لا تُغرقوا سفنَكم ؛ فليس بينها سفينةُ نوح ..!

الاثنين 8 ذو الحجة 1439 - 20 أغسطس 2018

لا تُغرقوا سفنَكم ؛ فليس بينها سفينةُ نوح ..!

الثلاثاء 5 شوال 1439 - 19 يونيو 2018 169 عبد الله عيسى السلامة
لا تُغرقوا سفنَكم ؛ فليس بينها سفينةُ نوح ..!

سفينة نوح ، كانت وسيلة النجاة ، من الغرق : له ، ولمن آمن به ، وللمخلوقات التي وضعها فيها ، بأمر ربّه : ( من كلٍّ زوجين اثنين ) !

لم يكن فيها، إلاّ الصالحون ، الذين صدّقوا نوحاً، واتبعوه ! حتى ابنه ، حين دعاه ، للركوب ، أبى ، قائلاً : (سآوي إلى جبلٍ يَعصمني من الماء) .. فغرق ، مع الغرقى ، وكان من الهالكين !

إن سنة الله ، في الأمم السابقة ، هي : الفصلُ ، بين المؤمنين والكافرين.. ثمّ يُنجي الله المؤمنين ، ويهلك الكافرين ! ولكل قوم ، طريقة في الإهلاك: منهم مَن هَلك بالصيحة .. ومنهم مَن هَلك بالريح الصرصر العاتية .. ومنهم مَن غرق في البحر.. ومنهم مَن قُلبت عليه الأرض ، عاليها سافلها..!

أمّا سفينة مجتمعنا ، اليوم – ولكل مجتمع سفينة - فالأمر فيها مختلف : ليس فيها فصل ، بين المؤمنين والكفرة .. ولا بين الأبرار والفجّار.. ولا بين النبلاء والأنذال! الجميع في سفينة واحدة ، وأيّ خرق ، للسفينة ، يؤدّي ، إلى هلاك كل من فيها! والخرق - في الحديث النبويّ- واضح ، هو: الوقوع في حدود الله ، أيْ : انتهاك منظومة القيم والإخلاق ، والقوانين والأحكام ، التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي !

((مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ، فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذين في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا؟ فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا))

رواه البخاري عن النعمان بن بشير

(ومن الطريف واللطيف ، هنا، أن الخرق ، جاء بحسن نيّة ، وبقصد نبيل، هو: عدم إيذاء ركّاب السفينة الآخرين! فكيف يكون الأمر، لو قُصدَ إلحاق الأذى ، بالآخرين !؟) .

ولكل مجتمع منظومته : فالمجتمع المسلم له منظومته.. والنصراني كذلك.. ومثله اليهودي ، والوثني .. وغيرها !

وقد جرت محاولات ، عدّة ، لخرق سفينة المسلمين ، في العهد النبوي ، فأبطلها الله ! ومنها : الإشاعات ، التي بثّها المنافقون ، ضدّ البيت النبوي.. ومسجد ضرار.. وعمليات الإرجاف : يوم أحُد، والخندق .. وغيرها !

كما يُعدّ تآمر ابن العلقمي ، مع هولاكو، ضدّ دولة الخلافة .. مثالاً بارزاً، في حالات خرق السفينة الإسلامية ؛ فقد نجمت عن هذه الخيانة ، مآسٍ رهيبة ، أصابت الخليفة ، والخلافة ، والأمّة الإسلامية ، كلها !

وإذا كان الحديث النبويّ ، هنا ، خاصاً بالمجتمع الإسلامي؛ لأنه يتحدّث عن حدود الله ، التي لاتعرفها المجتمعات غير الإسلامية.. فيمكن الاستئناس، بالحديث ، لدى النظر، إلى المجتمعات الأخرى !

فقد ورد ، في القرآن ، عن بني إسرائيل ، مايلي :

( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ  ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ .)

ذلك أن المجتمع الإسرائيلي، كان قائماً، على أحكام ربّانية، هي أحكام التوراة ! وكان ربّهم يعاقبهم، على تجاوزاتهم ، ويصيبهم بمصائب ، ويتوعّدهم بعقوبات متنوّعة، إذا أصرّوا على تجاوزاتهم !

والآيات ، في هذا المجال ، كثيرة ، لاسبيل إلى سردها ، هنا !

والمجتمعات القائمة على الديموقراطية ، اليوم ، لها منظوماتُها الخاصّة بها، التي تضبط سلوك أفرادها.. وقوانينُها التي تنظم العلاقة ، بين الحكّام والمحكومين ، وتنظم علاقات الأفراد فيما بينهم .. ومَن تجاوزها، عوقب ، وفقاً لهذه القوانين !

ولن نتحدّث ، عن منظومة القيم والقوانين ، في هذه المجتمعات ، وما فيها من صلاح وفساد! فقد وجّه مفكّرو الغرب وفلاسفته ، إنذارات كثيرة، لمجتمعاتهم، محذّرين من دمارها ، بسبب انتشار أنواع من الفساد ، فيها !

حسبُنا ، أن نشير، إلى ظاهرة واحدة ، بدأت تنتشر، في أوروبّا ، مخالفة مافيها، من قيَم التسامح ، أوالتعايش ، بين مكوّنات المجتمعات ! وهذه الظاهرة ، هي: التطرّف العرقي والديني ، الذي بات ينتشر، بين الأفراد، وبات الساسة يستغلّونه ، لدى الأفراد، لتحقيق مكاسب سياسية ؛ لا سيّما في مواسم الانتخابات ! فانجرّوا ، إلى ولوج هذه الدوّامة الخطرة ، التي ستدمّر مجتمعاتهم ، المكوّنة من فئات كثيرة ، من الأعراق ، ومن أتباع الديانات المختلفة !

فهل يَعي قادة المجتمعات ، ونخبُها.. جميعاً: الاوروبّية ، منها، والتركية ، والعربية ، وغيرها.. ( ربابنةُ السفن، وبحّارتُها !) الآثارَ السلبية والإيجابية ، لِمايمارسونه ، من سلوكات سياسية واجتماعية ، على شعوبهم ودولهم ، حاضراً ومستقبلاً !؟

مع التذكير، بأن سفينة نوح ، خُصّصت للنجاة ؛ لذا ، لم تغرقها المياه ، وكانت تجري بهم ، في موج كالجبال ! أمّا سفن البشر، اليوم ، فالأمواج يمكن أن تغرقها..! والأمواج ، هنا ، هي أعمال البشر، المخالفة لسنن الجتمعات الإنسانية الرشيدة !

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا