السبت 13 محرم 1440 - 22 سبتمبر 2018

تأييد الدين بالفاجرين!!

الخميس 2 رمضان 1439 - 17 مايو 2018 207 محمد سعيد بكر
تأييد الدين بالفاجرين!!

-الأصل أن دين الله تعالى لا يقوم به ولا ينصره إلا الأطهار الأبرار؛ الذين جاهدوا أنفسهم واجتهدوا عليها قبل جهاد عدوهم، قال تعالى: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي)، وقال سبحانه: (إن تنصروا الله ينصركم).

- عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: شَهِدْنَا خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإِسْلاَمَ: «هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ»، فَلَمَّا حَضَرَ القِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ أَشَدَّ القِتَالِ، حَتَّى كَثُرَتْ بِهِ الجِرَاحَةُ، فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الجِرَاحَةِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا أَسْهُمًا فَنَحَرَ بِهَا نَفْسَهُ، فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ، انْتَحَرَ فُلاَنٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ: «قُمْ يَا فُلاَنُ، فَأَذِّنْ أَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وإِنَّ اللَّهَ ليُؤَيِّدُ هذا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ» رواه البخاري ومسلم.

- جاءت الجملة الأخيرة من هذا الحديث في سياقٍ معين يحكي أن الله تعالى (قد) ينصر دينه بجهد وجهاد إنسان نيته ملوثة وقلبه سقيم، لأسباب تخصه وتعنيه؛ كأن يقاتل معنا للشهرة أو للجاه أو للغنيمة فـ(رُبّ قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته)، و(الرجل يقاتل للمغنم .. ).

- قد يأتي التأييد والنصر لدين الله تعالى بسبب فاجر أو كافر في مواضع ومجالات أخرى ذكر بعضها العلماء ونضيف عليها. ومن ذلك:

1-أن الله تعالى ينصر دينه بعلم أو خبرة يمنحها لكافر أخذ بأسباب العلم وسعى وجرّب، فاكتشف من الأدوات والأسباب ما به تنتفع الدعوة وإن كان قصده المال والشهرة وغير ذلك، والحكمة ضالة المؤمن، وقد تعلم بعض الصحابة القراءة والكتابة من أسرى بدر.

2-أن الله تعالى ينصر دينه بجهل وعناد فاجر وكافر أرعن يتحدى الله ورسوله والمؤمنين فيعلن أمراً أو يصدر قانوناً أو يحرك جيشاً يكون فيه استفزاز للطيبين وبعث لفطرتهم الطيبة واستعدادهم للمواجهة بعد طول غفلة وسبات أو موات .. وبالتالي يتسبب بهلاك نفسه، وهذا ما حدث لفرعون مصر ولأبي جهل وهو ما يتكرر لفراعنة زماننا بعون الله تعالى.

3-أن الله تعالى ينصر دينه بفاجر تاب أو كافر دخل في الإسلام وأناب، فهو كافر أو فاجر باعتبار ما كان لا باعتبار ما هو كائن، وفِي بعض كبار الصحابة ممن كانوا يحادون الله ورسوله والمؤمنين كعمر وخالد وعمرو وأبو سفيان وصفوان وغيرهم رضي الله عنهم خير مثال، فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا) رواه البخاري.

4- إن الله تعالى ينصر دينه برجل أو جماعة التقت مصلحتها مع مصلحة الدين ولو بشكل مؤقت، وهنا لابد من الانتباه لأصحاب المصالح هؤلاء، فالمسلم لا يستعين بغير الأطهار، (إنا لا نستعين بمشرك) رواه أحمد ومسلم وغيرهما، إلا في ظروف ضيقة وعند الحاجة والضرورة وبلا شروط ولا إملاءات مؤثرة، وفِي السيرة نماذج لاستعانة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمشركين ضمن الضوابط السابقة (المطعم بن عدي، وعامر بن فهيرة، وابن الدغنة وغيرهم).

5- أن الله تعالى ينصر دينه برجل فاجر يجعله بعد تأديبه بالعقوبة آية من آيات قدرته وبطشه بالمجرمين، قال تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً  وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) [يونس: 92].

6-أن نصرة الدين قد تكون عابرة سريعة على يد فاجر تاب في لحظة حرجة فسدّ ثغرة كبيرة كتوبة نعيم بن مسعود رضي الله عنه يوم الخندق، وعمله العظيم في تفريق صفوف الأحزاب.

- إنَّ من أعظم ثمرات معرفتنا بأن دين الله تعالى (قد) ينتصر بالرجل الفاجر ما يأتي:

1-أن نستثمر كل طاقة من حولنا وأن لا نهدر خيراً بصرف النظر عمن صدر، دون تفتيش عن نواياهم، ولا مانع من شكرهم حينئذ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وفياً للمطعم بن عدي لأنه أدخله في حمايته إلى مكة فقال في أسرى بدر: " لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ " رواه البخاري.

2-أن لا ندعي احتكار النصرة لديننا، فلله جنود من الحمقى كما أن له جنوداً من الطيبين، والكل يشترك في إنفاذ قدر الله تعالى، وإن اختلفت مصائرهم باختلاف نواياهم (وما يعلم جنود ربك إلا هو).

3-أن نتفاءل بكل شيء حتى فيما يصدر عن أشد الناس عداوة لنا فهم يسيرون إلى حتفهم، ويستعجلون أسباب زوالهم، كما أنه مطلوب منا التفاؤل والاستبشار والأمل بتوبتهم قبل فوات الاوان وتحولهم من حالة كونهم تحدي في وجوهنا، إلى كونهم فرصة لنا ولديننا وأمتنا.

4-أن نكون على حذّر فليس كل من مد لنا يد العون صديق حميم؛ فلا نعطيه ظهرنا، ولا نعظم أمره فينا، وننزل الآخرين منازلهم دون مبالغة ولا جزم في أحوالهم دون إدراك للمآلات والنهايات، وأن لا نحكم حكماً قطعياً على الناس بظواهر أعمالهم.

5-أنه من الواجب أن يتقدم الطيبون في ميادين العطاء حتى لا نفسح المجال لفاجر أن يزاود علينا في الشجاعة والبطولة، ومن عجبٍ أنك ترى من جلَد الفاجر وعجز الثقة ما يدهشك، وفي المجالات كلها!!

6-أنه من واجبنا حسن تسويق قضايانا العادلة في الأوساط كلها لنأخذ من الآخرين نصرة وإن لم نحصل منهم على اهتداء والتزام، ورُب رجل كافر مات على الكفر كأبي طالب في نصرته للدعوة خير من كثير من أدعياء الإيمان في هذا الباب تحديداً، وإن كان المؤمن لا يفضله شيء.

7-أن الأعمال بخواتيمها، فالله نسأل أن يحسّن خواتيمنا، وأن يصلح خاتمة كل مناصر لقضايانا العادلة، مثلما كان عدل النجاشي مع إخواننا المهاجرين وانتصاره لقضيتهم العادلة سبباً من أسباب إسلامه ووفاته على الإيمان بعد حين.

8-أنه ليس هنالك أجمل ولا أكرم من تأييد الله تعالى دينه وشريعته ومسرى رسوله الكريم بأيد طيبة كريمة قال فيها ربنا تعالى: (عباداً لنا أولي بأس شديد)، وإلا فدين الله غالب، وسنة استبدال الضعفاء الجبناء لا تحابي أحداً، وهنيئاً لأنصار الله.

•وأخيراً: إن لله تعالى حكمة في تسخير من يشاء من خلقه لنصرة دينه، فهو يسخر الطيبين لتلك المهمة حتى يرفع شأنهم، ويسخر الخبثاء حتى يُمعن في كبتهم وإذلالهم، ولو علم أبو جهل ومن معه أنهم سيتسببون بنصر الدين ورفعته حين ضيقوا على الصحابة فهاجر بعضهم الى الحبشة وهاجر آخرون إلى المدينة، ما ضيقوا عليهم (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله) (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا).

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا