الثلاثاء 4 ربيع الثاني 1440 - 11 ديسمبر 2018

سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي رضي الله عنه

الاثنين 14 محرم 1440 - 24 سبتمبر 2018 115 طارق عدي
سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي رضي الله عنه

شهيدنا الذي سنتحدث عنه في هذه الأسطر شهيد من طبقة خاصة، إنه التقي النقي الطاهر العلم الذي جمع إلى جانب منزلة الشهادة في الحق ودفع الظلم وطلب العدل، شرف الصحبة وفضل القرابة ومزيداً من المحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إنه الصحابي الجليل ريحانة نبي الأمة صلى الله عليه وسلم الحسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمي القرشي العدناني أبو عبد الله السبط الشهيد، ابن فاطمة الزهراء، المولود في السنة الرابعة من الهجرة النبوية. قال صاحب كتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة في تعريفه رضي الله عنه: ريحانة النبي صلى الله عليه وسلم، وشبيهه من الصدر إلى ما أسفل منه، وقد أذّن النبي صلى الله عليه وسلم في أذنه حين ولد، وهو سيد شباب أهل الجنة، وخامس أهل الكساء. وزاد الحافظ أبو نعيم على ذلك فقال: وابن سيدة النساء، أبوه الذائد عن الحوض، وعمه ذو الجناحين، غذته أكف النبوة، ونشأ في حجر الإسلام، وأرضعته ثدي الإيمان. وعن عمران بن سليمان قال: الحسن والحسين أسماء أهل الجنة، لم يكونا في الجاهلية. وفي شبهه وأخيه الحسن بالنبي صلى الله عليه سلم يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: الحسن أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم، ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه برسول الله ما كان أسفل من ذلك.

وبهذا يكون رضي الله عنه صاحب الشرف الأعلى والمكان الأسمى، الذي لا يعلوه نسب ولا يدانيه شرف ولا منزلة، ولِمَ لا يكون كذلك من كان جده محمد صلى الله عليه وسلم، وجدته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وأبوه علي وأمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخوه الحسن. نعم إنه الكريم الشريف الحسيب النسيب الذي حاز المكارم من كافة أطرافها وأضاف إليها المحامد بشتى صورها من تقوى وورع وكرم وشجاعة وزهد وزيادة عبادة. فقد كان رضي الله عنه فاضلاً كثير الصوم والصلاة والحج والصدقة وأفعال الخير جميعها. فعن الزبير بن بكار قال: حج الحسين رضي الله عنه خمساً وعشرين حجة ماشياً، وإن النجائب لتقاد معه. فلم يكن حجه ماشياً عن قلة ذات اليد وإنما رغبة في الأجر وتعظيماً للبيت، وأخذاً بقاعدة شرعية "الأجر على قدر المشقة".

ومما يزيدنا حباً وتقديراً له رضي الله عنه محبة النبي صلى الله علي وسلم له، فإلى جانب مقام القرابة ومنزلة الصحبة فهناك المحبة النبوية التي نلحظها فيما رواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني، الحسن والحسين. وعند الترمذي من حديث أنس :أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو الحسن والحسين فيشمهما ويضمهما إليه". وروى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "هما ريحانتاي من الدنيا" قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: شبههما صلى الله عليه وسلم بذلك لأن الولد يشم ويقبل. وإننا بك يا سيدي يا رسول الله لمقتدون ولهما محبون، ولمبغضهما مبغضون، فليس منا من لا يحب من تحب، ولا يكره لمن تكره.

ومن صور حبه صلى الله عليه وسلم للسبطين رضي الله عنهما ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه حسن وحسين، هذا على عاتقه وهذا على عاتقه، وهو يلثم هذا مرة وهذا مرة، حتى انتهى إلينا، فقال له رجل: يا رسول الله إنك تحبهما. فقال: من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني. ولقد أنزلهما صلى الله عليه وسلم من شدة حبه لهما منزلة الابن حيث أمر بأن يعق عن كل واحد منهما بشاتين.

روى النسائي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "عقّ رسول الله عن الحسن والحسين رضي الله عنهما بكبشين كبشين" علماً أن السنة قد جرت على أن العقيقة عن الأبناء حين يولدون من واجبات الأب تجاه أبنائه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم نزل نفسه الشريفة منزلة الأب المباشر، فعاش دوري الأب والجد في آن واحد وفي عاطفة واحدة. وكيف لا يكون ذلك وهو الذي وصف سبطيه في أكثر من حديث بأنهما ابناه.

كما وردت الأخبار في تعويذه لهما وحرصه على وقايتهما من كل سوء ورقيتهما من كل شر وعين وحاسد، روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول: "إن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق، يعني قوله: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامّة ومن كل عين لامة".

وإن قوة تلك المشاعر وعظمة هذا الحب للحسن والحسين لتبلغ مداها وترتفع إلى أعظمها وأقصاها في قصة رواها أبو داود بسنده عن بريدة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان فنزل (أي عن منبره الشريف) فأخذهما، فصعد بهما المنبر ثم قال: "صدق الله (إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) رأيت هذين فلم أصبر". ثم أخذ في الخطبة.

ومن عظيم قدرهما عنده صلى الله عليه وسلم أنه كان يركبهما معه أحياناً على بغلته الشهباء (الدُّلدُل) أحدهما أمامه والثاني خلفه، وهذا ما رواه مسلم في صحيحه بسنده من حديث إياس عن أبيه قال: "لقد قدت بنبي الله صلى الله عليه وسلم والحسن والحسين بغلته الشهباء حتى أدخلتهم حجرة النبي صلى الله عليه وسلم هذا قدامه وهذا خلفه". كما تتبدى شدة الحب في صور مداعباته صلى الله عليه وسلم للحسين رضي الله عنه، فقد روى ابن حبان بسنده عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُدلع لسانه للحسين فيرى الصبي حمرةً فيهش إليه.."

وكان الحسين رضي الله عنه شديد الشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى الطبراني بسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "من سره أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين عنقه إلى كعبه خلقاً ولوناً فلينظر إلى الحسين".

وذكر ابن عساكر عن فروة بن أبي المقداد عن القاسم بن مالك عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فذكرته لابن عباس فقال: أذكرت الحسين بن علي حين رأيته؟ قلت: نعم والله ذكرته بكَفْيِه حين رأيته يمشي. قال: إنا كنا نشبهه بالنبي صلى الله عليه وسلم.

وعند الترمذي بسند صحيح من طريق حفصة بنت سيرين أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت عند ابن زياد فجيء برأس الحسين فجعل يقول بقضيب له في أنفه ويقول: ما رأيت مثل هذا حسناً، قال: قلت: أما إنه كان من أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإن من ذرية هذا الزكي الطاهر (علي الأكبر) الذي قتل مع أبيه في الطّف كما قال ابن سعد في الطبقات.

وعلي الأصغر المعروف بـ (زين العابدين) وهو أشهر أولاد الحسين رضي الله عنه، وأفضلهم، ولذلك قال عنه الإمام مالك: لم يكن في أهل البيت مثله". ونسل الحسين رضي الله عنه كله منه، لأن بقية إخوته الذكور بلا عقب.

ومن القصائد الخالدات على مر الأيام والتي يحفظها الكثير من الخواص والعوام قصيدة الفرزدق في مدح علي بن الحسين ومنها قوله:

هذا ابن خير عباد الله كلهم=هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته=والبيت يعرفه والحل والحرم
يكاد يمسكه عرفان راحته=ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
إذا رأته قريش قال قائلها=إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله=بجده أنبياء الله تختتم
يغضي حياء ويغضى من مهابته=فلا يكلم إلا حين يبتسم

ومن أولاده كذلك جعفر بن الحسين، وعبد الله الذي قتل صغيراً في كربلاء، وأمه الرباب بنت امرئ القيس بن عدي الكلبية وكان رضي الله عنه شديد الحب لها ولابنته سُكينة منها. وهي التي رثته بقولها:

إن الذي كان نوراً يستضاء به=بكربلاء قتيل غير مدفون
سبط النبي جزاك الله صالحة=عنا وجُنبت خسران الموازين

ومنهم عمر بن الحسين بن علي ويُكنى أبا عبد الله، وفاطمة زوجة الحسن (المثنى) ابن الحسن بن علي رضي الله عنه.

إن رجلاً هذا وصفه وهذه أخلاقه وهذه مدرسته التي نشأ فيها حري به أن يكون من أشجع الشجعان، وأعظم الفرسان، ورواد البطولة والفداء في هذه الأمة، يصدع بالحق، ويأمر بالمعروف، ولا يهنأ له بال ولا يطمئن له قلب إلا أن ترد الأمور إلى أهلها ويتبوأ منصب الخلافة من هو أحق بها ولو كلفه ذلك أهله وماله وروحه.

ومما يشهد لجرأته وشجاعته وإتقانه لفنون القتال والفروسية كثرة مشاركاته في الفتوحات، والمعارك التي خاضها المسلمون في زمانه سواء ما كان منها في الشمال الإفريقي أو المشرق فقد كان رضي الله عنه في الجيش الذي قصد جرجان بقيادة سعيد بن العاص الأموي، وكذلك مع الجيش الذي قصد إفريقية مع عبد الله بن أبي السرح، كما شارك مع الجيش الذي غزا طبرستان وكان معه في هذا الجيش من الصحابة أخوه الحسن، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم أجمعين. وشارك رضي الله عنه في الجيش الذي غزا القسطنطينية سنة إحدى وخمسين في عهد معاوية بن أبي سفيان وكان أمير الجيش يزيد بن معاوية. فأكرم به من بطل في جيش، وفارس من فرسان المسلمين.

يضاف إلى ذلك صور خالدة وموقف عظيمة محمودة من حسن السيرة وسمو الأخلاق ونقاء السريرة منها ما روي عنه رضي الله عنه من مواقف مشهورة، وأقوال مأثورة في الثناء على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والانتصار لهم. ومنها ما ذكره صاحب كتاب (القول السديد في سيرة الحسين الشهيد): أنه أتاه نفر من أهل العراق فقالوا – أي قولاً سيئاً – في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فلما فرغوا قال: ألا تخبروني : أنتم المهاجرون الأولون الذين (أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) ؟ قالوا: لا ، قال: فأنتم الذين (تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) ؟ قالوا: لا ، قال: أما أنتم فقد تبرّأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، ثم قال: أشهد أنكم لستم من الذين قال الله عز وجل فيهم: ( والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا). اخرجوا فعل الله بكم..

لله درك يا ابن بنت رسول الله ما هذا الفهم العميق للقرآن الكريم وما هذه المعايشة الواعية لأهدافه وغاياته السامية، وما هذا الرد المفحم لدعاة الفتنة، والسعاة في الشر، الباعثين للأحقاد، والمفرقين لوحدة الأمة.

استشهاده رضي الله عنه:

لقد كانت بيعة يزيد بن معاوية بالخلافة قاصمة الظهر، ومؤججة الفتنة، والباعثة على عودة الخلاف واستئناف الشجار بين الأمة، لِما كان فيها من مخالفة للشروط التي ارتضاها الحسن بن علي رضي الله عنه مع معاوية رضي الله عنه حين تنازل له عن الخلافة، وفيها أن تكون الخلافة من بعده شورى بين المسلمين، ولكن هذه المعاهدة والمسالمة خرقت بالعهد الذي عهد به معاوية لولده يزيد، وتمزقت بالبيعة التي أخذت له بعد والده.

وعند ذلك لم يجد الحسين الشهيد رضي الله عنه بدًّا من الخروج على الخليفة المزعوم يزيد، مؤيداً موقفه بهذا الخروج بأمرين هامين لا يجوز التغاضي عنهما ولا التفريط بهما:

أولهما: عدم التزام معاوية رضي الله عنه بشرط الصلح مع الحسن رضي الله عنه والتي من ضمنها أن يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين.

وثانيهما: أنه رأى في توريث معاوية الحكم من بعده لابنه يزيد مخالفة واضحة لمنهج الإسلام في الحكم.

يضاف إلى ذلك أن سيرة يزيد بن معاوية ومكانته في الأمة لا تؤهله أن يتقدم إلى الخلافة مع وجود أعلام من الصحابة وأبناء الصحابة هم أحق منه فيها.

ولكن مما ينبغي ذكره هنا أن مواقف بعض الصحابة وأعيان التابعين لم تؤيد الحسين رضي الله عنه في هذا الخروج، وكان ممن نصحه بذلك: أخوه محمد بن الحنفية، وابن عمه عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر. وكان يقول في ذلك: "غلبنا الحسين بن علي بالخروج، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة. ولقد رأى رضي الله عنه من الفتنة وخذلان الناس ما كان ينبغي له ألا يتحرك ما عاش، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس، فإن الجماعة خير"

لكن كل ذلك لم يثنه رضي الله عنه عما أراد لكثرة ما جاءه من وفود أهل العراق، التي تَعِدُه بالبيعة، والمناصرة والتأييد، وكذلك لكثرة الكتب والرسائل التي تطالبه بالسير إلى الكوفة التي فيها من المناصرين له والكارهين لبني أمية وخليفتهم الجديد، ما سيضع حداً للمتطاولين على مقام الخلافة والغاصبين لحق آل البيت عليهم السلام، ووَعْدِهِم له إن سار إليهم سيجد القوة والمنعة، والنصر والنصرة والتمكين، ومن أجل ذلك سار من الحجاز إلى العراق، ولكن هيهات هيهات.. فقبل أن يصل إليهم ويدخل ديارهم، حصلت أمور وتبدلت مواقف واشتريت ذمم وقتل من قتل وخان من خان في أحداث جسام يطول المقام بذكرها، وصدق الشاعر الفرزدق حين قال له وهو المحب الناصح: "ارجع سوف تأتي قوماً قلوبهم معك وسيوفهم عليك" وبعدها كانت الفاجعة.

إنه اليوم العاشر من محرم سنة إحدى وستين من الهجرة النبوية، يوم ولكنه لا كالأيام، إنه يوم الفاجعة العظيمة والمصيبة الكبرى، يوم عَدَت فيه عصائب من أهل الشر، وقطعان بشرية يملؤها الحقد والحسد والبغض والبغضاء والضغينة الحالكة السوداء على ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيد أهل البيت في زمانه، ففجعت الأمة بالتجرؤ على هذا السيد المهيب والبطل الشهيد في أرض في العراق يقال لها كربلاء وهي بلا شك كرب وبلاء وأي كرب أشد وأي بلاء أعظم من أن يقتل سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسين بن علي بن أبي طالب ظلماً وزوراً وبهتاناً لأنه لم يبايع ليزيد بن معاوية بن أبي سفيان بالرغم من أنه بذل الكثير من العروض والحلول لاتقاء إراقة الدماء، ودفع مثل هذه الواقعة والمصيبة عن الأمة، فقد عرض الرجوع من حيث أتى إلى المدينة المنورة فمنع من ذلك، وعرض التوجه إلى يزيد ليحل الأمر معه ويجنب الأمة الصدام والصراع وإراقة الدماء، ولكن لم يُمَكّن من ذلك بل أرادوا أن يحملوه على أمر فيه ذلة وانكسار ورضوخ للباطل والاستبداد.. ولكن هيهات هيهات للحسين وأمثال الحسين ممن رضع الإيمان والتقوى والشجاعة والشهامة على صدر فاطمة بنت محمد عليها السلام وتربى في بيت الكرم والسؤدد والعزة بيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن يرضى بغير ما يرضاه طلاب الحق، وأهل الحق، وهنا كان لا بد أن يسطر في التاريخ وللتاريخ أن الظلم والعنجهية والاستعلاء والباطل مهما قوي واشتد واستعدى بالجند والخيل والحديد والعدة فإنه لن يقدر على النيل من الحق - وحاشا لابن بنت رسول الله أن يبايع تحت تهديد السلاح - فتصدى رضي الله عنه لجموع ابن زياد من الآلاف المؤلفة ببضع وسبعين رجلاً من آل البيت الكرام العظام الأشراف.

فلما أصبح الصباح من ذلك اليوم، وعزم على المقاتلة التي لا مفر منها مع هؤلاء العتاة الفجرة الظلمة الذين لا يريدون إطفاء نار الفتنة ولا حقن الدماء المسلمة المؤمنة. نظم أصحابه، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً، وأربعون راجلاً، فجعل زهير بن القين في ميمنته، وحبيب بن مظاهر في الميسرة، وأعطى رايته العباس بن علي، وبدأت المعركة سريعة وكانت مبارزة في بداية الأمر، ثم اشتدت المعركة وجوبه جيش عمر بن سعد قائد جيش ابن زياد بمقاومة شديدة من قبل أصحاب الحسين، فقد اتسمت مقاتلتهم بالفدائية، ولم يعد لهم أمل بالحياة، ولم يشترك رضي الله عنه في البداية بالقتال بل كان أصحابه يدافعون عنه، ولما قتل أصحابه لم يجرؤ أحد على منازلته أو محاولة قتله، فكان جيش عمر بن سعد يتدافعون عن ذلك وكل فرد يخشى أن يبوء بقتله، ويتمنون أن يستسلم، يقول عبد الله بن عمار واصفاً حال الحسين في أرض المعركة: رأيت الحسين حين اجتمعوا عليه يحمل على من على يمينه حتى انذعروا عنه، فوالله ما رأيت مكثوراً قط قد قتل أولاده وأصحابه أربط جأشاً منه، ولا أمضى جَناناً منه، والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله. وما زال الوضع كذلك حتى إذا قُتل أكثر من حوله انطلق نحو عدوه يقاتلهم بشجاعة نادرة وعزيمة صادقة وجرأة عجيبة وعندها خشي شمر بن الجوشن من انفلات زمام الأمور، فصاح في الجيش وأمرهم بقتله فحملوا عليه وضربه زرعة بن شريك التميمي، ثم طعنه سنان بن أنس النخعي واحتز رأسه الطاهر الشريف، وقُتل معه في هذا اليوم اثنان وسبعون رجلاً كان منهم سبعة عشر شاباً من آل أبي طالب منهم خمسة من إخوته رحمهم الله تعالى ورضي عنهم، وقتل من عدوه أخزاهم الله ثمان وثمانون رجلاً.

ومما هو جدير بالإشارة إليه أن في استشهاده في هذا المكان من أرض العراق معجزة من معجزاته صلى الله عليه وسلم، حيث أخبر: "أن الحسين سوف يقتل بشط العراق". وهذا مروي في كثير من المصنفات الحديثية منها المصنف لابن أبي شبيبة، والبزار والمسند وغيرها.

وفي معجم الصحابة للبغوي عن أنس قال: استأذن ملك القطر ربه أن يزور النبي صلى الله عليه وسلم فأذن له فجاءه وكان يوم أم سلمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أم سلمة، لا يدخل علينا أحد" فبينما هم على الباب إذ دخل الحسين بن علي طفر فاقتحم، فدخل، فتوثب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يلثمه ويقبله، فقال له الملك: أتحبه؟ قال: "نعم" قال: إن أمتك ستقتله وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه، فأراه فجاء بسهلة أو تراب أحمر، فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها. قال ثابت: كنا نقول إنها كربلاء.

لقد ترك هذا اليوم باستشهاد السيد الحسين بن علي رضي الله عنه جرحاً غائراً، وألماً وحزناً وثلمة فظيعة في الأمة الإسلامية، لم تندمل رغم مرور السنين وتقلب العصور، ولا تزال قلوب المسلمين كل المسلمين تتألم وتحزن وتتعجب كيف تجرأت عصابة فاجرة باغية على سيد شباب أهل الجنة، وريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراقت دمه الطاهر، وأزهقت نفسه الزكية في صراع سياسي ما كان ينبغي له أن يصل إلى ما وصل إليه لولا عصبة من شياطين وأوغاد من شذاذ الآفاق وأراذل القوم أرادوا بعث الفتنة بعد أن وُئِدَت وإذكاء الشر بعد أن كان قد هدأ على يد سيد آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي عليه السلام. الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ابني هذا سيد وعسى الله أن يبقيه حتى يصلح بين فئتين عظيمتين من المسلمين. رواه أحمد والبخاري بنحوه.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا