على ثلاث ركائز.. هكذا ساهمنا في بناء المعرفة الإنسانية

الخميس 5 ذو الحجة 1439 - 16 أغسطس 2018

على ثلاث ركائز.. هكذا ساهمنا في بناء المعرفة الإنسانية

الثلاثاء 7 رمضان 1439 - 22 مايو 2018 114 شريف محمد جابر
على ثلاث ركائز.. هكذا ساهمنا في بناء المعرفة الإنسانية

في سياق ضرورة أن يأخذ المسلمون دورهم في بناء المعرفة الإنسانية، لا بدّ لنا أن نعود إلى الوراء قليلا، إلى أكثر من ألف عام، حتى نرى كيف قال المسلمون كلمتهم في قضية المعرفة؟ وما هي أبرز ركائز المعرفة التي ساهموا في تأسيسها وترسيخها ونقلها للعالم؟ وهل ما تزال هذه الركائز ذات أهمية في السياق المعرفي المعاصر أم إنها تدلّ على عقلية مغرقة في الميتافيزيقيا، غير منظّمة التفكير، غير قادرة على إنتاج معرفة أصيلة كما شاع في الأوساط الاستشراقية قديمًا؟

تتناول هذه التدوينة ثلاث ركائز تبنّاها المسلمون في قضية المعرفة، ألا وهي:

1) توثيق المعلومة.

2) جمع البيانات وتقييد العلم.

3) ارتباط المعرفة بالواقع.

سوف نستعرض كل واحدة من هذه الركائز في سياقها التاريخي، ثم سنكشف عن دورها في السياق المعاصر.

توثيق المعلومة

لعل أبرز التوجيهات لتبنّي هذا المبدأ العلمي في السياق الحضاري الإسلامي هي ما جاء في كتاب الله، قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ? إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَ?ئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (الإسراء: 36). جاء في تفسير "معالم التنزيل" للإمام البغوي في تفسيرها: "قَالَ قَتَادَةُ: لَا تَقُلْ: رَأَيْتُ وَلَمْ تَرَهُ وَسَمِعْتُ وَلَمْ تَسْمَعْهُ وَعَلِمْتُ وَلَمْ تَعْلَمْهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا تَرْمِ أَحَدًا بِمَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ. قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: لَا تُتْبِعْهُ بِالْحَدْسِ وَالظَّنِّ. وَهُوَ فِي اللُّغَةِ اتِّبَاعُ الْأَثَرِ يُقَالُ: قَفَوْتُ فُلَانًا أَقْفُوهُ وَقَفَيْتُهُ وَأَقْفَيْتُهُ إِذَا اتَّبَعْتُ أَثَرَهُ وَبِهِ سُمِّيَتِ الْقَافِيَةُ لِتَتَبُّعِهِمُ الْآثَارَ. قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقَفَا كَأَنَّهُ يَقْفُو الْأُمُورَ أَيْ: يَكُونُ فِي إِقْفَائِهَا يَتْبَعُهَا وَيَتَعَرَّفُهَا. وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى: لَا تَتَكَلَّمْ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ بِالْحَدْسِ وَالظَّنِّ".

وبأثر من هذا التوجيه وغيره من التوجيهات القرآنية والنبوية، بدأ ينشأ عند المسلمين "علم الإسناد"، وهو علم يحرص فيه ناقل المعلومة على نقل مصدر هذه المعلومة، أي الشخص الذي أخبره بها، وينشأ على إثره علمٌ آخر، وهو "علم الرجال"، وهدفه توثيق البيانات ذات الصلة حول أولئك الأشخاص الذين ينقلون هذه المعلومات المهمة، وبالأخصّ درجة ضبطهم للمعرفة التي ينقلونها وعدالتهم، وتحديدا في مجال المعلومات الدينية المنقولة عن الرسول صلى الله عليه وسلّم وصحابته الكرام. 

وممّا يشيع خطأ أنّ هذا العلم إنّما كان منحصرًا بعلم الحديث ونقل آثار الصحابة في مسائل الدين، ولكنّ إطلالةً سريعة على مختلف العلوم التي ازدهرت في القرون الإسلامية الأولى ستطلعنا على أنّ المسلمين مارسوا الإسناد حتى في العلوم الأخرى ذات الطابع النقليّ: كعلوم العربية والآداب والتاريخ وغيرها. فنجد على سبيل المثال أبا عليّ القالي (288-356 هـ) ينقل في كتابه الأدبي "الأمالي" أبياتا عن ابن الأعرابي (150-231 هـ) على النحو التالي: "وأنشدنا ابن الأنباري [271-328 هـ] قال: أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي [200-291 هـ]، عن ابن الأعرابي: سقى الله حيّا بينَ صارةَ والحِمى.. حِمى فَيْدَ صوبَ المُدجِناتِ المواطرِ..." إلى آخر الأبيات. 

وكذلك نجد القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي (327-384 هـ) في كتابه "الفرج بعد الشدّة" يروي قصة عن تعليم الصريفني الكاتب العمّالَ حسنَ التصرّف، فيقول: حدّثني أبو الحسين علي بن هشام، قال: سمعت أبا الحسن عليّ بن عيسى، وأبا الحسن الإيادي الكاتب يقولان: إنّهما سمعا عبيد الله بن سليمان يقول: كنتُ بحضرة أبي في ديوان الخراج بسُرّ من رأى..." إلى آخر القصة. وحتى لو جهلنا في بعض الحالات أحوال أولئك الرواة، فإنّ هذه البيانات ساعدتْ النقّاد في معظم الحالات على التوثّق من الروايات. ويكفي أن نبصر ذلك الحرص الشديد على حفظ مصدر الخبر كالحرص على نقل الخبر نفسه، وهو حرص يؤكّد على أهمية مبدأ التوثّق لدى المسلمين الأوائل. 

وفي عصرنا اليوم، يُعتبر توثيق المصدر العلمي الذي ننقل عنه نصّا أو فكرة من أهم مبادئ البحث العلمي وأخلاقيّاته، فمن ينقل على سبيل المثال كلاما ينسبه إلى كاتب دون ذكر المصدر الذي نقل عنه؛ لا يمكن اعتبار كتابته كتابةً علمية محترمة، ومن هنا ظهرتْ الهوامش والمراجع، كتعبير فعلي عن هذا الاهتمام بتوثيق المعلومة، كما ظهرت سابقا الأسانيد مرتبطة بالنصوص المنقولة. 

جمع البيانات وتقييد العلم

وأما جمعُ البيانات فهو من أبزر ما تميّزت به الحضارة الإسلامية، سواء كانت تلك البيانات شعرا كما نقله كبار أئمة العربية في كتبهم، أو طرائق العرب في تعبيرهم كما نقله سيبويه في كتابه وغيره، أو كان مرويات حديثيّة وآثار الصحابة والتابعين كما فعله أصحاب المدوّنات الكبرى كمسند الإمام أحمد على سبيل المثال، والذي من الواضح أنه كان إلى الجمع أقرب من أن يكون كتاب فقه. وكذلك فعل أئمة الجرح والتعديل في كتب التاريخ المتقدّمة التي ألّفوها، وكان محتواها بيانات هائلة لشخصيات إسلامية منذ عصر الصحابة وحتى عصر صاحب المصنّف. وكذلك أصحاب كتب التاريخ والأدب وغيرهم، فمدوّنات الأدب الضخمة حافلة بالبيانات التي تسجّل مختلف جوانب الحياة في مختلف العصور، وتوفّر لكل باحث مادة ضخمة ينهل منها.

وأنت لا تجد أمّة اعتنتْ بجمع المعلومات بهذا الشكل الكبير مثلما حصل لهذه الأمة، فضلا عن اهتمامها بجانب التوثّق من هذه المعلومات. وإذا بحثنا في النصوص التي تعبّر عن هذه الحركة العلمية التي حفظت هذا الكم الهائل من البيانات في مختلف جوانب المعرفة سنجد نصّا يُروى بطرق كثيرة تارة مرفوعا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وتارة موقوفا على بعض الصحابة، وهو "قيّدوا العلمَ بالكتاب"، وقد اهتم العلماء بهذا الحديث اهتمامًا خاصّا، وجعلوه منطلقًا في بيان أهمية تدوين العلم وتسجيله في الكتب. 

فأمّا الحكيم الترمذي (ت 295 هـ تقريبا) فقد عقد في كتابه "نوادر الأصول" فصلا كاملا بعنوان "في تقييد العلم بالكتابة"، وروى الحديث بسنده، ثم روى أحاديث أخرى عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم وآثارًا عن الصحابة رضوان الله عليهم، جميعها تؤكّد على أهمية تقييد العلم واستنساخه في الكتب. وذلك بعد أن بيّن الحاجة إلى الكتابة، وسبب عدم رغبة بعض الصحابة بها في بادئ الأمر، والفرق بين كتابة الحديث وضرورة حفظه في الكتب، وبين ما فعلته اليهود فيما ذمّهم الله به من وضع المثناة، ليسدّ الطريق على من يعقد هذه المقارنة ليدفع أهمية حفظ الحديث النبوي وتدوينه.

ولعلّ من أهمّ ما جاء في فصله هذا هو التأسيس الفلسفي لفكرة تقييد العلم بالكتابة، فقد استعرض هذه الفكرة بدءًا من كتابة الله عزّ وجلّ لموسى عليه السلام في الألواح، وآية المداينة، وكتابة الأنبياء وأول من خط بالقلم، والمعنى اللغوي للكتاب، وأهمية الكتابة كمستودع للعلوم. وممّا قاله رحمه الله: "وأول ما بدأ شأنُ الكتابة بدأ باللوح والقلم، فكتبَ ما هو كائنٌ، والكتابُ حقّ وتدبير من الله تعالى لعباده، وهو حروف مصوّرة مختلفة التخطيط علائم تدلّ على المعاني، وإنّما سمّي كتابًا لأنّها حروف منظومة، والكَتْبُ: النظام، ومنه سمّيتْ الكتيبة؛ لأنّها نُظّمتْ وجُمع بعضها إلى بعض، فإذا قُيّدت المعاني بهذه الحروف المخطوطة التي هي علائم ودلائل على المراد والمعاني، فإنْ كانت محفوظة فالكتاب مستغنى عنه، وإنْ نُسيتْ صار الكتاب نعمَ المستودع، وإنْ دخل القلبَ ريبٌ في ذلك نفى الرَّيب، واطمأنّت النفس".

كذلك فعل الإمام ابن عبد البرّ (ت 463 هـ) في كتابه "جامع بيان العلم وفضله"، فقد عقد بابين في الموضوع، ذكرَ في الأول الروايات التي جاءت عن "كراهية كتابة العلم وتخليده في الصُحف"، سواء ما جاء من أحاديث أو آثار عن الصحابة والتابعين وبعض السلف، والمقصود الأساسي بالعلم هنا هو السنّة النبوية. ثم يبيّن ابن عبد البرّ - كما ألمح الحكيم الترمذي - أن سبب ذلك أنّ العرب كانوا أمّة اشتهرتْ بالحفظ، لا من باب كراهية حفظ العلم، يقول ابن عبد البرّ بعد ذكره لذلك وذكر مَن كان يحفظ القصيدة بسَمعة واحدة: "وليس أحدٌ اليوم على هذا، ولولا الكتاب لضاع كثيرٌ من العلم، وقد أرخص رسول الله صلى الله عليه وسلّم في كتاب العلم، ورخّص فيه جماعة من العلماء وحمَدوا ذلك". ثم يعقد بابا ثانيا بعنوان "ذكر الرخصة في كتاب العلم"، روى فيه النصوص المؤسّسة لكتابة العلم، بدءًا من الأحاديث مرورا بآثار الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الإسلام، ومنها حديث "قيّدوا العلم بالكتاب". 

وقريب من ذلك ما فعله الخطيب البغدادي (ت 463 هـ) في كتابه "تقييد العلم"، الذي خصصه لهذه المسألة. وهذا الاهتمام من قبل العلماء بتأصيل مسألة تقييد العلم يدل على أهميّتها، فضلا عن ممارستهم لهذا التقييد الذي أثمر عن كم هائل من البيانات المقيّدة في مصنّفات علماء المسلمين منذ أكثر من ألف عام، والتي ما زال الباحثون ينهلون منها ليتعرّفوا على مختلف جوانب الحضارة الإسلامية.

إنّ هذه الركيزة التي كانت بارزة جدّا في الحضارة الإسلامية هي اليوم أيضًا ركيزة أساسية في البناء المعرفي المعاصر، فلا يمكن لأيّ دراسات أو أبحاث أن تقوم إلا على قاعدة موثّقة من البيانات، والتي تمثّل المادة الخام للدراسة.

ارتباط المعرفة بالواقع

هذه ركيزة عظيمة بارزة جدّا في النصوص التأسيسة للحضارة الإسلامية. فعن أبي برزة الأسلمي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: "لا تزول قدما عبدٍ حتى يُسألَ عن عمُرهِ فيما أفناهُ، وعن علمِه فيما فعل، وعن مالِه من أين اكتسَبه وفيما أنفقَه، وعن جسمِه فيما أبلاهُ" (سنن الترمذي). وفي رواية: "وعن علمه ماذا عمل فيه". وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أيضا أنه كان يدعو فيقول: "اللهمَّ إني أعوذُ بك من علمٍ لا ينفعُ" (صحيح مسلم). 

وقد انتبه علماء المسلمين إلى هذه الركيزة، فنجد الإمام الخطيب البغدادي رحمه الله يخصّص كتابا كاملا لها ويسمّيه "اقتضاءُ العلمِ العملَ"، روى فيه عددا كبيرا من الأحاديث والآثار وكلام السلف، والتي تركّز جميعها على أهمية أن يثمر العلمُ عملا نافعا في الواقع. ولئن كان أساسُ هذا الكتاب وهذه النصوص علم الدين، فإنّ المبدأ نفسه ينطبق على سائر العلوم، وخصوصا أنّ الأحاديث النبوية جاءت بلفظ العلم عمومًا، دون تخصيصه بعلم الدين.

يقول الإمام الشاطبي (ت 790 هـ) في كتابه "الموافقات": "كلّ مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدلّ على استحسانه دليل شرعي، وأعني بالعمل: عمل القلب وعمل الجوارح من حيث هو مطلوب شرعًا".

واستقصاء جميع ما جاء في هذا الباب تنوء عن استيعابه مجلّدات عدّة، ولكن لو نظرنا إلى عالمنا اليوم، سنجد أنّ الأمم الناهضة هي تلك الأمم التي لا تكتفي بالعلوم النظرية، بل التي تربط تلك العلوم بعلوم تطبيقية، لتجعل من ذخيرتها المعرفية رصيدًا في بناء التقنيات المختلفة، فيكون العلمُ النظري أساسًا لبناء أشكال تطبيقية تنفع الإنسان في الدنيا.

ما المرجوّ من التعريف بهذه الركائز عند المسلمين قديمًا؟

المرجوّ أن يفيء المسلمون إلى ركائز المعرفة التي بنوا عليها حضارتهم قديمًا، وأن يُدركوا أنّهم كانوا يومًا ما هم سادة الدنيا فيها، وأنّه لن تقوم لهم قائمة إلا بالعودة إلى هذه الركائز، إلى جانب ما ينبغي عليهم من نهوض في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع. فلا بد لهم من التمترس بالمنهج العلمي في البحث والدراسة، وأن يسعوا إلى تحصيل المعلومات وهضمها؛ إذ لا تقوم النهضة إلا على قاعدة معلوماتية هائلة، وأن يكونوا مع ذلك حريصين على المعرفة الملحّة التي يحتاجونها، مع إحسانهم لترتيب الأولويات فيها؛ فلا يصحّ مثلا أن تغرق النخب المسلمة حتى أذنيها في الفلسفة والتفلسف مع جهلها بعلوم السياسة والإدارة والاقتصاد والتقنيات المختلفة والدبلوماسية والتفاوض وبناء الدول، وهي من أبرز العلوم التي تنقص المسلمين اليوم ويحتاجونها في طريقهم الوعر لإعادة بناء حضارتهم من جديد.

ليس الهدف أن نتغنّى بأمجاد حضارتنا وبأننا كنا أول من فعل وأول من أنشأ وأول من أسس، فهذا كله لن ينفع إنْ لم يكن مصحوبًا بإرادة جادّة لإعادة التَّحلّي بهذه الركائز في بناء المعرفة، وهو طريق طويل وشاقّ، ينبغي أن نتغلّب فيه على عقبات كثيرة، وأول تلك العقبات نفوسنا التي اعتادت على الارتجال والخطابية والعاطفية، والتي لا تصبر على البحث وجمع البيانات، ومجتمعاتنا التي تفقد المشروع الحضاري الذي يمتلك رؤية لتحويل المعرفة إلى واقع مادي يمكّننا من العودة إلى القيام بدورنا الذي أراده الله لنا.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا