الأربعاء 4 ربيع الثاني 1440 - 12 ديسمبر 2018

-4- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الخميس 27 ذو القعدة 1439 - 9 أغسطس 2018 134 مصطفى أبو سيف حمامي
-4- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

قد أبنَّا بما سبق أنَّ الله تعالى عامل أمَّة الإجابة من هذه الأمَّة المحمديَّة بعادته التي أجراها في عباده المؤمنين حينما يخرجون عمَّا حدَّه تعالى لهم من حدود، إذ ضربها -بعد ضربات - هذه الضربة الأليمة الحاضرة التي قد تكون القاضية، ومعذور والله من ييأس من هذه الأمَّة وهو يرى بعينه مبلغ تسلط عدوها عليها وتحكُّمه فيها وإذلاله لها، ومبلغ ذلها وضعفها وخنوعها واستسلامها له، وقد أثبتنا أن السبب في كل هذا إنما هو خروجها على دينها وعصيانها لربها.

قلنا ذلك في إجمال، ووعدنا بتفصيله لتعرف الأمَّة ذنبها ظاهراً واضحاً لا شك فيه أيّ شك، فإذا عرفت ذلك أمكنها. بل سهل عليها بل رأت من الواجب الحتم الإقلاع عن ذلك الذنب الذي كان سبباً فيما هي فيه من عذاب عاجل قبل العذاب الآجل، وإذا كان ذلك رأفَ بها ربها ورحمها ونصرَها على عدوها أو صرفه عنها بأيِّ سبب من الأسباب أو بلا أيّ سبب، فإن قلوب عباده بيده سبحانه يصرِّفها كما يشاء، وقريب جداً أن ينصرها ربها أو يصرف عدوها عنها وإن كان ذلك العدو في غاية القوة وهي في نهاية الضعف، فالله تعالى القائل يخاطب هذه الأمَّة أمة الإجابة: [إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ] {آل عمران:160}، فهذا خبر ينفي في صراحة أن يغلب هذه الأمَّة غالب مهما كانت سطوته وسلطانه، ومهما كان ضعفها وخمولها إن هو تعالى نصرها، وهو تعالى القائل أيضا: [كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ] {البقرة:249} ، وهذه الآية تصرح كل الصراحة بعين ما نقول، وإنا نفي بذلك الوعد المحترم المحبوب قياماً بما وجب على العلماء من البيان، فنقول:

أوجب تعالى علينا أن تكون منا طائفة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ونوَّه تعالى بفضل هؤلاء أيّ تنويه ترغيباً لهم في تلك الدعوة وتمييزاً لهم عن غيرهم ممَّن لم يفعلوا فعلهم، إذ قال عنهم رضي الله عنهم: {وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [ آل عمران: 104]، هذا تعبير يفهم وضعه اللغوي أن هؤلاء الهداة هم وحدهم الفائزون برضاه تعالى وإكرامه، وهي مبالغة معقولة المعنى، فإنه لا يستوي أبداً رجل لا يعمل إلا لكمال نفسه برجل لا يقف عند حد كماله، ولكنه يكد ويكدح مجاهداً في تكميل غيره أيضا، وكذلك لا يرضى عقل أن يسوي بين رجل يرى من يعصي ر به فلا تتحرك منه شعرة، ورجل إذا رأى ذلك قام به من الغيرة على ربه ودينه ما يجعله يعمل كل ما يمكنه للقضاء على معصية مولاه، ولأنَّ العاصي لا يستطيع أن يتمادى على عصيانه بل ولا أن يتقدم إلى معصية وهو يرى هذا ينكر عليه، وذاك ينكر عليه في زراية عليه واشمئزاز مما يفعل، هو لا يقوى على الإقامة بين الناس وهم ينظرون إليه بعين المقت والبغض في الله، لأنهم لا ينظرون إليه تلك النظرة ويكون بينهم وبينه موالاة وحسن تعامل، ومن يستطيع أن يعيش بين أمة وهذا حالها معه؟

إذن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حياة الفضيلة وموت الرذيلة، وذلك هو سعادة الدنيا والآخرة لا للآمرين الناهين فقط، بل وللمأمورين والمنهيين أيضا، هذا نتيجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أما إذا تساهل الناس في هذا الفرض – وهو المحافظ على جميع الفرائض - فإن النفوس الخبيثة تجد منفذاً ومنافذ تنفذ منها إلى ما تشتهي من خبائث، وترى موقع ذلك سهلاً على الناس فتندفع إلى كل ما يحلو لها مهما كان عريقاً في باب الرذيلة آمنة من تغير وجه أو انقباض قلب لما تفعل، وإذن تنتعش الرذيلة وتشتد وتزداد، لأن أهل الجهر بالفاحشة يكونون قدوة سيئة لغيرهم، والنفوس من طبيعتها التقليد والحكاية لما ترى خصوصاً إذا كان هذا الذي تراه لذة وانطلاقاً، وإذا كثر جيش الرذيلة في قوة قلَّ جيش الفضيلة في ضعف، ولا تستبعد إذن أن يبيد جيشُ الرذيلة جيشَ الفضيلة أو يجعله في حكم المباد، وذلك بأن لا يرى الوجود أثرًا له، وإن كان لا يزال على قيد الحياة منه أفراد، وإذا كان هذا غَضِب الله تعالى وبَطَش في الدنيا قبل الآخرة، ولا ينجو من هذا البطش وذاك الغضب إلا من كان في جانب دينه يتألم له ويغضب على مخالفيه آمراً لهم وناهياً مهما ناله في سبيل ذلك من إيذاء: علَّمنا ربنا ذلك بقوله: [فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ] {الأعراف:165}.

وإني أرجو أن لا نشك في أن المحن والبلايا التي تنزل بنا من يومٍ لآخر هي من ذلك البطش، وإن شئت فاقرأ قوله تعالى :[وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ] {الشُّورى:30}.

إذن عاقبة التساهل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شقاء الدنيا بما ينزل بالناس من آلام لمعاصيهم التي يقترفونها آمنين من زجر عليها وملام، وشقاء الآخرة بما أعدّ ربنا للعصاة من عذاب.

وإني أقتصر اليوم على هذا القرار تخفيفاً على القارئ، وفي الموضوع بقية تكون في مقال آخر إن شاء مولانا وخالقنا، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

من كتاب النهضة الإصلاحية للأسرة المسلمة

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا