الأحد 12 صفر 1440 - 21 أكتوبر 2018

الدعاء: ثنائية الطلب والرضا

الثلاثاء 25 ذو القعدة 1439 - 7 أغسطس 2018 95 مجاهد مأمون ديرانيّة
الدعاء: ثنائية الطلب والرضا

-1-

ليس كل دعاء يدعوه الناس يُستجاب، لا يمكن، ولو أن كل دعاء لكل محتاج أجيب لما بقي في الدنيا مرض ولا فقر ولا بلاء، لأن كل مريض يدعو الله بالشفاء وكل فقير يدعوه بالغنى وكل مبتلى يدعوه بالعافية، فإذا ارتفع ذلك كله من الأرض غدت الدنيا قطعة من الجنة. لكن هذا لا يمكن أن يتحقق لأنه يخالف أصلاً من الأصول التي بُنيت الدنيا عليها، هو أنها دار ابتلاء وشقاء: {لقد خلقنا الإنسان في كبَد}، {ولنَبلُوَنّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفُسِ والثمرات}.

ولو أن كل دعاء لكل داعٍ أجيب لما بقي في الدنيا شر ولصارت كلها خيراً محضاً، لأن الأخيار يَدْعون على الأشرار فيُستجاب دعاؤهم فيأخذهم الله ويريح منهم العباد، لكن هذا لا يمكن أن يتحقق لأنه يخالف أصلاً آخر من الأصول التي بُنيت الدنيا عليها، هو أنها دار خير وشر: {ونبلوكم بالشرّ والخير}، {وكذلك فَتَنّا بعضَهم ببعض}، {قال اهبطا منها جميعاً، بعضكم لبعض عدو}.

باختصار: لو أن كل الأدعية أُجيبت لما بقيت الدنيا هي الدنيا التي أرادها الله، ولصارت قطعة من جنّة الآخرة، وهذا لا يكون، فلا بد أن تستجاب أدعيةٌ للناس وتُترك أدعية أخرى غيرها بلا جواب، على الأقل ليس في هذه الدنيا الفانية وليس بالصورة التي دعا بها الداعون.

-2-

إن الدعاء في حقيقته هو علاقة الأدنى بالأعلى وطلبُ الضعيف من القوي، ولو شئنا أن نفهم هذه العلاقة على حقيقتها فلنتصور علاقة الأطفال الضعفاء العاجزين بالوالدِين الأقوياء القادرين، ولله المثل الأعلى.

إن الأم والأب يَقبلان من ابنهما كل طلب، بل إنهما يحبان أن يطلب منهما ما شاء، لأن في طلبه منهما وحاجته إليهما تعزيزاً لمشاعر الأبوّة والأمومة الجميلة. وعوالم الصغار محدودة بسيطة ومطالبهم متواضعة صغيرة مثلهم، فربما كانت أعظم أمانيّ الطفل أن تعطيه أمه بعض السكاكر والحلويات عدة مرات كل يوم وأن يشتري له أبوه لعبة صغيرة رخيصة مرة كل بضعة أيام.

هذه الطلبات الضئيلة يستطيع تلبيتَها معظمُ الوالدِين ولا تشكل عبئاً حقيقياً عليهم، ولكن الأب والأم يكونان دائماً انتقائيَّين في إجابة مطالب الصغير، فربما أجاباه مرة وردّاه مرتين، وهما يتوقعان الشكرَ والتقدير مع الإجابة، والقناعةَ والرضا مع الإعراض، ولا يتخيلان أن يغضب الطفل ويتسخّط لو لم يجيباه مرة وقد أجاباه قبلها مرات، لا سيما وأن لهما في ترك الإجابة تقديراً هو في صالح الطفل قطعاً، لأنهما يحبانه أكثر من حبهما لنفسَيهما ويقدمان رضاه على رضاهما لو استطاعا، غريزةً غرزَها الله فيهما ليست لهما فيها يد ولا يملكان لها رداً.

-3-

إن الأب الذي يحب طفله يودّ لو فرّحه بإجابة كل طلب ولم يحرمه من شيء تمناه، ولكنه يغالب نفسه (لو كان أباً عاقلاً حكيماً) فيمنح الطفل بعضَ ما يطلبه ويحرمه من أكثره، ثم لا يقول أحدٌ إنه أب ظالم أو مُقَتّر، بل يقولون إنه مُرَبٍّ حاذقٌ وأب حنون.

أرأيتم إلى أبَوَي الطفل الصغير كيف يفرحهما طلب الصغير منهما ويشعرهما بمشاعر الأبوّة والأمومة الجميلة؟ كذلك (ولله المثل الأعلى) يحب الرب القوي القدير اللطيف من عبده الضعيف أن يدعوه في كل حال، ولذلك كان الدعاء عبادة من أشرف العبادات. أرأيتم كيف أجاب الأبوان بعض مطالب الصغير وأعرضا عن كثير منها فلم يستجيبا له؟ كذلك (ولله المثل الأعلى) يجيب الرب الكريم الرحيم الحكيم بعض أدعيتنا ويترك كثيراً منها بلا جواب.

أرأيتم كيف يكبر الطفل ويعقل فيدرك -وقد ترك عالم الطفولة وانتقل إلى دنيا الراشدين- أن أبوَيه ما منحاه ولا منعاه إلا محبةً به وشفقة عليه، ويدرك الحكمة فيما بدا له ذات يوم أقربَ إلى العقوبة والحرمان؟ كذلك سندرك نحن -إذا انكشف الغطاء وانتقلنا من دار الفناء إلى دار البقاء- أن ما اختاره الله لنا كان خيراً مما اخترناه لأنفسنا، وأنه ما منع ولا منح إلا محبة بنا وحرصاً علينا. سندرك ذلك ذات يوم، فهلاّ أدركناه اليوم لنكون من الراضين والشاكرين؟

-4-

إن الأب يعطي ويمنع ولا يقبل من طفله الصغير في الحالتين إلا الرضا، وإنه ليؤلمه أن يستخّط الطفل إذا حُرم في وقت من الأوقات وينسى الأعطيات الكثيرات في سائر الأوقات. إنه يحب أن يطلب منه طفله الحبيب ما شاء في كل آن، ولكنه يشترط -ضمناً- أن يرضى الطفل باختياره الحكيم، أن يرضى إذا حُرِم ويرضى إذا أجيب.

ليس طفلاً صالحاً مَن علّق محبته لوالديه بإجابة طلباته، وليس عبداً صالحاً مَن صنع مثل ذلك مع الله. فاطلب ما شئت من الله وادعُه في كل حين وحال، ولكن جهّزْ من نفسك -قبل أن ترفع يديك إلى السماء بالدعاء- قلباً شاكراً ونفساً راضية. تذكر أن الدعاء "طلبٌ ورضا"، طلب ترفعه إلى الخالق ورضا بما يختاره لك، ليس رضا مشروطاً بالإجابة، بل رضا كاملاً في كل حال.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا