الأربعاء 7 ربيع الأول 1440 - 14 نوفمبر 2018

الهجرة النبوية....صياغة إنسان وبناء وطـن (2)

الخميس 3 محرم 1440 - 13 سبتمبر 2018 117 حسن أبوغدة
الهجرة النبوية....صياغة إنسان وبناء وطـن (2)

تقدم الحديث عن معنى الهجرة، وسبب اعتمادها مبدأ للتاريخ في الإسلام، وذكرت بعض المعالم في صياغة المسلم وبناء الوطن. وأتابع الحديث الآن عن المعالم الأخرى المستفادة من تلك الهجرة المباركة وهي:

2 ـ استثمار طاقات الشباب والنساء في بناء الأوطان:

حين نراجع وقائع الهجرة في كتب السير نلاحظ أن من بين الذين أسهموا في تنفيذ مخططها شبابا ونساء، وذلك على النحو التالي :

أ ـ إسهام أسماء وعائشة ابنتي أبي بكر في كتمان خبر الهجرة ، فقد ذكرت الروايات التاريخية : أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاء بيت أبي بكر وقت الهاجرة وسط النهار ، في اليوم الذي أذن الله له فيه بالهجرة ، فلما دخل وجلس قال لأبي بكر : أخرج عنا من عندك ، فقال : يارسول الله ، إنما عندي ابنتاي أسماء وعائشة ، فقال له : إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة .

ب ـ أما عبد الله بن أبي بكر الذي وصفته أخته عائشة : بأنه غلام شاب ثَقِف لَقِن ( حسن العقل والفهم والكلام ) فهو الذي تحمل مسؤولية نقل الأخبار للرسول وأبيه في الغار ، حيث كان يختلط بالناس نهارا في الأسواق ويعود إليهما بأخبارهم بعيدا عن عيون الرقباء ، محتاطا لما قد يداهمه من مفاجآت ومخاطر.

ج ـ وأما أسماء فقد شاركت في أحداث الهجرة بكل ما أوتيت من قدرة وذكاء ونباهة ، وأعدت الماء والطعام ولوازم السفر الأخرى في مواعيدها المحددة والمطلوبة منها.

د ـ وحين صفع أبو جهل أسماء على خدها لتخبره عن موضع المهاجرَيْنِ المختفيَيْنِ ، أَبَت أن تخضع له وتعالت أن تضعف أمامه ، وأَصَرَّت على إنكارها أنها لا تدري عن موضعهما شيئا .

ه ـ وأما علي بن أبي طالب ابن العشرين سنة ، فنام ليلة الهجرة في فراش النبي مخاطراً بنفسه للتمويه على قريش ، ثم مضى بعد ثلاث ليال مهاجرا وحده إلى الله ورسوله ، وقد دميت قدماه من أهوال الطريق .

وهكذا ترتسم من خلال هذه الصور والوقائع أهمية الشباب والنساء ودورهم في بناء الأوطان والنهوض بها والمشاركة في تنميتها وتحقيق الخير والعزة لها ، كل بحسب جهده وطاقته ، من غير إخلال بثوابت الأمة وتعاليم دينها وقيمها وفضائلها .

3 ـ التزام الأمانة والنزاهة حال التغيير والبناء:

إن الناظر في تأخر عليٍّ بأمر من النبي لأداء الودائع والأمانات لأصحابها تتجلى له عدة مواقف تسترعي الانتباه منها ما يلي :

أ ـ التناقض العجيب الذي وقع فيه كفار قريش، ففي الوقت الذي كانوا يكذبون محمدا ويرونه ساحرا ومجنونا ومُدَّعيا، لم يكونوا يجدون من حولهم من هو خير منه أمانة وصدقا، ليودعوا عنده حوائجهم وأموالهم التي يخافون عليها إلا منه ...وهذا يدل على إن كفرهم لم يكن بسبب شكِّهم في صدقه، وإنما كان استكبارا واستعلاء على الحق، من إن يخضعوا له، أو يفقدوا زعاماتهم وسلطانهم ومناصبهم الاجتماعية إذا ما انضووا تحت لواء الإسلام.

ب ـ إن تلك الظروف الصعبة التي كانت تعترض النبي قبيل هجرته من تهديد بالقتل ونحوه ، لم تمنعه من أداء الأمانات التي عنده إلى أصحابها ، ولو أنه لم يفعل ذلك لكان معذورا في تلك الظروف ، ولكنَّ الأمانة صفة أصيلة في نفوس المؤمنين فضلا عن الأنبياء ، فإنْ عَذَرَهم الناس في عدم رعايتها في مثل هذه الأحوال والظروف ، فإنهم لا يَعْذِرون أنفسهم .

وبهذا نعلم أن على المسلمين اليوم مراعاة الأمانة والنزاهة والوفاء ونحوها من الصفات والفضائل في جميع تصرفاتهم، في السراء والضراء ، حتى مع من يخالفهم في أفكارهم وطروحاتهم ، لأن تلك القيم من معالم الإسلام الأساسية ، يقول الله تعالى في وصف المؤمنين ومدحهم : ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) المؤمنون/8 .

4 ـ حرص القيادة على الأفراد وتأمين سلامتهم.

من الأمور التي تسترعي الانتباه في حادثة الهجرة تأخر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مغادرة مكة إلى المدينة ، فقد ذكرت الروايات التاريخية : أنه كان يوجه أصحابه ويرشدهم إلى الهجرة قَبْله تِباعا ، وِحدانا وجماعات صغيرة ، حتى لم يبق إلا هو وأبو بكر ـ رفيق هجرته ـ وعليٌّ ـ وكيله في رد الأمانات ـ والمستضعفون الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ...

وهكذا تكون القيادة الناجحة في إدارتها للأمور ، تسعى لتوفير عناصر الأمن والسلامة لأفرادها أوَّلاً ، وتحرص على مصالحهم وراحتهم ، وتؤخر البحث عن مصالحها وراحتها ؛ لأن كل فرد من أفرادها مهم في منظومتها الكلية ، وله مكانته الكريمة في فكرها واهتمامها.

إن كل أمر يقع خلاف هذا التصور والمفهوم يعتبر خطأ جسيما تتحمل القيادة تبعاته وتداعياته ، لأن القيادة في المنظور الإسلامي تكليف وأمانة ومسؤولية ، وليست مغنما أو تحقيقا للمكاسب على حساب الأدنى في الرتبة والمكانة ...

5 ـ وجوب التحلي بالصبر والأناة في تحقيق الصياغة والبناء والتنمية:

الصبر وجه من وجوه الجهاد لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) آل عمران / 200 ومن خلال ما جرى من وقائع في الهجرة يتضح مدى صبر النبي على كيد أعدائه ومؤامراتهم ، وصبره على مشاق الطريق ومخاطره، وخاصة عندما اقترب مطاردوه من فوهة الغار ، حتى لو نظر أحدهم إلى موقع قدمي لأبصره وصاحبه أبا بكر : ( إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) التوبة / 4 .

لقد صبر النبي على كل ذلك وأشد منه ، وكان ذا إرادة صلبة وعزيمة لا تلين ، حتى تمكن من بلوغ غايته ، وتغلب ـ وهو الأعزل ـ على جموع أعدائه ومحاولاتهم المستميتة في الوصول إليه والنيل منه.

وفي ضوء حادثة الهجرة الجليلة هذه ، ينبغي أن نقدِّر ظروف حياتنا المعاصرة وأوضاعها بصبر وأناة ، وندرس ما تتيحه لنا من فرص يمكن إن نغتنمها في بناء وإعداد أنفسنا ، والرقي بأوطاننا نحو المجد والمعالي ، غير مبالين بالصعوبات والمعوقات التي قد تعترض مسيرتنا لتحول بيننا وبين أهدافنا السامية .

6 ـ تبادل التضحية والإيثار في بناء الأوطان:

لا ينكر أن تبادل الحب والإيثار بين أفراد المجتمع من أهم عوامل النجاح في بناء الأوطان وإشادتها ، وذلك مما يقوي العزائم ويشحذ الهمم . 

وإن أَوْلى الناس بهذه المعاني القائدُ مع جنده ، والجنود مع قائدهم ، والرئيس مع مرؤوسيه ، ورب العمل مع عماله ، والأب مع أولاده ...

وقد برزت هذه القيم والمعاني من الحب والتضحية والإيثار والثقة المطلقة في تصرفات أبي بكر ، حيث جنَّد أفراد أسرته ـوهم في شرخ الشباب والصِبا ـ لخدمة النبي ودعوته في هذه المرحلة التأسيسية الخطرة ، فقاموا بالإمداد المعلوماتي والاستخباري والمساندة الغذائية والتموينية كما سبق بيانه .

كما قام عامر بن فهيرة ـ راعي أبي بكر ـ بطمس آثار أقدام عناصر الإمداد المتبقية على الأرض الرملية ، وذلك من خلال السير بالأغنام فوق تلك الآثار .

يضاف إلى هذا : إن أبا بكر أعدَّ نفسه ـ في مواقف عديدة ـ لافتداء النبي إذا ما فاجأه خطْب ، فكان يمشي مرَّة أمامه ومرة خلفه ، وأحيانا عن يمينه وأحيانا عن شماله ، ولم يكن يفعل ذلك إلا حبا بالنبي وافتداء وإيثارا له على ذاته ، مخافة إن يفاجئه أي مكروه ...

وقد بادل النبي حب أبا بكر بحب آخر أكرم وأعزَّ قال فيه كما في روى الترمذي : ( ليس لأحد عندنا يدٌّ إلا كافأناه عليها سوى أبي بكر ، فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة ) ...

هذا ، وقد تقوت تلك المعاني من الحب والتضحية والإيثار بما فعله الأنصار مع المهاجرين وما بذلوه لهم من إكرام وحسن وفادة وترحيب وسكن ومأوى ...استجابة للمؤاخاة التي عقدها النبي بينهم ، حيث تآلفت القلوب وتوحَّدت المشاعر ، وذهبت عن المهاجرين وَحشة الغربة ، وصار الجميع أمة واحدة متعاضدة متماسكة ، زالت معها الفوارق المالية والمباهاة العنصرية والاجتماعية ...

7 ـ دور القيم والفضائل في بناء الإنسان والأوطان:

تبدو أهمية دور القيم والفضائل في نهوض الأفراد وبناء المجتمعات فيما أقدم عليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أول وصوله إلى المدينة مهاجرا ، فقد بادر إلى بناء المسجد واتخاذه معلما من معالم هذا المجتمع الناشئ ، بحيث يستطيع إن ينهل منه كل فرد ، الزادَ الروحي ، والقيم الإنسانية ، والفضائل الاجتماعية ، والطمأنينة النفسية ، والتوجه الرشيد ، والإيمان العميق ، وهكذا يتعانق العلم والإيمان في صياغة الإنسان وبلوغ المجد والرقي بالوطن .

إن مكانة الدين وأثر الفضائل في المجتمع لا ينبغي أن يُتنكَّر لها، فهما أهم مصادر الرقي الروحي والمادي، وإن المسـجد يمثل الرمز الحقيقي لذلك، لأنه مع كونه ساحة للعبادة، يعتبر ميدانا للعلم والمعرفة وموضعا للإرشاد والتوعية.

هذا ، ومع أن الصلاة في الإسلام تجوز على كل أرض ولو لم مبنية ، فقد وجه النبي جهوده إلى بناء المسجد قبل أي عمل آخر ؛ إشارة منه إلى ما في الدين ورموزه من عوامل النهوض بالمجتمع ، وحفزاً لأفراده على بذل الجهد المخلص في العطاء الاجتماعي المطلق من غير تردُّد ولا تلوُّم .

ولئن كان المسجد النبوي بسيطا في بنائه وقتئذ، فإنه كان عظيما في عطائه وأدائه، وكذلك كانت عامة مساجد سلف هذه الأمة، لأن الهدف الأسمى من وراء عمارتها إصلاح النفوس وتقويم السلوك ورعاية الأوطان وإيصال الخير إلى عموم الناس .

8 ـ الهجرة طلب للأمن والحرية:

رَجُل القيم العليا والمبادئ الفاضلة يسير طوعا لها ، ويجد طمأنينته في ظلالها ، ويلقى الرحابة والسعادة بين جنباتها ، أما بقية الناس فينشدون سعادتهم فيما تعلقت به هممهم من متاع الحياة الدنيا وحظوظها ، في ضوء ما ترسب في نفوسهم من عواطف وأفكار .

وفي ضوء هذه المعاني نجد أن المهاجرين لم يتحولوا من مكة إلى المدينة ابتغاء ثراء أو طلبا لرفاهية ، بل إنهم تركوا بلادهم وذويهم وأراضيهم وممتلكاتهم واستقرارهم من أجل شيء آخر هو أسمى وأغنى من كل ما ذكر ، إنه طلب الأمن والحرية ، حرية العقيدة والعبادة والممارسة التي تمكنهم من تعزيز صلتهم بخالقهم ، وتنظيم شؤونهم فيما بينهم وبين غيرهم .

وهكذا نجد أنه لا غنى للإنسان ـ أيا كان ـ عن الاستضاءة بنور الله والتواصل مع هديه ، ومن أجل تحقيق ذلك كانت التضحية بالأنفس والأموال بحثا عن الأمن وممارسة للطاعات وإرضاء لله تعالى .

9 ـ الهجرة الحقة لا تزال مستمرة وهي الأَوْلى:

إذا كانت الهجرة إلى المدينة قد انقضى زمانها لحديث البخاري: ( لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية ) فإن هناك هجرة لا تزال موجودة ومستمرة في حق كل مسلم ومسلمة في كل زمان ومكان .

إنها هجرة باطنة خفية ، يترك فيها كل إنسان نوازع الشر والإثم والعدوان ، ويكف يده ولسانه وقلبه عن الحقد والضغينة وإيذاء الناس في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وأوقاتهم .

إنها هجر ظن السوء، والخيانة، والغدر بالآخرين ، وإثارة الفرقة والعداوة فيما بينهم ، والافتئات عليهم من دون وجه حق .

إنها المحافظة على الأموال العامة والخاصة ، ورعاية حقوق الإنسان الذي أكرمه الله تعالى ، وبذل النصيحة والمعروف في كل زمان ومكان ، والإعانة على الحق والخير ، وفي هذه المعاني ونحوها يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( المسلم من سلم الناس من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) رواه البخاري.

في الختام : 

إن حادثة الهجرة لا تزال فياضة بالعطاء المتجدد، ولقد كانت تغييرا في الموقع لا في الموقف، وهي تمثل قاعدة انطلاق الإسلام وحضارته في العالم، من أجل صياغة الإنسان الراشد والوطن الناهض.

إلا ما أحوجنا ونحن نحاول تجاوز التحديات وتحقيق الطموحات الواعدة أن نتلمس مزيدا من المآثر المختزنة في حادثة الهجرة ، فنعيش المستقبل بآفاقه الرحبة وآماله العريضة. 

الحلقة الأولى هنا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات