الله ـ فقال: (أَفَلا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحَالِكُمْ؟ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الأَنْصَارِ, وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتْ الأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ, اللَّهُمَّ ارْحَمْ الأَنْصَارَ, وَأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ, وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ).
قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ, وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا, ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقْنَا.
خاتمة نسأل الله تعالى حسنها:
يا قادة الأمة من حكام وعلماء, يا أيها المسؤولون كلٌّ على حسب مستواه, هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم, فهل بإمكاننا أن نجسِّد سيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا سلوكاً وعملاً.
يا قادة الأمة على كلِّ مستوياتكم إنَّ كمَّ الأفواه ليس من شأن أهل الحق, إن كمَّ الأفواه شأن أهل الباطل, الذين لا يملكون الحجة والبرهان, فلله الحمد القائل: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. لأن الإكراه على أمر دليل على ضعفِ المُكرِه.
أسأل الله تعالى أن يوفِّقنا لمتابعة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأقوالنا وأفعالنا إنه على ما يشاء قدير.
أقول هذا القول وكل منا يستغفر الله فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
 

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا