الأحد 12 صفر 1440 - 21 أكتوبر 2018

الحياة موقف

الخميس 6 ذو القعدة 1439 - 19 يوليو 2018 87 محمد سعيد بكر
الحياة موقف

- عندما يكثر الكلام والتنظير، ويتصاعد غثاء المفردات والنبرات، ويتنافس كثير من أصحاب المنابر كلٌّ بلفت الأنظار إلى منبره، بصرف النظر عن صدق طويته ومخبره .. عندئذ فحسب تغدو الحاجة ملحة إلى أعمال ومواقف تترجم تلك الكلمات المشرعات.

- ‏ لا يمكننا التقليل من شأن الكلام في سوق المواقف والأعمال .. فالكلمة الجريئة بحد ذاتها موقف، لاسيما وأننا صرنا إلى زمان عزّت فيها الكلمات الجريئة، وصارت العباءات واللحى تتوارى خلف أستار التلميح البعيد، أو تنحدر في هاوية السكوت عن الحق، وقد تستقر في الدرك الأسفل من منازل النطق بالباطل.

- ‏ لا يحتاج الإنسان في أي زمان لإثبات مكنونات صدره والتعبير عما يؤمن به من خير أو شر، ومن حق أو باطل إلى أكثر من موقف، في لحظة متوقعة بالنسبة له أو غير متوقعة، وبشكل عفوي أو مخطَّط له.

- ‏ المواقف عبارة عن فرص قد تأتي ولا تتكرر، وقد تنبثق من رحم التحديات، فإذا تم استثمار الموقف بشكل جيد؛ فإن صاحبه يكون قد تفوق على نفسه أولاً ثم على مجتمعه، وترك بصمة مميزة ترفعه عند الله تعالى إن وافقها الإخلاص في نفسه، وعند الناس الذين وجدوا من يترجم بالفعل ما وقر في نفوسهم ونطقت به ألسنتهم.

- ‏ كم تبوأ منا رجال ونساء مناصب متنوعة في أهميتها، وكم أتيح لنا كلنا ترك بصمات في العديد من الجلسات والمجالات، وكم مررنا بالمجد ومرّ المجد بنا، دون أن نصافحه أو يصافحنا .. ولكن يبدو أن المواقف الرائعة التي رأيناها وسمعنا بها، وبقينا نتغنى بها في التاريخ القديم أو الواقع المعاصر؛ كلها عبارة عن أرزاق وهبات أحسن أصحابها استثمارها فارتفعوا بها.

- ‏ كلفة الموقف هي التي تجعل الناس يترددون في إثباته لأنفسهم .. ومعظمنا يؤثر السلامة، ولو أن يقيننا بأنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها يقين صادق وفاعل؛ لأحرزنا لأنفسنا في حياتنا القصيرة بدل الموقف المشرف مواقف .. ولكن هيهات لجبان النفس مهزوز الروح مخلوع القلب أن يكون صاحب موقف.

- ‏ مثلما قيل بأن (الحياة موقف) ، فإنني أقول بأن: (الموقف حياة) .. كيف لا، وموقف عز وشرف وعلو وشموخ نذكره أو نصنعه يحيي فينا تلك القيم التي حين تعطلت وجد الفجار فرصتهم لحصار الأطهار وسلب ونهب الدار. 

- ‏ في التاريخ مواقف رفعت أصحابها بعد أن حققت مرادها وأهدافها في تمكين الحق وتبكيت الباطل، ومن تلك المواقف:

1. موقف مؤمن آل فرعون الذي خرج عن صمته وواجه فرعون وقومه بعبارات فيها النذير والتبشير (فوقاه الله سيئات ما مكروا ..).

2. موقف زوجة فرعون التي خلعت حياة المتاع المغشوش ولبست ثوب الإيمان وطلبت من ربها العوض والنجاة (رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني ..).

3. موقف سحرة فرعون الذين لامس الإيمان قلوبهم في لحظة حرجة، قلبت الطاولة على رأس الطاغية ولم يأبهوا لتهديده حين قالوا (فاقض ما أنت قاض ..).

4. موقف مؤمن آل ياسين الذي جاء من أقصى المدينة ساعيا في هداية قوم لم ينتفعوا بدعوة ثلاثة أنبياء قبله، فـ(قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون ..).

5. موقف غلام الأخدود، وقد أعلن التوحيد بدمه المجيد (والله على كل شيء شهيد). 

6. موقف أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وقد ثبّتت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وأحسنت إدارة الموقف الملتبس أول البعثة .. كلا والله لن يخزيها الله أبدا .. فقد واست حبيبنا بنفسها ومالها. 

7. موقف أنس بن النضر رضي الله عنه حين أقبل يوم أحد، وقد أدبر الناس، فاعتذر إلى الله تعالى عن أصحابه، ولعل فيه نزل قول الله (من المؤمنين رجال صدقوا ..). 

8. موقف سلمان الفارسي رضي الله عنه حين أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بحفر خندق حمى المدينة لحين هبوب رياح ربانية عاتية خلعت قلوب الأحزاب قبل خيامهم. 

9. موقف أبي بكر الصديق رضي الله، وقد صدّق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حين كذبه الخبثاء، لاسيما بعد رحلة الإسراء. 

10. موقف الإمام أحمد بن حنبل وقد ثبت في فتنة القول بخلق القرآن فحفظ عقيدة الأمة من فكرة أرادت تجميد كتاب الله طالما أنه مخلوق، إلى حقيقة استمرارية فاعليته طالما أنه صفة من صفات الله الأزلية الباقية. 

11. موقف سلطان العلماء العز بن عبد السلام، وقد باع ملوك زمانه ثم اشتراهم وأعتقهم ليكونوا أهلاً للزعامة. 

12. موقف شيخ الإسلام ابن تيمية وقد تجدد حبسه سبع مرات نتيجة إصراره على حق خالف فيه سلاطين زمانه. 

13. مواقف رجال قاموا إلى سلاطين الجور في كل زمان فأمروهم بمعروف ونهوهم عن منكر، فنكلوا بهم حتى جعلوهم سادة إلى جوار سيد الشهداء حمزة رضي الله عنه. 

14. موقف رجل صفع زعيم أكبر دولة في العالم بحذائه، وامرأة عكرت صفو لصوص جبناء يخطبون الناس في قيمة الأمانة والشجاعة. 

15. موقف أسير تحدى سجانه حين تمرد عليه وأضرب، وموقف شهيد أرغم أنف قاتله بدمه حين انسكب، وموقف عالِم أعذر إلى الله تعالى فيما قال أو كتب. 

- حقاً إن حياتنا موقف .. فإما أن نرتفع به ونرقى (فرفعناه بها)، وإما أن نهبط به وننزل (فتزلّ قدم بعد ثبوتها). 

- ‏وما أجمل ما قاله الشاعر وهو يعبر عن دقائق العمر الغالية واستثمارها بالمواقف الشريفة العالية:

دقات قلب المرء قائلة له=إن الحياة دقائق وثواني

فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها=فالذكر للإنسان عُمرٌ ثاني

- ما أحوج الأمة اليوم إلى من يجدد لها أمر دينها؛ لا بمجرد كلمات تقال على المنابر فحسب .. بل بأفعال تترجم تلك المقالات والخطابات .. فموقف يجدد قيمة الشجاعة، وآخر يجدد قيمة الأمانة، وثالث يجدد قيمة التعفف عن الحرام، ورابع يجدد قيمة الانتماء الصادق للوطن والأمة، وخامس يجدد قيمة الاحترام لذوي الفضل والمكانة .. وسادس وسابع. 

- ‏والموقف الصادق لا يُفتعل لجلب الأنظار أو البروز والاشتهار .. وإنما يصدر عن صاحب همٍّ دفعه التحرق إلى التحرك، فأدى ما عليه، وقد آمن بأنه قد يسع الفرد ما لا يسع الجماعة، وأن صاحب الهمة يُحيي أمة. 

- ‏ لابد من بناء جيل يؤمن بقيمة المواقف الإيجابية في التذكير وصناعة التغيير .. حتى لو كانت تلك المواقف بسيطة أو عابرة .. فرب موقف صادق عابر ينفخ فيه الله الروح فتهتز له الكرة الأرضية كلها .. وهل كان فتية الكهف الذين أخذوا موقف التمسك بالإيمان يعلمون بأن حكايتهم ستكون سورة في القرآن؟. 

وختاماً: فإن المواقف شوافع وروافع .. شوافع لأصحابها تكفر خطاياهم .. وروافع ترفع عند الخالق والمخلوق درجاتهم .. ولكن ليس قبل دفع الكلفة والثمن، وقديماً قالوا: لن يبلغ المفاخر من رضي بالصف الآخِر .. والتاريخ لا يرحم أصحاب المواقف المخزية، ممن كانوا جسر عبور؛ يحملون الأعداء على أكتافهم بثمن بخس، ويسهلون مهماتهم القبيحة في الوطن والأمة .. فلا يذكر هؤلاء إن ذُكر الرجال كأمثال القبيح أبي رغال.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا