الاثنين 12 صفر 1440 - 22 أكتوبر 2018

في محرابِ المراجعات

الأربعاء 30 شعبان 1439 - 16 مايو 2018 201 أسامة محمَّد العاروني
في محرابِ المراجعات

ألاحظُ أنَّ أصحابَ الأعمال اليدويَّة يقومون بين الفينة والأخرى بحركةٍ عفويَّةٍ متكرِّرةٍ حيث يبتعدون عن أعمالهم مسافةً بسيطةً، فيرمقونها من بعيدٍ بعين النَّاقد المتفحِّص، ثمَّ يقتربون منها بسرعةٍ محتفظين في ذاكرتهم المؤقَّتة بثغرةٍ ينبغي سدُّها أو هفوةٍ يجب إصلاحها.

تأمَّلتُ هذه الحركة المهاريَّة وقلتُ: لعلَّ هؤلاء على بساطتهم قد أدركوا أنَّ الإنسان بحاجةٍ دائماً أن يبتعد عن نتاجه - أيَّاً كان - مسافةً زمنيَّةً ومكانيَّةً لكي يُبصره بعين النَّاقد المنصف لا بعين الصَّانع الذي لا يرى في بضاعته عيباً، ولا بعين الكاتب الذي لا يرى في حروفه ريباً.

فلنسمِّها: (مراجعاتٍ)، أو: (نقداً ذاتيَّاً)، أو: (التَّفكير بالتَّفكير) ولكنَّ الأهمَّ أن نعلم بأنَّها حاجةٌ أساسيَّةٌ للأفراد والجماعات جميعاً، وأنَّ الذين لا يملكون الشَّجاعة لأن يقفوا مع أنفسهم وأعمالهم بعض الدَّقائق والسَّاعات في محراب التَّقويم والتَّقييم، لا يستحقُّون أن ينبِسوا ببنت شَفَةٍ في نقد محيطهم وواقعهم البعيدين.

وأذكرُ أنَّ سائلاً سأل: بماذا كان النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يفكِّر في خلواته؟ فقلتُ: لعلَّه كان يفكِّرُ بما قامَ وسيقومُ به في جلواته.

إنَّ البطولة الفكريَّة تتجلَّى أوَّلاً في الذَّهاب نحو الدَّاخل والدَّاخل العميق، والابتعادِ قليلاً عن الانشغال بالخارج وتوصيفه وتقييمه والذي يتقنه كلُّ أحدٍ.

خذوا على سبيل المثال: كم عدد الاشخاص الذين يكتبون ويحاضرون في فساد المجتمع وعوراته، وينظِّرون في ترتيبه وإصلاحه، مقارنةً مع هؤلاء الذين يجلسون بهدوءٍ ليفكِّروا بعمقٍ في أنفسهم، وفي أعمالهم، وفي تربيتهم، وفي إنجازاتهم؟؟؟ ماذا فعلنا؟ ماذا قدَّمنا؟ ما هي الثَّغرة التي سددناها وأرحنا المجتمع من مؤونتها؟ وهل ما ننتقده في غيرنا نحن خُلْوٌ منه يا تُرى في أنفسنا ومن يلوذ بنا؟

أسئلةٌ ملحَّةٌ ينبغي أن نعتاد الإجابة عنها، وقد قالها توماس أديسون قديماً: "الجميعُ يفكِّر في تغيير العالم، ولكن لا أحدَ يفكِّر في تغيير نفسه".

وأصدقُ منه كلام ربِّنا: (أتأمرونَ النَّاسَ بالبرِّ وتنسونَ أنفسكم وأنتم تتلونَ الكتابَ أفلا تعقلون) (البقرة: 44) (ولو أنَّهم فعلوا ما يوعظونَ به لكانَ خيراً لهم وأشدَّ تثبيتاً) (النِّساء: 66).

وفي أدبياتنا الإسلاميَّة كنوزٌ في هذا السِّياق: (الكيِّسُ من دان نفسه) ، (ابدأ بنفسك) ، (حاسبوا أنفسكم).

ومن الخطأ أن نفهم هذه الآثار على أنَّها محاسبةٌ للنَّفس في ميدان الذُّنوب والآثام الشَّرعيَّة فحسب، بل هي محاسبةٌ ومراجعةٌ في ميادين التَّقصير المعرفيِّ والتَّنظيميِّ والتَّربويِّ والاجتماعيِّ والحركيِّ ووو.

إنَّها المحاسبةُ على قراراتك واختياراتك وإنجازاتك.

وعندما يقول نبيُّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم -: (كلُّ ابن آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخطَّائين التَّوَّابون) فلماذا لا نفهم الخطأ هنا والتَّوبةَ منه فهماً عامَّاً يشمل التَّقصير في جميع ميادين الحياة؟! فالمذنبُ إذا أخطأ وتاب أنقذ نفساً، والقائدُ إذا أخطأ وتاب وأصلح أنقذ دولةً وأمَّة.

تأمَّلوا معي سيرة الإمام الشَّافعيِّ مثلاً، لقد امتلك الجرأة وقوَّة الإرادة لأن يغيِّر مذهباً فقهيَّاً كاملاً في فروعه وبعض أصوله ولا يبقي منه إلَّا قرابة سبع عشرة مسألةٍ، في الوقت الذي يخجلُ أحدنا من تغيير منشورٍ على وسيلة تواصلٍ اجتماعيٍّ.

وبوسعنا أن نفكِّر قليلاً كم من السَّاعات الطَّويلة أمضاها الشَّافعيُّ في النَّقد الذَّاتيِّ والتَّفكير المتجرِّد حتَّى اتَّخذ هذا القرار، وامتلك الثِّقة حتَّى يحوِّله إلى واقعٍ وحقيقةٍ، ونحن نقول اليوم: قال الشَّافعيُّ في القديم، وقال الشَّافعيُّ في الجديد.

وقد اعتكف الإمام الغزاليُّ على مراجعاتٍ ذاتيِّةٍ جعلت العلماء يقسمون حياته إلى مراحل عدَّةٍ بدأها بالشَّكِّ ثمَّ الفلسفة ثمَّ الوقوف عند الفرق ثمَّ علم التَّزكية.

وانتقل الإمام الشَّهيد - إن شاء الله تعالى - سيِّد قطب من الأدب ونقده إلى الضَّياع الفكريِّ إلى مرحلة الفقه الحركيِّ وتجربة الظِّلال.

إنَّها مراجعاتٌ جادَّةٌ كان لها أثرٌ عميقٌ في تغيير مسار ثلَّةٍ من علماء الأمَّة ومصلحيها.

وكما يحتاج الأفرادُ في حياتهم لمثل هذه المراجعات الدَّوريَّة، فإنَّ حاجة الكيانات والمؤَّسَّسات والحركات والجماعات إلى مثل هذه الوقفات لا تقلُّ عن حاجة الأفراد بل تزيد، فالأهدافُ والوسائلُ والأساليبُ ليست معصومةً، وقد يظهرُ فشلها وقصورها إن لم يكن في ذاتها ففي أولويَّتها ومناسبتها لظروف الزَّمان والمكان والأشخاص.

إنَّ من فوائد المراجعات: تهذيبَ النَّفس، وترتيبَ الأفكار، ورؤيةَ الأخطاء، ومعالجةَ المشكلات، وإصلاحَ الهفوات، وإعادةَ تقويم الأهداف والأساليب والإمكانات.

قرأتُ مرَّةً أنَّ الأحزاب العملاقة والشَّركات الكبرى تخصِّصُ من جملة مكاتبها مكتباً للنَّقد وتدوين الأخطاء، وتعطي موظَّفيه أكثر ممَّا تعطي غيرهم.

لقد وصل هؤلاء إلى درجةٍ من الاحترافيَّة علموا من خلالها أنَّ النَّقد طريق النَّجاح والتَّميُّز، وأنَّه لا غنى لأيِّ مؤسَّسةٍ أو حزبٍ أو تجمُّعٍ عن معارضةٍ ناقدةٍ لا تمرِّر أيَّ خطأٍ أو تقصيرٍ.

يقول الإمام الرَّافعيُّ: "إنَّ العقل يؤمنُ بأنَّه لا ثقةَ في رأيٍ إلَّا بعد تمحيصه ونقده، وأنَّ النَّقد الحقيقيَّ للرَّأي ليس هو الذي يأتي من أنصاره ومعتنقيه، وإنَّما هو النَّقد الذي يأتي من المعارضين له والمنكرين عليه".

وأعتقدُ جازماً أنَّ الحاكم المخلص ينبغي أن يتمسَّك بمعارضته أشدَّ من تمسُّكه بمؤيِّديه، ولو علم مقدار فائدتهم لتصويب الأخطاء وتجلية العيوب لعضَّ عليهم بالنَّواجذ.

ولنعلم أخيراً أنَّ أعظم ناقدٍ مخلصٍ للإنسان هي نفسه التي بين جنبيه، فهلمُّوا نعتكفُ معها ساعةً في محراب المراجعات.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا