الاثنين 7 رمضان 1439 - 21 مايو 2018

حصاد قرن من الزمان

الأربعاء 16 شعبان 1439 - 2 مايو 2018 113 حسين عبد الهادي آل بكر
حصاد قرن من الزمان

 إن التدافع بين البشر في هذه الحياة الدنيا سنة إلهيَّة قاهرة، تمشي على كل البشر مؤمنهم وكافرهم قال الله تعالى {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [سورة البقرة: 251]، وقال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [سورة الحج: آية 40].

والحكمة من هذا التدافع لم يهتدِ إليها أحدٌ قبل نزول القرآن الكريم؛ ذلك لأن الله خلق الأنواع وأراد لها البقاء، فأودع فيها قوًى تدافع بها عن نفسها، ولولا هذه القوى التي خوّلها الله تعالى الأنواع لاشتدّ طمع القوي في إهلاك الضعيف... فبهذا التدافع حصلت سلامة القوي كما حصلت سلامة الضعيف أيضًا، لأن القوي إذا وجد التعب والأذى في الاعتداء على الضعفاء سئمت نفسه ودعته إلى الكف والاقتصار على ما في يده.

ولعل الحروب بأنواعها من أعظم مظاهر سنة التدافع بين البشر، فبالحروب الجائرة يطلب المعتدي الاستحواذ على ما في أيدي الضعفاء، وبالحروب العادلة ينتصف المحق من المبطل والضعيف من القوي.

ولعله لا يمكن المرور على هذه المسألة دون التوقف على البون الشاسع في اختلاف مفاهيم الصراع والتدافع بين الغرب والمسلمين... فالمسلمون هدفهم تبليغ دين الله لعباده وتحرير الإنسان ونشر الرخاء والسلام، وقد لخص ربعي بن عامر رضي الله عنه ذلك عندما سأله رستم: ما جاء بكم؟ فقال: (اللَّهُ ابْتَعَثْنَا لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سِعَتِهَا، وَمِنْ جَوْرِ الْأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الْإِسْلَامِ).

بينما نجد أهداف الغرب في الحروب تكاد تنحصر في القضاء على الآخر وإلغائه والسيطرة على ما في يده من خلال فلسفة البقاء للأقوى حسب نظرية دارون، ونظرية هوبز الذي يرى أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان وأنه مجبول بطبعه على الأنانية والطمع وليست الحياة إلا مسرح لحرب الكل على الكل... وهذا هو الفارق بين دوافعنا نحن المسلمين في الجهاد ومجالدة الظالمين وبين دوافع الغرب في الحرب والصراع.

لقد بدأ العالم الغربي التفافه حول العالم الإسلامي في العام الذي سقطت فيه غرناطة وتم فيه اقتلاع الإسلام من غرب أوربا في القرن الخامس عشر الميلادي، ثم اقتُحِم العالم الإسلامي من خلال حملة نابليون على مصر في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي ، واستمرّ التآمر على العالم الإسلامي المتهاوي حتى معاهدة سايكس بيكو عام /1916م/ ووعد بلفور /1917م/.

لقد حقّق الغرب في حربه على الإسلام أهدافا عدة وتقدم فيها خطوات خطيرة... وكانت أكبر ضربة وجهها للمسلين إسقاطه الخلافة الإسلامية عام /1924م/ حيث حقق هدفه الأول وهو إسقاط إسطنبول العاصمة السياسية للمسلمين وقبل ذلك - وبواسطة الحملتين الفرنسية والبريطانية وما تبعها - حقق هدفه بإخراج القاهرة العاصمة العلمية للمسلمين من دائرة الصراع الإسلامي الغربي... ونتج عن ذلك تحقيقه لهدفه الثالث في اتفاقية سايكس بيكو ألا وهو تمزيق الأمة إلى دويلات بحدود سياسية وجغرافية أصبحت مقدسة عند بعض المسلمين أكثر من قداسة الأمة نفسها، ولم يكتف بذلك حتى زرع في فلسطين كيانًا يهوديًّا غاصبًا يراقب تنفيذ خططه بكافة مراحلها.

ولقد تحوّل الغرب بعد هذه الانتصارات إلى المرحلة اللاحقة والأخطر ألا وهي تدمير الأمة فكريًّا وعقائديًّا وإزالة الإسلام من الحياة وإحلال الثقافة الغربية محله، ولكنه فشل في هذه المرحلة وها هو منذ أكثر من نصف قرن يحاول ذلك ولكن دون جدوى... وما الصحوة الإسلامية إلا دليل على هذا الفشل، كما أصبح سماسرته الذين طبلوا وزمروا له زمنًا طويلا فلولاً منبوذة في الواقع لا أثر لهم إلا على طبقات قليلة في المجتمع، ويدل على ذلك نتائج الانتخابات في عموم بلدان العالم الإسلامي.

ورغم كل المصائب التي حلت بنا من الغرب وعملائه لا زال هناك من بعض المحسوبين على هذه الأمة من يتفلسف وينكر وجود أي تآمر على هذه الأمة بل ويزعم أن كل ما أصابنا من نكبات ما هو إلا أحداث طبيعية يجب أن نعتاد عليها ولا نظلم حماة الإنسانية - الغرب وطفلتهم إسرائيل - ونحملهم ما أصابنا وباقي الأمم الضعيفة من فقر وتخلف ودمار، مع العلم أننا خرجنا من مرحلة التآمر إلى مرحلة التلاحم .

وإن قضية فلسطين لهي أوضح هذه الميادين التي اجتمع فيها العالم الغربي واليهودي بكل أطيافه وتآمر عليها عبر مخطط مدروس لا يجهله عاقل... وسأستعرض مخطط التآمر على فلسطين، وكيف تم تنفيذه بدقّة كل عشر سنوات أو عشرين سنة حتى وصل العدو إلى مرحلة إعلان مدينة القدس عاصمة لإسرائيل:

1- لقد بدأت خطة اليهود والغرب في التآمر على فلسطين بخطوتها العملية الأولى بالمؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بال بسويسرا عام 1897م.

2- ثم مؤتمر نبرمان عام 1907م.

3- ثم وعد بلفور عام 1917م.

4- وتلتها مرحلة التأسيس عبر اقتراح لجنة بيل تقسيم فلسطين عام 1937م.

5- وتمت مرحلة التنفيذ عبر ولادة الكيان الصهيوني عام 1948م.

6- وأما مرحلة التمدد فقد كانت في حرب حزيران وهزيمة الأنظمة القومية العلمانية، حرب الست ساعات عام 1967م.

7- ليصلوا بعدها إلى الاعتراف الرسمي بوجوده من خلال زيارة السادات للقدس عام 1977م.

8- وإعلان انتهاء الحرب معه بتوقيع اتفاق السلطة الفلسطينية مع اليهود عام 1997م.

9- وإجماع حكومي عربي على استجداء السلام مع إسرائيل عبر ما سمي (بسلام الشجعان) أو سلام المتخاذلين في مؤتمر القمة العربية في بيروت عام 2002م.

10- وأخيرًا اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل عام 2017م.

إن الخطوات السابقة تبين مخطّط التآمر الصهيوني والعالمي على فلسطين خلال أكثر من قرن من الزمان، وقد شارك في هذا التآمر الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي والأنظمة التي كشفت عن سقوطها في قمة بيروت عام 2002م.

هذا ما خلفته الأنظمة الاستبدادية المتخلفة بعد رحلة قرن من الزمن لشعوبها جهل وضعف وفتنة فضاعت الأرض ودنست المقدسات وهدرت الكرامة وفُقد الأمن.

إن المتتبع لمسيرة الأحداث العالمية في عصر العولمة في القرن الحادي والعشرين يجدها تصب جميعها في مصب واحدٍ وهو تطويق العالم الإسلامي، واستنزاف موارده وخيراته.

وتزداد الحسرة والمرارة في قلب المسلم حين يرى الوجود الصهيوني مدعومًا بتأييد ومباركة الأنظمة العالمية والعربية على السواء، دون أن تلوح في الأفق بارقة أمل بتغير هذا الواقع على المدى القريب على الأقل.

وليت الأمر وقف عند ضعف هؤلاء الحكام أو سكوتهم بل تعدّاه اليوم إلى مخاطبة ودّ الأعداءِ ورضاهم ونيل الحظوة والمكانة لديهم، وقد آن الأوان - حسب زعمهم - لترفرف رايات السلام والازدهار والرخاء على المنطقة، وفي المقابل تزداد إسرائيل تعنّتًا ووحشيّةً ضدّ الوجود الفلسطينيِّ وكل من يتحدَّث عنه أو يؤيِّده، بل إنَّ أي شخص أو جهة تطالب بإنقاذ القدس والأقصى من اليهود تتهم بالأصوليَّة والإرهاب والرجعيَّة والعيش خارج الواقع.

وأصبحت الواقعية عند كثير من المثقفين والمفكرين في أن تقضي الشعوب العربية والإسلامية عمرها وهي تتذبذب في اللهاث خلف الاتحاد الأوربي أو اقتلاع للأبواب والنوافذ أمام تأمرك اقتصادي سياسي ثقافي يتبارى فيه الصغار والكبار.

وفيما تلا أحداث الربيع العربي من هجمة علمانية غربية شرسة على ثوابتنا الأصيلة؛ يبدو أن آلية التآمر تمتد حتى نجد قسمًا من المثقفين المذبذبين ينفيها لأسباب غير مقنعه... وحسب اطّلاعي فإنَّ هؤلاء المفتونين بالقيم الغربية مقلدون وليسوا مبتدعين في هذا الطرح؛ فهم يردّدون في هذه المسألة أقوال كتّاب يعيشون في الغرب ويكتبون وينظّرون لواقعنا بخلفيّات إيديولوجيّة غربيّة؛ فهم عندما ينفون خطط التآمر على أمّتنا يبغون من وراء نفيهم هذا قتل روح التحدي فينا والاستكانة للواقع الأليم حيث ننسلق ونشوى ولا نبدي حراكًا، ونذبح ونحن نقبل يد جلادنا.

إنَّ مواجهة الواقع بالحقيقة المرَّة هي الحل، بل إن فتح ملفات التآمر على أمتنا قديمًا وحديثًا ومحاسبة العملاء والأغبياء الذين ساهموا فيه؛ يعتبر فتحًا حقيقيًا لوضع النقاط على الحروف بدل الدوران في حلقة مفرغة في دائرة ثقافة الثرثرة والتفلسف الهابط.

وإن قضية فلسطين والقدس لا تحتاج إلى تفسير، فقد وقعت ضحية جهل وضعف المحسوبين عليها بل وتآمر بعضهم مع أعدائها، أما ثورة الشعب السوري فقد أسقطت الأقنعة عن المتاجرين بحقوق الإنسان وفضحت النظام العالمي الجديد وأثبتت أن العالم يعيش في غابة وأصبح مفلسا أخلاقيّا وقيميّا وحضاريّا ويحتاج إلى منقذ.

وأريد أن أشير إلى أن المؤامرة قد نُفذت وانتهت، ونحن اليوم قد انتقلنا من مرحلة المؤامرة إلى مرحلة المواجهة المكشوفة مع المتآمرين لقد سقطت ورقة التوت ولم تبق حجة إلا لأعمى.

إن الهاجس الأكبر للغرب في هذه الأيام هو مشكلة الصحوة الإسلامية التي ترفضها القيادة الغربية بل تواجهها بعنف بالغ وهي في داخل البناء الاجتماعي الغربي، وهذا الخوف بدوره يؤدي إلى هاجس أكثر تعقيدًا وهو خوف الغرب من الإيديولوجيا الإسلامية التي تشكل خطرًا على الإيديولوجيا الليبرالية... وليس ما أطرحه هنا من وحي اجتهادي، وإنما هو استقراء واستنتاج لطروحات الغربيين أنفسهم أمثال فوكوياما وصامويل هنتنغتون وتوماس فريدمان وغيرهم كثير؛ حيث يقول مصرفي غربي: لو عرف الاقتصاديون في الغرب المزيد عن القرآن لفهموا قيمة الاقتصاد الإسلامي([1])، وبدوري أنصح الكتاب المنهزمين نفسيًّا دعاة الثقافة الغربية أن يراجعوا أفكارهم من خلال الواقع، وألا يجلدوا أنفسهم كثيرًا فإنهم بذلك يدورون في دائرة ثقافة الهزيمة التي حملها ونشرها سماسرة الغزو الفكري في ساحتنا، وقد أصبحوا ضحية لها من حيث لا يشعرون.

وعلى رغم ما يمر بالأمة من مآسٍ وعراقيل منذ حقبة الاستقلال، ورغم ما نشاهده من تعاظم سطوة المؤسسات التغريبية وخدَمِها من متطرفين وإرهابيين؛ فإننا اليوم في مرحلة استيقاظ إسلامي شامل، وحال مثقفينا المتغربين هو الآن أكثر بؤسًا وأعظم إفلاسًا من حالهم إبان بواكير الانبهار بالغرب.

وفي الختام أقول :من سنن الله في الحياة أن ينتصر أصحاب المبادئ على أصحاب القوة هذا هو منطق سنن التاريخ.

المصدر: افتتاحية العدد الثاني من مجلة مقاربات التي تصدر عن المجلس الإسلامي السوري

-------

([1]) - الإسلام والغرب والديمقراطية ص2ـ 4 عبد الواحد علواني

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات