الجمعة 7 ذو القعدة 1439 - 20 يوليو 2018

فتور الهمّة

الأحد 29 رجب 1439 - 15 أبريل 2018 131 لُجَين محمد عادل فارس
فتور الهمّة

يمرّ الإنسان بفترات يشعر فيها بالنشاط والرغبة في الإنجاز والمثابرة والإصرار فيسعى لتحقيق أهدافه دون كلل أو ملل، وكلّما حقّق هدفاً أو إنجازاً أعطاه ذلك دفعة نشاط إضافيّ لينطلق باتجاه تحقيق هدف آخر .

لكن الحال لا تدوم هكذا، فالحياة في صعود وهبوط، وما بين مدّ وجزر، فقد يبدأ المرء مشروعاً ما وهو مقتنع به، راغب بإنجازه، لكنه بعد مضيّ فترة من الوقت قد تطول أو تقصر ربّما يشعر بفتور همّته تجاه هذا المشروع ويجد نفسه عاجزاً عن الاستمرار فيه، فيحاول ثم يتوقف... ولعلك أخي القاريء قد مررت بمثل هذا من قبل، ولعلك استغربت خمود نشاطك وضعف همّتك رغم توقّدها قبل ذلك ؟

فما الأسباب التي تؤدّي الى فتور الهمّة وما علاجها ؟

دعونا نتّفق أولاً أن علوّ الهمّة وهبوطها أمر طبيعيّ يمر به الإنسان بين حين وآخر، نعم قد يمر ببعض الناشطين كل بضع سنوات مرّة لكنه قد يمرّ بغيرهم كل بضعة أشهر أو نحوها، لكنّه في نهاية المطاف شيء طبيعي ومتوقّع، فإذا كان الايمان يزيد وينقص كما دلّت على ذلك الآيات والأحاديث، فإنّ الزيادة والنقصان فيما دونه أولى .

لعلّ أهم أسباب فتور الهمّة بعد المباشرة بأداء مشروع ما، هو عدم الحصول على النتائج المتوقّعة، فأنت إن بدأت مشروعاً تجارياً على سبيل المثال، وكنت ترجو منه ربحاً وفيراً، فوجدت بعد فترة من الزمن أن ما تبذله من جهد في العمل لا يوازي ما يعود به عليك من ربح فإنّك تجد حماستك للعمل قد انطفأت وحلّ محلها التردد والحيرة والشعور بالفشل ... وأنتِ عندما بدأتِ حلقة لتحفيظ القرآن للأطفال في المسجد، كنت تتوقعين منهم التزامًا في الحضور، ومثابرةً في الحفظ، لكن أغلبهم بدأ يتغيّب دون عذر، وإن حضر لا يصغي ولا يحفظ ما قد طُلب منه، فبدأتِ تشعرين بأنّك تضيعين الوقت والجهد في غير موضعه.

وهنا لا بدّ لمن مرّ بمثل هذه الحال أن يتوقّف قليلاً، وأن يسعى لتغيير وسائله، فقد يكون سبب التعثّر أنّه لم يتَّخذ الوسائل الصحيحة لتحقيق الهدف، فيسأل من هو أكثر منه خيرة في المجال، ويقرأ ويطّلع، ويسجّل الملاحظات، ثمّ يغّير طريقته في العمل .. فالتاجر قد يغيّر السلعة التي يبيعها، أو يسعى لأساليب جديدة في التسويق، أو البحث عن سوق عمل غير التي بدأ فيها. ومعلّمة القرآن قد تحاول جذب الأطفال بعمل مسابقات لتثير روح المنافسة فيما بينهم، وتغريهم بالجوائز، أو تخفّف عنهم مقدار الحفظ، أو تقسمهم إلى مجموعات حسب مستوياتهم، وبذلك تبثّ في العمل طاقة جديدة تحفزهم للسير نحو الهدف.

ومن أسباب فتور الهمّة أيضاً: وجود المثبطين من حولك، الذين يحاولون بقصد أو بغير قصد أن ينالوا من نجاحك، فيقللون من أهمّية الأمر الذي تعمل عليه، ويستقلّون ما أنجزته، ويضخّمون لك الأعباء والعراقيل، ويهوّلون لك المشكلات، ويعيدون على مسامعك مراراً أنّ ما تقوم به لن يجدي نفعاً، وأنّ من حاول قبلك، فشل وعاد خالي الوفاض، ولا يزالون بك حتى تتردّد وتشعر أنك ربّما تسرّعت أو ورّطت نفسك فيما لا قِبل لك به، فتشعر بفتور همّتك تجاه الاستمرار فيه، وتخبو طاقتك على تحمّل أعبائه... والنصيحة هنا أن تستشير من تثق بحكمتهم وعلمهم، وأن تبتعد عن المحبطين المثبطين، وأن تصمّ أذنيك عن السماع لهم .

ولعل من القصص الطريفة في هذا الشأن أنّه كان في إحدى القرى جبل وعر لم يسبق لأحد أن استطاع تسلّقه والوصول إلى قمّته، فاتفقت مجموعة من الشبّان على التنافس في تسلّقه وإثبات قدرتهم على الوصول إلى القمّة، وجمعوا الناس ذات يوم وأخبروهم بأمر المسابقة فانهالت الأصوات من كل حدب وصوب بأنّ الأمر مستحيل وأنه لم يسبق لأحد أن وصل القمّة ، لكن الشبّان كانوا متحمّسين للأمر فانطلقوا يتسلقون الجبل وكلٌّ منهم يمنّي نفسه بالفوز، وكان الأمر شاقّاً بالفعل، واجتمع الناس عند سفح الجبل ينادون عليهم أن توقفوا فلن تستطيعوا، وكفّوا عن المحاولة بغير طائل، فلم يلبث أحد الشبّان أن تراجع ونزل، واستمرّ الناس في الصياح حتى تراجع الشبّان واحداً بعد الآخر، لكن واحداً منهم استمرّ في تسلّق الجبل ولم يلتفت أبداً، رغم كل الأصوات من أسفل الجبل، وظلّ مثابراً حتى وصل قمة الجبل أمام أعين الناس المذهولة غير المصدّقة ... فلما هبط تساءلوا عن سرّ إصراره ونجاحه، فاذا هو أصمّ !

ومما يسبب فتور الهمّة: الإرهاق والتعب الجسديّ، فإنك إذا حمّلت نفسك فوق طاقتها فانها تثور عليك وتعلن إضرابها عن الاستمرار في العمل الشاقّ، ويظهر ذلك في قلّة الإنجاز وتدنّي الدافعيّة .. وهذا السبب أيسر من غيره لوضوحه، ولا بدّ في تلك الحال من تخفيف الأعباء وايجاد مساحة للراحة والترويح عن النفس، لتعود للعمل بهمّة ونشاط.

ومن المفيد هنا أن نذكر أموراً عامّة مساعدة في النجاح وتحقيق الأهداف وقد تكون وقاية من فتور الهمّة والإحباط في أيِّ عمل دعويّ كان أم تجاريّ أم دراسيّ:

* الاستعانة بالله والتوكّل عليه واستحضار النيّة الصالحة قبل كل عملّ وطلب العون من الله على إتمامه وإنجازه وجعله خالصاً لوجهه الكريم . والالتزام بالذكر الذي علّمناه رسول الله صلى الله عليه وسلّم : " اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل ..."

* الحرص على الصحبة الصالحة، ومخالطة الفاعلين المنجزين، للاستفادة من تجاربهم ونصائحهم ، والبعد قدر الإمكان عن الفارغين التافهين الذين لا يضيفون للحياة شيئاً بل قد يكونون عبئاً عليها. 

* دراسة أيّ مشروع قبل الإقدام عليه وسؤال أهل الخبرة وموازنة الإيجابيّات والسلبيّات، والاطلاع على تجارب من سبق في ذاك المجال، لأخذ فكرة سليمة عن طبيعة العمل والجهد اللازم لأدائه، ومدى صعوبته واحتمالات نجاحه .

وفّقنا الله وايّاكم لما يجبّ ويرضى.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا