الذوق في حياتنا مختصر في الآية:

الأربعاء 10 ذو الحجة 1439 - 22 أغسطس 2018

الذوق في حياتنا مختصر في الآية:

الاثنين 24 ذو القعدة 1439 - 6 أغسطس 2018 124 حسن أبو غدة
الذوق في حياتنا مختصر في الآية:

الذوق واللباقة سجايا نبوية:

لا يخالج المسلم أدنى شك في أن النبيَّ ــ صلى الله عليه وسلم ــ هو صاحب الشخصية الكاملة والقدوة المثلى للعالمين، في ذوقه ورفقه ولطفه ولباقته وتحبّبه للآخرين ، ويكفيه في هذا شهادة الله تعالى إذ يقول له: ( وإنك لعلى خلق عظيم ) [سورة القلم : 4] .

وإن من يتاح له الاطلاع على سيرته وتوجيهاته وإرشاداته ليندهش عجباً ورضاً من كثرة ما أثر عنه في ضرورة مراعاة الذوق واللباقة واللطف في التعامل مع الناس ، وذلك نظراً لأهميتها في تحقيق مزيد من المودة والألفة وتقوية الروابط الاجتماعية ، فضلاً عن كونها وسائل وأدوات خيّرة لإيصال دعوة الاسلام وأحكامه وفضائله إلى قلوب الناس، بعيداً عن الإحراج والفظاظة وتجاهل أحاسيس الآخرين .

أهداف متكاملة في تكوين الذوق عند المسلم:

إن الهدف الأسمى من هذه التوجيهات القرآنية والنبوية ، بناء وتكوين الشخصية المسلمة المتكاملة والمتميزة ، في تعاملها على الصعيد الشخصي والصعيد الأسري والصعيد الاجتماعي والإنساني وذلك من خلال ما يلي :

أولاً: الدعوة إلى ممارسة الذوق واللطف على الصعيد الشخصي :

دعا الإسلام إلى مراعاة الذوق والاهتمام به في كثير من القضايا والامور الشخصية التي تتصل بالإنسان ذاته ومن هذه المواقف ما يلي:

1ــ الاهتمام بالهندام وحسن المظهر : روى ابن سعد أن رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا قدم الوفد ــ أي قدم أناس غرباء لزيارته ــ لبس أحسن ثيابه ، وأمر عِلْيَة أصحابه بذلك .

وروى الإمام أحمد والنسائي عن جابر بن عبد الله قال: أتانا رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ زائراً ، فرأى رجلاً عليه ثياب وسخة فقال : أما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه ؟

2ــ الرفق بالنفس ولو في أداء العبادة : شرع الإسلام العبادة لتقويم السلوك والارتقاء بالنفس في معارج الكمال ، لتفيض بالخير والبر على من حولها ، ولا شك أن العبادة الموصلة لهذا الهدف ينبغي أن تتوافق مع متطلبات الإسلام ومنهجه وتشريعه الذي لا يخرج عن الفطرة الإنسانية السديدة ، أما حينما تشذّ العبادة عن هذا المنهج فهي تخرج بصاحبها عن الغاية المتوخاّة.

ومن هنا دعا الإسلام الرفق بالنفس وتجنّب إجهادها أو تحميلها ما لا تطيق ، ولو بقصد تطويعها وتذليلها ، كما دعا إلى تجنّب الشدة والخشونة معها ، أو حملها على غير الفطرة المعتدلة الموزونة .

روى البخاري عن ابن عباس قال: بينما النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس ، فسأل عنه فقالوا : أبو اسرائيل ، نذر أن يقوم في الشمس ، ولا يقعد ، ولا يستظل ، ولا يتكلم ، ويصوم ، فقال النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ : ( مروه فليتكلّم وليستظل وليقعد ، وليتمَّ صومه ) ، وكان الوقوف في الشمس والتزام الصمت من نسك الجاهلية ، فنهاهم الإسلام عن هذا لما فيه من غلظة وفظاظة في معاملة الإنسان لذاته والتشديد عليها وتعذيبها .

بل إنَّ الإسلام أرشدنا إلى تحرّي المعافاة من البلاء وتجنيب النفس شر الدعاء عليها بالسوء ، وحثَّ على إكرامها ونهى عن احتقار الإنسان لنفسه ، وذلك من أجل أن تصاغ صياغة كريمة أبيّة ، تسعى في الخير وتحقق الفلاح والرفعة لها ولغيرها.

روى ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك قال : دخل رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ على رجل كأنه فرخ منتوف من الجهد ، فقال له : هل كنت تدعو الله بشيء ؟ قال: كنت أقول : اللهم ما كنتَ معاقبي به في الآخرة فعجّله لي في الدنيا ، فقال له النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ ألا قلت : ( اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الأخرة حسنة وقنا عذاب النار ).

أو ليس في هذا توجيه نبوي لكل إنسان أن يكرم ذاته ويحترمها ، ويرفع من مقام نفسه عن الفظاظة والشدّة والخشونة ؟ وهل هذا إلا معنى كريم من معاني اللطف والذوق في تعامل الإنسان مع نفسه على الصعيد الشخصي ؟

ثانياً: الدعوة إلى ممارسة الذوق واللباقة على الصعيد الأسري :

أهلُ الإنسان وأقرباؤه أحق الناس بمظاهر اللطف والإحسان ، وأولاهم بالرعاية والاحترام والمجاملة الكريمة ، ومن هذا المنطق الفطري أرشد القرآن الكريم والسنة النبوية المسلم إلى ما ينبغي فعله مع أهله وأقربائه من ملاطفة وتودّد ورقّة وبشاشة وحسن معاملة ، وبذلك تزداد الأسرة ترابطاَ وقوة وحباً وإلفة وتقديراً . ومن المواقف والمناسبات التي تتجلى فيها هذه المعاني ما يلي :

1ــ احترام الوالدين وبرّهما ورعاية مشاعرهما : وفي هذا يقول الله تعالى : ( وَقَضَى? رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا . إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ) [الإسراء: 23 ] وقد عبّر الله تعالى أولاَ بلفظ الإحسان المطلق ليلفت الأنظار إلى وجوب فعل كل أمر حسن فيه معنى اللطف والذوق واللباقة المحببة.

وليس من الذوق في التعامل مع الوالدين مناداتهما باسميهما المجرّدين بعيداً عن التقدير والاحترام أو رفع الصوت بحضورهما ، أو الأكل والشرب قبلهما ، أو وضع الرِّجل على الرِّجل حال الجلوس أمامهما .

2ــ مجاملة الأبناء والتلطّف معهم : روى الشيخان أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ كان إذا رأى ابنته فاطمة قد أقبلت رحَب بها وقال : مرحبا بابنتي ، ثم قام إليها فقبّلها ، ثم أخذ بيدها فجاء بها حتى يجلسها في مكانه ، أو على يمينه أو على شماله .

ولعل في هذا السلوك النبوي ــ الذي يدل على إحساس مرهف وذوق رفيع ــ درساً بليغاً للذين يحرصون على التعامل مع أصحابهم وجيرانهم وزملائهم بمنتهى اللباقة والرقة والذوق والمجاملة ، ويهملون ذلك في تعاملهم وصلاتهم بأهلهم وأقربائهم وأفراد أسرتهم .

3ــ مجاملة الزوجة بلطيف الكلام وجميل الألفاظ : روى ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ كسا بعض نسائه ثوباً واسعاً وقال لها مداعباً: ( اِلْبِسية واحْمدي الله، وجُرّي من ذيلك هذا كذيل العروس ). وفي هذا الموقف النبوي دعوة إلى مراعاة مشاعر ومناسبات وأفراح أفراد الأسرة ، بل الآخرين من الناس والتعامل معهم بشفافية وذوق ومجاملة كريمة .

ثالثاً: الدعوة إلى ممارسة الذوق واللباقة على الصعيد الاجتماعي والإنساني:

ميادين الصلات الاجتماعية متعدّدة ، وآفاقها ومجالتها رحبة واسعة ، وقد أولاها الإسلام اهتمامه ورعايته وشرع لها أصولاً وآداباً في السلوك والعلاقات ، وأحاطها بسياج من اللباقة والذوق الرفيع ، واللطف والرقة والشفافية ، وممَّا جاء في هذا المجال ما يلي :

1ــ البشاشة في وجوه الآخرين: روى البخاري عن جرير بن عبد الله البَجَلي قال : ما حجبني النبي ـ صلي الله عليه وسلم ــ أي من دخولي على مجلسه ــ منذ أسلمت ، ولا رآني إلا تبسَّم في وجهي .

ولا يخفى ما في البشاشة عند اللقاء من دلالة على حس مرهف وذوق رفيع وتبادل للمشاعر الكريمة ، وحب وتآلف وتقارب روحي ونفسي ، ولأجل ذلك جاء في الحديث الذي رواه مسلم : ( لا تحقرنّ من المعروف شيئاً ، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق ). 

وفي حديث آخر رواه البزّار والطبراني : ( وتبسُّمك في وجه أخيك يكتب لك به صدقة ). 

2ـ إنزال الناس منازلهم: وهذا خلق كريم وذوق رفيع يدل على بعد النظر صاحبه ومعرفته بفضائل الناس ومنازلهم ، وسابقتهم في بذل الخير ونفع الآخرين ، وهو مبدأ عظيم ومهم جداً في حياة الاجتماعية ، روى أبوداوود والحاكم وصححه عن عائشة ــ رضي الله عنها ــ أمرنا رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ أن ننزل الناس منازلهم .

3ـ الاستئذان حال دخول على الآخرين: دعا الإسلام إلى الاستئذان قبل الدخول على الآخرين مراعاة لخصوصياتهم ولئلا يفاجئوا بالداخلين عليهم فيطّلعوا منهم على ما يكرهون ، وأمر بتجنّب الوقوف أمام فتحة الباب حال الاسئذان ، وحثّ على كل تصرف فيه معنى الذوق واللباقة واللطف، قال الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ). ثم قال : ( فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) سورة النور : 27 ــــــ 28 .

ورى البخاري أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ كان إذا أتى باب قوم لا يستقبل الباب من تلقاء وحهه ، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر.

4ــ عدم تناجي الاثنين دون الثالث : وذلك رعاية لمشاعره ، ولئلا يظن أنه غير مؤتمن على السرّ ، أو أنه هوَ موضوع الحديث أو أنه أدنى من أن الحديث بهذا السر ، روى الشيخان أن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ ( إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث حتى تحتلطوا بالناس ، من أجل أن ذلك يحزنه ). 

أو ليس في هذا التوجيه النبوي دعوة إلى تحرّي اللباقة والذوق والبعد عن المساس بمشاعر الآخرين و إحراجهم أو إيذائهم ؟.

5ــ الامتناع عن ذم الطعام أو انتقاصه : وخاصة في حضور الآخرين الذين ربما كانوا يحبونه ويفضّلونه على غيره، وتقدّم حديث في هذا المعنى . وقل مثل ذلك في غير الطعام من شراب ولباس و أثاث و ألوان و أدوات..

6ــ دعوة الإسلام إلى التجمُّل بأحسن الثياب: وهذا يشمل مراعاة تناسق الألوان والاهتمام بالهندام وحسن المظهر ، وخاصة حال الالتقاء بالآخرين ، وفي المناسبات الدنيوية والدينية كأيام الأعياد والأفراح وفي صلاة الجمعة .

روى أبو داوود عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ــ قال : ( ما على أحدكم إن وجد أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته ).

وفي حديث رواه أحمد ومسلم : ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كِبْر ، فقال رجل : يا رسول الله ، إنه يعجبني أن يكون ثوبي غسيلاً ، ورأسي دهيناً ، وشِراك نعلي جديداً ، وذكر أشياء حتى ذكر علاقة سوطه ..... فمن الكِبْر ذلك يا رسول الله ؟ قال : لا ، ذلك جمال ، إن الله جميل يحب الجمال ، ولكن الكبْر سَفَه الحق وازدراء الناس ).

7ــ مراعاة أعراف الناس واحترام عاداتهم ومناسباتهم وتقدير مشاعرهم : وذلك ما لم تخالف النصوص الشرعية وتعاليم الإسلام ، ويدلك على هذا مراعاة النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ لعادات الروم في المراسلات ، روى البخاري عن أنس بن مالك قال : ( لما أراد النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ أن يكتب إلى الروم، فقيل له : إنهم لن يقرؤوا كتابتك إذا لم يكن مختوماً ، فاتَّخذ خاتَماً من فضة ، ونقشه : محمد رسول الله ).

8ــ صور ومواقف أخرى ذوقية دعا إليها الإسلام:

من هذه الأمور: مناداة الناس بأحب الأسماء إليهم ، وتفقّد الأقرباء والأصحاب، وتهنئتهم بالأفراح والمسرّات ومواساتهم في المصائب والنكبات ، والسؤال عن أحوالهم وخاصة عند اللقاء بهم ، والاطمئنان عنهم وعن ذويهم ، وعرض مساعدتهم إن انتابهم مكروه أو نزلت بهم شدّة ....

ومنها: دعوة الإسلام إلى شكر من أحسن إليك ، أو أسدى إليك معروفاً ، ودعوته إلى المصافحة عند اللقاء ، وتشميت العاطس إذا حمد الله تعالى .

ومن ذلك أيضاً: أمر الإسلام بأن يأكل كل إنسان مما يليه ، ونهيه عن النفح في الإناء أو التنفس فيه وخاصة حال الأكل أو الشرب ، ونهيه عن تلويث الماء الراكد ومجامع الناس ومرافقهم من طرقات و أشجار وحدائق ومواقف سيارات وحافلات . 

هذا ، وإن خير ما يجمع ذلك قوله تعالى: ( إن الله يامر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ) [سورة النحل : 90 ]. والإحسان : التعامل مع الناس بما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأفعال وإسداء الخير والمعروف إليهم. أما الفحشاء والمنكر والبغي فهو عكس ذلك ، ويظهر هذا في الحديث الذي رواه الترمذي: ( ليس المؤمن بالطّعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء ).

الخاتمــة :

وهكذا يتضح مدى حرص الإسلام على تكوين وصياغة البناء الذاتي الداخلي الإيجابي في كل فرد ، وحرصه على الارتقاء بأسلوب التعامل الإنساني بين أفراد المجتمع ، وذلك من خلال توجيهاته الواضحة في المجالات الشخصية والأسرية والاجتماعية التي أقامها على ضرورة مراعاة التعامل بلطافه ولطف وذوق ، وصدق رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ حيث يقول : ( إنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق) رواه مالك و أحمد وغيرهما .

ولا شك في أن الإحساس المبكر بمشاعر الآخرين ، والحرص على تجنّب إزعاجهم أو إحراجهم أو الإثقال عليهم، هي من تلك المكارم ، وهي أيضاً من الذوق واللباقة والشفافية التي أمر بها الإسلام .

الحلقة الأولى هــنا 

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا